الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580الرجوع إلى "الثقافة"

من بطون الكتب, اللحية وتاريخها

Share

أولئك الذين لا يحبون اللحى في عمومها ، أو لحية من اللحى في حالة من حالات الخصوص ، قلما يترددون في إعلان سخطهم .

والمعروف عن أصحاب الأعمال أنه إذا جاءهم ملتح يطلب عملا أشاروا إشارة يفهمها اللبيب أن إزالة اللحية لها أثرها في الحصول علي العمل المرجو ، ثم في زيادة الأجر بعد حين .

ويحكى أن أسقف كليرمون " الذي أسس كلية كليرمون للجزويت ، كان صاحب أجمل لحية في فرنسا .

ولذلك فقد اجتمع كهنة الكنيسة في هيئة مجمع عام ، وأعلنوا فيما بينهم أن لحية الأسقف قد بلغت من الجمال حدا لا يليق بأسقف من أساقفة الكنيسة ، ثم أجمعوا أمرهم على إزالة تلك اللحية ؛ وتربصوا له حتى جاء إلى الكنيسة فأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم ، وقد حمل هذا الموسى، وأمسك هذا بالمقص ، وأمسك واحد بالصابون ، وأمسك آخر بالماء الساخن .

وما أن رأى الأسقف أولئك الحلاقين المزعومين حتى ولى منهم فرارا ، واعتصم بقصره في Beau Regard حيث مات بعد مرض قصير لحقه من أثر ما أصابه من غيظ وحنق علي أولئك الذين حاولوا إلحاق الأذي بلحيته .

وفي روسيا ، وفي حكم بطرس الاكبر ، كان أصحاب اللحى في زمرة غير المرضى عنهم ، بل كانت تفرض على لحاهم الضرائب والمكوس .

وفي عام ١٧٠٥ أصدر بطرس الأكبر مرسوما يفرض إتاوات على اللحى تختلف انخفاضا وارتفاعا باختلاف أقدار أصحابها ، فالضريبة على لحية التاجر الكبير ترتفع إلى مائة روبل . أما لحية التاجر العادي فضريبتها ستون روبلا أما الفلاحون ، وأما خدم الكنيسة فلا يدفع الواحد منهم إلا ثلاثين روبلا .

وقد أعفيت بعض طبقات الفلاحين من دفع ضربة اللحى ما داموا في قراهم ، وما داموا لا يطئون أرض المدن

وبلغت الحرب التي شنها بطرس الأكبر على اللحى أشدها في عام ١٧٢٢ يوم طلب إلي مجلس الشيوخ أن يصدر قانونا يوجب على كل موظف ملتح أن يرتدي ملابس الأجيال الحالية ، ومن يخالف عن ذلك يدفع غرامة مقدارها خمسون روبلا ، ومن كان منهم مصر فعليه أن يعمل في السجون أياما يوازي أجرها مبلغ الغرامة .

وقد أبيح لكل مرشد من المرشدين أن يأخذ بخناق كل ملتح ، وان يسوقه إلى المحاكمة ، وعند ثبوت التهمة

والحكم في الدعوي يقبض المرشد نصف مبلغ الغرامة ، وكذلك يأخذ ملابس المحكوم عليه .

وكان اتباع النظام الديني القديم في روسيا يطلقون لحاهم تشبها برجال الدين ؛ ولما كان هؤلاء يقفون سدا منيعا في وجه الإصلاحات التى كان يريدها بطرس الاكبر ، فقد كان يرى في كل ملتح خارجا علي الإصلاح الديني المنشود .

وفي انجلترا ، وفي عهد الملكة البصابات ، كانت اللحية مرغوبا فيها ، بل كانت تعتبر مكملة لرجولة الرجال .

ولذلك فقد كنت لا تري رجلا - مهما تكن منزلته - إلا ملتحيا . وكان شباب القوم يتبارون ويتنافسون في تجميل لحاهم وتزيينها ، كلون من ألوان الأناقة ، فكان منهم من ينشيها بالنشا ، وكان منهم من يصبغها ! وكان لون الصبغة الحبيب إلي كل قلب هو اللون القرمزي .

وكانت اللحى يومئذ مختلفة الرسم والشكل . فمنها التي تشبه المذراة في تشعبها ، ومنها ما تشبه ذيل العصفور . ومنها ما تشبه المعول ، ومنها المعقوس ، ومنها المثقب .

أما لحبة رجال الدين فكانت طويلة عريضة غزيرة .

وقد كتب كاتب من كتاب ذلك العصر يصف من انواع اللحى لحية كانوا يسمونها لحية قابيل . وهي لحية نزرة الشعر ، لونها أحمر يميل إلي الصفرة وقد سميت كذلك لأن قابيل وكذلك يهوذا الأسخريوطي كانا يمثلان في الصور القديمة بمثل تلك اللحية .

وذكر ذلك الكاتب أيضا اللحية التي أكل الفار أطرافها ، فخصلة هنا وخصلة هناك .

وكان الملتحون يحملون أمشاطا لمشط لحاهم . وكان حاملوا اللحى التي تشبه المروحة يضعون لحاهم أثناء الليل في غشاء مبطن لتبقى سليمة التنسيق .

وفي رواية حلم ليلة صيف لشكسبير سأل سائل : بآية لحية يراد له أن يمثل دوره ، فلما ترك له أن يختار عدد صنوفا منها وألوانا .

وفي روايات شكسبير إشارات كثيرة إلي اللحى ؛ فقد جاء في إحداها على لسان أحد شخوص الرواية قوله : إن من اللحى ما تقابل بالسخرية والاستهزاء ، ومنها ما تكون أداة للقسم ، فيقال : وحق لحيني لأفعلن كذا . .

وفي رواية " مكبث " يجد القارئ إشارة إلى الاعتقاد الذي كان سائدا منذ قرون ، وهو أن المرأة الملتحية إنما هي إحدي الساحرات ، فيقول " بانكو " عند ما التقى بالساحرات الثلاث : أنتن نسوة ، ما في ذلك شك ، ولكن يمنعني عن التصديق أنكن ملتحيات ! .

ولقد اختلفت أقوال القائلين في اللحى مدحا وذما ؟ فالألمان القدماء يقولون : " أن نجد حسن إدراك للأمور إلا عند ذوي اللحى ، والإنجليز القداى ، انجليز القرن السابع عشر يقولون : " لم تكن اللحية يوما دليلا على رجاحة العقل " .

وفي الحضارات القديمة ذاقت اللحى ألوانا من كؤوس النحس والسعد . وقد أتى على الإنسان حين من الدهر كان يعاقب إذا التحى ، كما أتى عليه حين من الدهر كان يعذل ويؤنب إذا بقى أمرد ولم تنبت لحيته .

وفي مصر الفراعنة كانت مكانة الرجل في المجتمع تعرف بشكل لحيته وطولها ، فملاك الأرض والتجار والعلية من القوم عامة كانت لحاهم تبلغ البوصتين طولا .

أما الفراعنة العظام فكانت لحاهم يتراوح طولها بين الأربع والست بوصات .

ويبدو أن اللحى كلها كانت لحي مستعارة ، وأنها كانت تصنع من خصل من الشعر تمسكها أربطة تلف حول الأذنين .

وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد كانت " الملكة حتشبسوت ، تلبس لحية مستعارة ، وتتزيا بزي الرجال إذا اجتمع الحفل ، وذلك لتخفي أنها أنثي ، ولتستبقي في يدها كل سلطان الفراعنة .

وفي التوراة وصف للحية كان صاحبها يبدع في

تنسيقها ، وكان يذر عليها ذرورا مشويا بالتبر المسحوق .

وكان من عادة القدماء من الإغريق والأشوريين ومن يمت إليهم من أجناس أخرى أن يجعلوا لحاهم في شكل تجاعيد منسقة .

وقيل إن داود عليه السلام قد أرسل رسله مرة إلى ملك من الملوك في بعثة سلمية ، فما كان من هذا الملك إلا أن حلقي للرسل نصف لحاهم ، فلما علم داود بهذا أمر رسله أن يبقوا حيث هم حتى تطول لحاهم مرة أخرى .

وقد أفل نجم اللحى ببزوغ نجم الإسكندر الذي كان يأمر جنوده بأن يحلقوا لحاهم حتى لا يستطيع عدوهم أن يمسكهم منها .

وفي روما بدأت حلاقة اللحى في عهد سيبيو أفريكانوس القائد الروماني المعروف بسيبيو الأكبر ) ٢٣٧-١٨٣ ق . م ( وكان هذا القائد يحلق ذقنه يوميا .

وكان شباب الرومان يؤرخون دور الرجولة عندهم باليوم الذي يحلقون فيه لحاهم لأول مرة ؛ وكانوا يحتفلون بهذا اليوم ويتقبلون تهانيء المهنئين .

وأول من حبب للناس إطالة اللحى هو الإمبراطور " هادريان " وذلك لكي يخفي ندوب جروح كان قد أصيب بها . وتبعه في هذا الإمبراطوران " أنطونيوس بيوس " و " مارك أوريليوس " وكان كلاهما فليسوفا .

وأصبحت اللحية آية التوقير وعلامة الاحترام عند الأباطرة اللاحقين . فلما جاء المسلمون أصبحوا يوقرون كل ذي لحية . ثم جاء الملوك فاستنوا لرجال بطانتهم أن يكونوا ملتحين .

أما هنري الثامن ملك انجلترا فقد كنت تراه تارة ملتحيا ، وتارة غير ملتح ، ولكنه في عام ١٥٣٥ أمر رجال حاشيته بألا يزيلوا لحاهم .

وكان " هنري الثامن " قد أقسم قبل ذلك ألا يزيل لحيته حتى يلتقي وفرنسوا الأول في ساحة الوغي ، وقد أقسم

فرنسوا مثل هذا القسم وبر بقسمه ، ولكن هنري لم يبر بوعده .

ويعتذر أحد المؤرخين عن هنري الثامن بانه قد فعل ذلك إرضاء لمليكته حينذاك ، وقد كانت تكره " اللحية الكثيفة " كرها شديدا ، وتخالفها في ذلك ملكة سابقة هي زوجة لويس السابع ملك فرنسا ، فقد احست بالضيق والحرج يوم أزال مليكها لحيته .

وقد تعاور اللحى بعد ذلك السعد والنحس ، فكانت تبقي حينا ، وكانت تزول أحيانا ، وكانت حينا تقصر وكانت حينا تطول . .

عن الإنجليزية

اشترك في نشرتنا البريدية