محور هذه القصة التاريخية هو ما دار في مدينة ( فلورنسا ) في نهاية القرن الخامس عشر من عراك بين آل مديتشي ، وبين السيطرة الفرنسية . ومن صراع بين الوثنية البائدة . وبين المسيحية الحديثة
وأهم شخوس القصة رجلان : الأول ( لينو ميلينا ) ذلك الإغريقى الذي جمع بين الذكاء والجمال وبين الحياة والقدر . والثاني ( جيرولامو سافونا رولا )- ١٤٥٢-١٤٩٨ أحد الرهبان الدومينكبين الذي انتخب عام ١٤٩١ رئيسا لدير القديس مرقس . والذي اشتهر ببلاغته خطبيا وكاتباً كما اشتهر بالرؤى والتنبوءات فقويت لذلك شوكته وامتدت سطوته وعلم نفوذه لدى العامة .
والذي قاد في عام ١٤٩٤ ثورة كان من نتائجها خلع آل مديتشي وإقامة جمهورية ديموقراطية .
والذي كان عداؤه للبابا الكسندر السادس سبباً في حرمانه وتجريده من رتبته الكهنوتية . وذلك عام ١٤٩٢ ، والذي كانت خاتمته ان ألقى القبض عليه بهمة الزندقة ، ثم عذب وشنق ، ثم أحرقت جثته . وذلك عام ١٤٩٨ .
قالت الكاتبة : في عام ١٤٩٢ تجمعت الجموع كسابق عهدها في ميدان " السوق القديم " في مدينة ( فلورنسا ) . وكان موت " لورنزو دي مديتشي " قد بلغ مسامع العامة . ومشي بين الناس فتى جميل المحيا ، كان يتكلم برطانة غريبة عن لغة القوم .
وكان هذا الفتي إغريقياً . وكان قد وطئت قدماه أرض ( فلورنسا ) بعد سلسلة من الخاطرات .
واسم هذا الفتى ( تبتو ميلسيما ) وكان يومئذ يدير في عقله حوادث الكارثة التى نزلت بالرجل الذي ربي في بيته وهو ( بلداسار كالفو ) .
ففي رحلة إلي الجزيرة اليونانية ( ديلوس ) سطا على سفينتهم لصوص البحر .
وكان من حسن طالع ( تبتو) أنه تمكن من الفرار وأنه كان يخفى معه ثروة ضخمة من الأحجار الكريمة . كان علي الرجل الذي رباه فارتقب هذا - وكان شيخاً كبيراً - أن يحتال ( تبتو ) في أمر افتدائه وخلاصه من أسر اللصوص
وكان (تبتو ) في تلك اللحظة جائعاً . فلما رأي فتاة جميلة تأكل وحدها سألها أن تقاسمه طعام فطورها . وقال لها في مداعبة - إن الحب هو حافزه لهذا الرجاء .
وقالت له الفتاة إن اسمها ( تيسا ) . وعلي الرغم من أنها كانت تعمل فلاحة تحرث الأرض فقد فتن الفتى بحسن وجهها ، وجن بها جنونا .
وقدمته ( نيسا ) إلى ( نيللو ) الذي كان يعرف - على الرغم من أنه كان حلاقاً - كل رجل من رجال الفنون ، وكل حام من حماتها في ( فلورنسا ) ؛ فقد كانت دكانه مجتمع كل الرجال المثقفين في تلك المدينة .
وأعجب (نيللو ) الإعجاب كله بجمال ( تبتو ) ولما علم أن هذا قد تلقي علومه باليونانية عزم على أن يحوطه برعايته ، ولم يلبث أن قدمه إلى ( باردو دي باردي ) ذلك الأديب العالم الضرير ، أحد أفراد آل ( باردي ) المشهورين . وصاحب أضخم مكتبة في المدينة ، تلك المكتبة التى جمعت نفائس الكتب .
فاتخذ هذا العالم ( تبتو ) كاتم سر له وأعانه على بيع جواهر مربيه ، وسرعان ما ظفر ( تبتو ) بثقة الجميلة الفاتنة ( رومولا ) ابنة ذلك العالم .
وكانت هذه الفتاة تحيا حياة عزلة ، وتعاون أباها في مكتبته ، فلما رأت ( تبتو ) أحبته لأول نظرة ، ويوم وثقت به ومنحته ودها ، ما كانت تشك أبدا في تشابه المثل العليا لديهما . ولم تكن تعرف ما قام بينه وبين الفتاة ( تيسا ) من علاقات .
وبعد بضعة أشهر ، وفي يوم ذكري القديس (جيوفاني ) جاء أحد الرهبان فسلم ( تبتو ) خطابا جاء به رجل كان قد لقي (بلداسار كالفو ) ، وفي هذا الخطاب يسأل الشيخ أن يسارع ( تبتو ) إلى افتدائه من الأسر .
وكان (تبتو ) في تلك الآونة قد أصبح مرموق المكانة بين علية القوم في فلورنسا . فقد نصبوه أستاذاً للغة اليونانية ، وسرعان ما أحس في نفسه أن لا بد له أن يعلن خطبته للفتاة ( رومولا ) ، ولم تكن به رغبة مطلقا في أن يفك أسر مربيه .
وكان الراهب الذي سلمه الخطاب هو ( الأخ لوكا ) وكان قد عاد من بلاد الشرق مريضا يعاني السقام ، ولم يفجئ ( رومولا ) بأنه يعرف ( تبتو ) . ولكنه ، وهو يعاني سكرات الموت ، وفي حضرة ( سافونا رولا العظيم ) ، حذرها تحذيراً خفياً لم تستطع ساعتئذ أن تفقه مغزاه .
وفي الوقت نفسه كان ( تبتو ) قد تزوج الفتاة ( تيسا ) زواجاً شكلياَ ، تلك الفتاة التى بلغت في السذاجة حداً ، لم تستطع أن تتبين به ما في ذلك الزواج الشكلي من غش وتدليس .
وبعد قليل تزوج ( تبتو ) الفتاة ( رومولا ) بعقد صحيح
ثم زاد ( ثبتو ) ثراء ومالا ، وبلغ من ثرائه أنه كان من بين المواطنين الذين دعوا لاستقبال ملك فرنسا ( شارل الثامن) يوم دخل ( فلورنسا ) زائراً ، وقد جاء في ركاب الملك الرجال الذين كانوا في أسر الفرنسيين ، وكان من بين أولئك الأسري ( كالفو الهرم ) وقد عرف هذا الشيخ - على الرغم مما أصاب عقله من خرف - ربيبه (تبتو ) أثناء الطواف به في شوارع ( فلورنسا ) مع سائر الأسري ، ولكن ( تبتو ) أنكره الإنكار كله على الرغم من معرفته به .
ثم ألقت بالشيخ المقادير - بطريق المصادفة - في بيت ( تيسا ) الذي اتخذه بعدئذ ملاذاً وملجأ. فلما زار (تبتو ) الفتاة ( نيسا ) أذهله لقاؤه المفاجئ للشيخ الذي رباه ؛ فهجم عليه هذا ، ولكن الدرع التي كان ) تبتو) يدرعها وقته شر طعناته .
وفي تلك الأثناء مات العالم الضرير ( باردو دي باردي ) وكانت آخر وصية له ان تكون مكتبته الضخمة - التى قضى عمره في ترتبيها وجمعها - حلأ مباحا لأهل ( فلورنسا ) .
ولكن ( تبتو ) - لحاجته إلى المال - عقد العزم على بيع مجموعة الكتب ، ولأول مرة تبينت ( رومولا ) ما عليه ( تبتو ) زوجها من ضلال وغى .
أما وقد زالت عن عينيها الغشاوة فقد رأت أن العهود التى بينها وبين ( تبتو ) يجب أن تنقض . فأجمعت أمرها على مفارقته .
وبينما هي في طريق الخروج من ( فلورنسا ) مستخفية لقيها ( ساقونا رولا ) فاستوقفها ونصح لها بأن تعود إلى
المدينة ، مؤكداً لها أن ليس من الخير أن تضع أهواءها الشخصية فوق الخير الذي تستطيع أن تغدقه على أهل ( فلورنسا ) .
فنزلت الفتاة على حكم ( سافونا رولا ) وعادت أدراجها لتعيش مع ( تبتو ) ولكنها نذرت أن لا تفعل إلا الخير للناس . فأصبحت واحدة من أتباع (سافونا رولا) المخلصين على الرغم من أنها كانت لا تقره على جميع آرائه .
أما ( تبتو ) ، فقد ظل يرقى معارج السياسة ، ولكنه كان متزعزع الولاء ، وكان في قدرته أن يخدم كل حزب موهماً إياه أنه لا يخدم حزباً سواه .
وحاول ( بلدا سار كالفو ) مرة أخري أن يعلن شكائه من ( تبتو ) شارحا للناس ألوان التهم ، وكان ذلك أثناء وليمة كبرى أقيمت في إحدي الحدائق .
ولكن ( تبتو ) استطاع بنفوذه القوى أن يزج بالرجل في السجن حيث أقام سنتين .
وعلى الرغم من ذلك ، فقد استطاع ( كالفو ) أن ينبيء ( رومولا ) بنبأ (تيسا ) ، وبانباء ولديها اللذين رزقتهما من ( تبتو ) .
وفي عام ١٤٩٧ ثبت أن لتبتو يدأ كبري في المؤامرة ( الدينشية ) ؛ فقد خان ( تبتو ) أبا ( رومولا ) في العماد ووشى . . وهو ( برناردو دل نبرو ) الذي طالما اسدى الخير لأبها ، فقبض على الرجل بوصف أنه ضالع في المؤامرة .
ولما لم تستطع ( رومولا ) أن تستمد العون من (سافونا رولا ) لإنقاذ أبيها في العماد ، فقد حوكم هذا وشنق ، فلم تر هي بدا من الفرار من ( فلورنسا ) .
وحطت الفتاة رحالها في قرية أصاب أهلها الوباء . فعملت في تمريض المرضي ، وعاشت بين أنياب المرض . ومخالب الموت .
وبينها هي في رحلتها تلك قبض على ( سافونا رولا) . وساد الذعر مدينة ( فلورنسا ).
ثم علم الناس آخر الأمر بخيانة (تبتو ) فقد أنبأهم
بها ( دولفو سبيتى )وانصاره الذين جمعوا الجموع ومشوا إليه مغاضبين .
فهرب ( تبتو ) ، وعبر النهر سابحاً ، فلما بلغ الضفة الأخرى ، وكان قد أضناه الجهد ، لقيه ( بلداسار كالفو ) فقتله خنقاً ، ثم قتل نفسه .
وعادت ( رومولا ) إلى ( فلورنسا ) حيث علمت بموت زوجها ، وكانت حاضرة يوم فاضت روح ( سافونا رولا ) .
ثم بعثت من يجيئها بالمرأة ( نيسا ) وبطفليها فاسكنتهم بينها وظلت ترعاهم وتعني بأمرهم .
ثم عاشت بعد ذلك بقية عمرها لا تعرف إلا الولاء لذكرى أستاذها العظيم ( سافونا رولا ) . .
( من الإنجليزية )

