إنهم يصورون القيل والقال فى شكل امرأة - وكان ينبغى أن يصوروه فى زى رجل ؛ وذلك لأن السيدات حين يرغبين بلغو الحديث ، ويتنافثن سقاطه ، قل أن يجلبن مضرة . أما الرجل فإنه يحثو فى الوجوه ، ويدفع فى الصدور ، ويلقى على الأسماع وقرأ ، ويبالغ فى العبث ، فيطلق لسانه فى الأعراض ، ويتناول الأحساب ، ويخرج إلى السخرية والمقاذعة ، ويعدو على الناس بالشر ، حين يلقلق بالكلام ويشفقه ويحدسه على عواهنه . ويذرع فيه حتى يلفظ الزبيبة على شدقيه .
وغير خاف أن السيدات مرهفات الحس ، ذوات نزعات عاطفية خيالية ، شاعرية . أما الرجال فعلى النقيض .
وكأنى بالرجال يعتقدون أن السيدات يرغبن على الدوام فى الزلفى لهم ، والتشرف بنيل رضاهم - ولو احدودبوا من الكبر ، ودقت الشيخوخة عظامهم - ولئن كان الرجال عموما ، يمتازون عن السيدات بنزوعهم إلى التصبى والمغازلات ، والاستسلام للبدوات النفسانية العنيفة وفورانها العارضة الموقوتة ، إلا أنهم ليسوا عاطفين أقوياء الخيال مثلهن . ومعلوم أن الخيال عبد العواطف . والعواطف من
شأنها أن تسلط الخيال على الحقائق الجافة العابثة الوعرة ، فيغير عليها ويسحقها سحقا ، ويصوغ من حطامها صيغة حسنة ، ويفرغ فيها أ كل شخوصه وآلق عرائه وأروعها ؛ ولذلك كثيرا ما يقول الناس : (( إن الرجال لا يشيخون مطلقا ، بل يظلون أولادا صغارا على الدوام - ولو كانوا طوال القامة .. )) .
ولئن صح قولهم ، فينبغى ألا يفوتهم أن الأولاد الصغار عادة ، لايحفلون شيئا غير مرضاة ذواتهم ، وغير الاقتيات فى أمورهم والجرى على هواهم . على أنى لست أقصد بهذا الاستدراك - إلى تجريد الرجال من الميزات الفاضلة والخصائص الممدوحة . فهنالك الشجاعة ، وهى الميزة التى لا يتسم بها إلا أصحاب النفوس العالية الكبيرة ، والأخلاق القوية الراسخة . ولكنها فى الوقت نفسه من شيم النساء ! ! .
وقد رأيت فى موطنى المكسيك ، سيدات - تركن مع أطفالهن فى بيوتهن القائمة وسط معترك المواقع الحربية ، وخضم المعامع الدامية - فكن يصمدن فى أماكنهن . ويقمن بفروضهن اليومية والقنابل تتناثر من حولهن . ووابل الرصاص ينهال عليهن ، ويأبين أن يبدين هلعا
أو يلتمسن فرارا ؛ بل لقد كن يرددن مقطوعات من الأغانى الخفيفة ، ويتضاحكن ويصطنعن الدعة والطمأنينة . وكن إذا دكت الملمات أسوار تجلدهن . وأعجزتهن عن الاحتمال - يسارعن إلى رزم أطفالهن على صهوة الجياد ، ويحنثن السير إلى الجبال ومعهن كمية صغيرة من المئونة وقرطف سميك ، ويدأبن على مواصلة الغناء والإنشاد ، ولا يبدين واضحة لخوف أو فزع ..
إن النساء والرجال - على السواء - يتلقون أقصى مصائب الحياة وشدائدها ، بذرع فسيح وجأش رابط ، فى كثير من الأحيان ، ولكن ترى : أى الجنسين يكون أثبت جنانا وأوفر شجاعة حين تعرض له فى وجوده الأحداث التافهة والمصائب الهينة ؟ !
لقد خالطت زمر النساء والرجال - فى مغانى الأنس ومراتع اللهو وعلى متن البواخر ، وفى ردهات الرقص والقصف ، وفى منتجعات التشتية والتصييف المعروفة ، وقد أبصرتهم وهم يكدحون ويجدون فى معاهد العلم وميادين التحصيل ، وقد رأيتهم وهم يسعون على عيالهم ، ويضطربون فى المعاش ، ويضربون فى النواحى ، ويسهرون فى الدساكر المخصصة لتدريب الخيل ورعاية البقر فى أمريكا وفى غيرها من بلاد الله ؛ ولكنى وجدت أن النساء كن يتماسكن فى حالات الألم والمرض ، ويتجلدن فى صمت على مضض المحنة الهوجاء وغصص الشكاة السفاحة الجاهدة ، وكثيرا ما رأيت فيهن من كان يغشاها الداء وتشتد بها العلة ، فتملك من نفسها ما لا يملك سواها ، وما إن تزال فى مجاهدة آلامها حتى يرهقها من مواجعها ما يهى به احتمالها ويخور معه تماسكها ، فيصيبها الإغماء دون أن يلحظ أحد من قبل أنها قد اضطلعت بمجاهدة أوشكت أن تخرج أنفاسها .
إن الفتيات فى بلادى وفى غيرها من البلاد اللاتينية ، ينشأن على الاعتقاد بأن الرجال قوامون عليهن - وبأنهم دائما على حق ولا يخطئون أبدا .. ولذا يتحتم عليهن أن يذكرن أن الطاعة لهم واجبة فى كل حين . أما إذا ترعرعن
وأصبحن زوجات ، فلا ينبغى أن يقوم نقاش أو حوار أو لدد بين الزوجين ، وليذكرن أن الزوج يقول (( كذا وكذا )) فتنزع زوجه منزعه - ولو تباينت مذاهبهما - وعليها أن تشايعه صاغرة قميئة ، وتدامجه على المنشط والمكره ...
حقا أن حياة المرأة المكسيكية ليست مما تحسد عليه .. هذا ولا يفوتنى أن أذكر أن مزاجى ومزاج زوجى ، قد سقا من نبعة واحدة . وإنى لأوتر أن يراعى تمام الانسجام فى الأمزجة ، ودقة التجانس فى الطباع عند الزوجين ، لكى يتوافر لهما تبادل التفاهم ، ولك يتيسر للواحد منهما أن يشارك صاحبه فى كثير من الأمور - مع الاستقلال الشخصى - فى مودة واحترام . وأنا شخصيا أعجب بالشئ الذى يستحسنه زوجى (( جيمى )) كما أنه لا يحرص على الشئ الذى أنفر منه ؟!
وعليه أقول : (( إن التجانس بين الزوجين ، لا بد منه - لكى يتماسك شطرا المجتمع ، فتتوطد من ثم سعادة الشعوب ، وتقوى وحدة القومية فى الأمم )) .

