الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 590الرجوع إلى "الثقافة"

من بطون الكتب, قطعة من كتاب دون كيشوت، للكاتب الإسباني الكبير " ميجويل دى سرفانتس "

Share

ولد سرفانتس عام ١٥٤٧ ، وتوفي عام ١٦١٦ ميلادية أي قبل عشرة أيام من وفاة شكسبير .

وقد طبع الجزء الأول من كتاب دون كيشوت عام ١٦٠٥ ، ويقال إن هذا الجزء قد كتب في غرفة من غرف السجون .

ولم يظهر الجزء الثاني من الكتاب إلا بعد قرابة عشرة أعوام من ظهور الجزء الأول .

ويؤكد كثير من النقاد أن الغرض من تأليف الكتاب إنما كان الطعن . والقدح ، والحط من قدر فروسية العصور الوسطى ، ولكنا نرى أن الرأي هو ما رآه النقادة الكبير هازلت حيث يقول :

إن السجية الواضحة من سجايا دون كيشوت هي إنكار الذات ، وقد كان فوق ذلك محبا للعدالة والحق ، كما كان من كبار الحالمين بالفروسية ، وركوب الأخطار ، حتى أذهلته تلك الأحلام عن نفسه ، فتحول عقله إلى عقيدة تؤمن بالفروسية وباقتحام سبل المخاطرة .

وليس هناك خطأ أكبر من الظن أن كتاب دون كيشوت ليس إلا سلسلة مقالات في الهجو والقدح أو هو محاولة سوقية لبعث نظام الفروسية بعد أن طال

عليه البلي ، وهل يجوز في الوهم أن يبعث نظام لم يعد له وجود ؟ .

( وبعد ) فقد كان ( سرفانتس ) عذب الروح ، حلو الفكاهة ، على طريقة ( شارلس ديكنز ) ، وإن كان ( سرفانتس ) اكثر أناقة وأجمل رواه ، فإن شخوص سرفانتس تذكرك بشارلس ديكنز وشخوصه ، وفي ( دون كبشوت ) جزء غير قليل من طينة ( مستر بكوك ) من حيث الرغبة في عمل الخير بحماقة وجنون ، وبطريقة تدعو إلى السخرية ، على حين أن ( سانكوبابانزا ) يبعث إلى ذاكرتك ( بسام وللر ) .

والكتاب ملئ بأن بأنباء المفاجآت وقصص المخاطرات ، وصورة دون كيشوت في الكتاب هي صورة واضحة لاخفاء في تقاسيمها لرجل مجنون تصدر جميع أعماله - سواء تلك التي تبعث على السخرية ، أو تلك التي تثير الشجن - عن رغبته الجنونية في إصلاح أخطاء العالم .

وفي إحدي روايات دزرائيلي اعترض أحد أشخاص الرواية بقوله : إن ( دون كيشوث ) لم ير الحياة أبداً . فأجابه محاوره : بل إنه عاش في أنفسنا . . وفي الحق أن ( دون كيشوت ) يحيا في ذكرياتنا حياة

محمسة ملموسة كأنه شخص من أشخاص التاريخ ، فوجهه المعروق ، ولحيته الخفيفة . وفكاه البارزان ، وعيناه الشاردتان ، تكون في مجموعها صورة قريبة الشبه بصورة نابليون مثلاً .

ووصيفه سانكو بانزا ، وترجمة اسمه ( ساكو ذو الكرش الكبير ) هو كذلك مائل في الذهن بقصر قامته ، وجسمه الممتلئ ، وبطنه المتكرش ، وساقيه النحيلتين ، ثم حدث ولا حرج عن سذاجته ، وطريقته الظريفة في التوفيق بين مثل سيده العليا وبين أدنى ما عرفه الناس من الخدع والحيل ، وقفاً لصالحه وصالح سيده معاً .

وبالرغم من سذاجته فإن ( سانكو بانزا ) كان على علم تام بأخطاء سيده . ولكن ذكاءه كان يعجز دائما عن تلافي نتائجها . فأنت تري مثلاً أنه لما غادر سيده الخان الذي نزلا فيه مرة معا بغير أن يدفع ( دون كيشوت ) حساب الخان ظناً منه أن ذلك الخان إنما كان قلعة من القلاع . والفرسان ينزلون القلاع والحصون ضيوفا مكرمين ، أقسم ( سانكوبانزا ) أن الوصفاء هم كذلك غير مطالبين بالدفع . حكمهم في ذلك حكم الفرسان على السواء . فكان جزاء ( سانكوبانزا ) أن لفه مجان الخان في لحاف وجلدوا به الأرض . ولم تأخذهم بالشريف ( سانكو ) شفقة ولا رحمة .

وكذلك حصان ( دون كيشوت ) وكان اسمه " روزينانت " وترجمتها " الحازون الاكبر " هو جزء متمم للصورة التي جمعت بين ( دون كيشوت ) و ( سانكوبانزا ) والحصان . فقد كان الحصان هزيلاً ، متقدما في السن . حتى إن الوصيف ( سانكو ) لم يكن يري داعياً لأن بعقله لثقته بأنه كان حصاناً صادق الوعد ، إذا وعد بأن يبقى حيث أوقفه بقي ولم يغادر مكانه وفاء بوعده .

( وبعد ) فإنا سنعرض عليك فيما يلى ملخصاً لبعض أمر ( دون كيشوت ) مع وصيفه ( سانكوبانزا ) :

اختار ( دون كيشوت ) لصحبته رجلاً من جيرانه . كان قبل صحبته أجيراً من الآجراء . وكان رجلاً طيب الخلق ، إذا جاز لنا أن نسمي الرجل الفقير طيب الخلق ، فقد كان فقيراً في عقله كما كان فقيراً في ماله .

تحدث الفارس ( دون كيشوث ) كثيرا مع وصيفه المرتقب محاولاً إقناعه بمختلف الحجج ، ومغدقاً عليه وابلاً من الوعود ، حتى رضي ذلك المهرج الفقير الغبي أن يمشي في ركابه ، وأن يصبح وصيفه ونجيه .

ومن وسائل إغراء ( دون كيشوت ) لهذا الوصيف أن قال له : قد يسعدنا الحظ في موقعة من المواقع فنغنم - بحكم الفتح - جزيرة من الجزر ، فيصبح هذا الوصيف حاكم تلك الجزيرة وصاحبها .

ومثل هذا ترك ( سانكوبانزا ) أهله وولده ليسير وراه جاره . وجمع ( دون كيشوت ) قليلا من المال فباع بيتاً ورهن آخر . ثم اقترض درعا من واحد من أصحابه . ثم تولى بالرفو والترقيع إصلاح قفازه وغطاء رأسه . وأعلن لصاحبه موعد الرحيل لكي يعد نفسه . وكلفه أن يزود نفسه بخرج من الأخراج فوعده ( سانكو ) بذلك وبأنه سيصحب حماره معه ، ذلك لأنه لم يتعود السير راجلاً .

فلما سمع ( دون كيشوت ) ذلك القول أطرق يفكر . ويستعيد دراساته . ليرى إن كان من عادة الفرسان أن يركب وصفاؤهم حميراً . ولكنه لم يتذكر أنه قرأ عن سابقة مثل هذه من قبل . ولكنه اضطر أخيراً أن يخلق هو هذه السابقة واعداً إياه أن ينزل أول فارس يلقاه غير مهذب عن حصانه ويركب صاحبنا مكانه .

وخرجا من القرية والليل مرخ سدوله . وهما لم يودعا أهلاً ولا ولداً ، وكأنهما سارقان يخافان رجال الشرطة .

وسار ( سانكو بانزا ) مختالاً فخوراً . أليس هو الحاكم  المنتظر للجزيرة التي وعده بها ( دون كيشوت ) ؟

فلما طلع النهار قال ( سانكو ) لصاحبه : أيها السيد الفارس ، إني أستميحك الإذن في أن أذكرك بوعدك ، فلا ننس مسألة تنصيبي حاكما على الجزيرة .

فقال له ( دون كيشوت ) : أرجو أن تعلم - علمت الخير - أيها الصديق ( سانكو ) انه كان من عادة الفرسان في الزمن القديم أن يجعلوا وصفاءهم حكاماً على الجزائر ، بل على الممالك التى يفتحونها .

ولست أريد أنا أن أبقى على هذه السنة الحميدة ، بل أريد أن أزيد عليها وان أبذ أسلافى في السخاء والكرم . ذلك بأن أسلافى من الفرسان كان من عادتهم أن يؤجلوا

هذه العطايا والمنح حتى تتقدم بهم السن فينزلوا يومئذ لوصفائهم عن لقب من الألقاب كلقب ( كونت ) أو على الأقل كلقب ( مركيز ) .

أما أنا فقد لا يمر على صحبتنا ستة أيام حتى أفتح مملكة كبرى تتبعها ممالك صغري . وسوف اجعلك ملكاً على واحدة من تلك الممالك .

ولا تظن أن هذا أمل يعيد التحقيق . فالليالي من الزمان حبالى . وهي قد تلد الأعاجيب . فامش وراء خطوي ، وسأعطيك ما وعدت . بل فوق ما وعدت . .

( عن الإنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية