الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 584الرجوع إلى "الثقافة"

من بطون ، الكتب, النهامة والنهمون . .، لكاتب فرنسي

Share

النهامة فن دعائمه اختيار ألوان الطعام والشراب وإعدادها إعدادا يراعي فيه الذوق والفن ، فلا يكون الطعام والشراب اشباعا من جوع ، وإرواء من ظما فحسب ، بل يكون الطعام والشراب متعة لحواس النظر والشم والذوق ، فتستريح النفس كما تستريح إلي سماع لحن عذب من ألحان الغناء تغنيه جارية مليحة الشكل ندية الصوت .

ولا تحسين النهامة هي البطنة التي تقوم على امتلاء البطن من الطعام امتلاء شديدا ، بل قل إن البطنة هي تقيض النهامة ، بل قل إن البطنة هي الآية على بقاء الغرائز الوحشية بين قوم كانوا يحسبون - لولاها - من المتمدنين . بينما النهامة هي الدليل الذي لا ينقض على أن صاحبها قد بلغ أعلي معارج الترقي ، لا في مسائل الطعام فحسب ، بل في مسائل الفن ؛ فهو يعرف كيف يربط بين الأسباب والمسببات ، وهو يعرف كيف يلائم بين الخطوط والألوان ، وهو يعرف كيف يوائم بين الرائحة والطعم ، وهو يعرف كيف يمزج بين السوائل والجوامد .

والنهم ليس عبقريا من العباقرة ، وكذلك هو ليس من أصحاب الوسواس والهوس ، ولكنه شخص - سواء أكان رجلا أو امرأة - لا يعرف الشذوذ والالتواء ، يستوي في ذلك النهمون من الأغنياء والفقراء ومن الشبان والشبب ؛ فهم جميعا يعنون العناية التي رائدها الذكاء

والعقل ، بما يأكلن ويأكلون ، وما يشربن ويشربون .

ولا بد للنهم أن يكون معافى ، سليم الحواس الخمس ، ولا بد له فوق ذلك أن يكون سليم الحاسة الفنية ، أو إن شئت فسمها حاسة التقدير وعرفان التقيم .

وهي الحاسة التي تقوم عليها الفروق بين الإنسان وبين الحيوان .

وليس أحد منا بمستطيع أن يدعي أنه أبصر من نسر أو من قنبرة ، أو أنه أسمع من الكلاب والقطط وأشم منها للروائح ، أو أقوي ذاكرة من الفيلة .

ولكن الشمس لم تشرق يوما ما على أي صنف من صنوف الطير والحيوان ، سواء مما طار في الجو او التفت عليه الغابات أو ضمته الحقول والمزارع ، وقد أوتي حاسة التقدير و عرفان القيم ، وحاسة تمييز الفم كما اوتي الإنسان .

فالرجل الذي كف بصره لا يستطيع أن يستمتع بالصور والألوان ، ولكنه يستطيع أن يستمتع بالأنعام الموسيقية أكثر مما يستطيع أن يتمتع بها إخوانه المبصرون .

وكما أن من الناس من آفتهم العمي اللوني ، فكذلك منهم من آفتهم العمى الذوقي ، فهم يستطيعون أن يميزوا بين الحار والبارد في المأ كل والمشرب ، ولكنهم لا يستطيعون أن يعرفوا الفروق بين الطعام الحسن ، حسن البداوة . وبين الطعام الحسن ، حسنا مجاوبا بتطرية ، وهو ذلك

الطعام الذي تفنن صانعوه ، وتأنقوا في صنعه ، فطيبوه وتبلوه تتبيلا .

وأمثال أولئك لا يمكن أن يحسبوا في عداد النهمين . فهم لا يبالون أي طعام قدم لهم ، أو أي طعام وقع لهم ، وهم يفخرون بأنهم ياأكلون كل شئ يلقونه في أي صورة من الصور .

والرأي عندهم أنهم يأكلون ليعيشوا ، وليسوا يعيشون ليأكلوا.

ولكنهم جهلوا أنهم بذلك قد حرموا أنفسهم أكبر لدة من لذاذات الحياة . وما دروا انهم بذلك قد أشبهوا الأسماك في البحار ، والطيور في السماء ، والوحوش في الغابات ، فهي تأكل من خشاش الأرض ، ومما ترمي به الريح ، دون أن تغضب أو تثور ، وسواء أكنا نهمين أو لم نكن فإنه ( يجب ) علينا أن نأكل ، وكلمة (يجب ) هنا كلمة لا تقبل الاستثناء أبدا .

والنهمون يلاقون هذا الواجب المفروض بما يستحقه من تقدير أكثر مما يفعل غير النهمين . وهم يأبون أن يصبح هذا الواجب المحبب ، واجب تغذية الجسم ، وتجديد ما اندثر من كيانه ، وما انهدم من بنيانه ، تكرارا ممالا ، أو عادة ميكانيكية ، بينما هم قادرون على أن يجعلوه هواية لطيفة تلتذ بها حاستا الشم والذوق .

وإن كان هذا العمل يقتضهم مزيدا من الجهد والوقت ، فهو عندهم جهد غير مفقود ، ووقت غير ضائع .

والنهمون ككل رجال الفنون يولدون ، ولا يصنعون ، وهل رأى الناس مغنيا أو شاعرا صنعه الميران . وأنشأه المال ؟ وكذلك لن يصنع المران ، ولن ينشئ المال نهما واحدا من النهمين .

وهل رأى الناس شجرة تجود بالثمر إن لم تكن جذورها قد تأصلت في أرض خصبة ؟

وقد تبذر البذور في الأرض فتأكلها الديدان . وقد لا تنبت البذور أبدا ، وذلك بسبب نقص المائية أو زيادتها ، ومن ثم نرى أن الفقر المدقع ضرره كضرر الثراء العريض .

وإذا أنبتت البذور وجب أن تحاط الشجرة بالرعاية

والعناية ، وكذلك رجل الفن في كل ضرب من ضروب الفنون ، سواء اكان ادبا ، أو موسيقى ، أو تصويرا أو نهامة

والفروق بين الرديء . والجيد ، والأجود ، لا تكاد تبين ، وهذه الفروق الدقيقة لا يمكن أن تدرك إلا بالمدربة والمران .

ولما كان الغرض الأول من الطعام أن يكون لذة للنفس ، ووقودا للجسم في آن معا ، فإن أول ما يجب علينا هو أن نعرف ما يلائم ذوقنا ، وما يناسب حاجات جسمنا ، كما يجب علينا أن نغفل من حسابنا مسألة القيتامينات ، ومسألة الوحدات الحرارية ، فنحن لسنا من خنازير ( غينيا ) ، ولكننا كائنات تسيطر علينا أعصابنا ، بل نحن كائنات قوامها الأمزجة والعادات ، وخير ألوان الطعام هو ما يلذنا منظرا ورائحة ، سواء أكان ذلك اللون سمكا أو لحما أو تفاحا

والنهمون هم في العادة انفراديون ، ولكنهم يخضعون لسلطان بضع قواعد عامة ، أقرها أصحاب الذوق وأرباب الخبرة والتجربة .

ومن القواعد التي انعقد عليها الإجماع أن يكون صنف الطعام الذي يقدم اولا شهيا ، وقليل الكثافة ، وأكثر استساغة في المذاق من غيره ، ثم يتلوه الصنف الأكثر كثافة والأكثر إشباعا ، وهو ما يسمي بالصنف الرئيسي ، ثم يأتي بعد ذلك صنف خفيف ، طيب الراحة ، حلو المذاق ، ولا بد أن يكون هذا الصنف الأخير صنفا باردا حاولوا ، فيكون مسك الختام

ويجب أن يكون اللون الأول من ألوان الطعام كمقدمة الكتاب تشعرك بما سوف يشرحه لك الكتاب ، ويفصله تفصيلا ، ويجب أن يكون حكمه حكم المقدمة خفيفا غير ممل .

ومن الأغلاط المشاهدة لدي كثير من الآكلين ولعهم بمقدمات الطعام ، واتخاذها صنفا أصليا ، وهذا مخالف لطبيعة تلك المقدمات ، غير متفق مع ما اختصت به وأعدت له . .

(عن الإنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية