له مبونو أوجيك " نيجبري من إفريقية . شاءت الأقدار أن ينبت نباتنا متعدنا برغم زنجيته ، وشاءت له بعد ذلك أن يخرج من البيئة التي قضى فيها طفولته وطرفا من أيام شبابه . فيطوف في أوربا وأمريكا . ولمع نجمه ورف ذكاؤه . ويرع في الدراسات التي طرقها . وصار عضوا في معهد الطلاب الشرقيين لدراسة العلاقات الإنسانية .
وقد قرأت كتابه المسمى " بلادي إفريقية MyAfrica" فوجدته من اطرف الكتب وامتعها . ملئ فوائد وحشي غرائب . وهو أشبه ما يكون بمذكرات يصف فيها حياته وبلاده . وطرافة الكتاب آتية من ناحيتين : الأولى أنه يصف وصفا دقيقا حلوا ، بلادا لا نعرف عن عادانها وطرائق الحياة فيها إلا القليل . والثانية أن كاتبه زنجي اللون . لكنه أوربي العقل والثقافة
ومن امتع صفحات الكتاب ، أحاديثه عن طفولته . وعن أبيه ، وهأنذا انقل طرائف منها .
يقول : " كان أبي ، وهو رجل دولة في نجيريا . يعتقد ، تبعا للعقيدة الإفريقية في التناسخ ، أبي كنت ذات أخيه المتوفي . أطلعني ذات يوم على ندبة في صدري ، من الناحية اليسري - وهي علامة أحملها منذ مولدي -
وأبان لي أن في هذا الموضع بعينه غذت رصاصة في صدر أخيه " أودو".
ما أدري إذا كان على أن اعتقد ذلك ، ولكن شيئا واحدا هو يقين عندي : ذلك أبي أحتفظ دائما بأثر الجرح : بقعة مستديرة قاتمة اللون ، عرضها سنتيم وربع سنتيم ، وأن شكلها لم يتبدل قط .
إن قطعة من فصل ، لا تكفي حقا ، كي أقص بشكل تام ، كيف حدث أن تزوج أبي عشرا من النساء ، إذ ينبغي لهذا كتاب كله . لنضرب مثلا زوجته الأولى . إن اسمها وحده " أغامبا " يكفي ليوحي لماذا شغف أبي بها حبا . إن معنى أغامبا " كاعب أوتيت من الفتنة أن كل إنسان يفخر بالتطواف معها في بلد غريب " .
أما النساء الأخريات ، فقد تزوجهن لأسباب مختلفات : ليزيد عدد أولاده ، أو ليحاط بأقارب جديرين أن يشاركوا في حسن تدبير أعماله ، أو ليرفع من شأنه في أعين الناس ؛ لأن رجلا في مثل غناه ، إذا أوتي زوجتين أو أكثر معا ، كان محل الإعجاب والإجلال أو لأن الزواج كان يفيده لينشئ صلات ود مع أسر قوية أخري .
وكانت زوجاته يتفقن معا على ما تطلبه كل واحدة
منهن ، من أبي . ففي سنة ، مثلا ، طلبن قطعا من القماش المختلف ، لكل واحدة . وتعهدن ، مقابل ذلك ، ان يقدمن له الطعام طوال نصف عام
لكن أبي رفض ، بلطف ، هذا الطلب . فاحتججن عليه ، وقررن أن يبقينه من غير طعام . ولم تقبل أية واحدة أن تهيء له طعامه . فبقي يوما كاملا صائما ثم دعاهن إلى اجتماع ، وعقد معهن اتفاقا أرضاهن
وأوتي أبي أولاد كثيرين ، ولم يقصر في العناية بهم جميعا . كان يحبهم . وكان يسعي لإرضاء كل واحد منهم . كان عدد الذكور تسعة عشر ذكرا . أما الإناث فكن ثلاثين بنتا وبنتا .
وكان أبي يهتم كثيرا بطعامه . كان ينبغي أن يأكل ثلاث مرات في اليوم . وكانت كل واحده من نسائه تهئ الطعام يوما . وكان لا يتناول طعامه وحيدا . فإذا لم يكن عنده ضيفان ، فالزوجة التي صنعت الطعام هي التي تأكل معه
وصنعت أمي ذات يوم سمكا ، وحملت الطبق إلي القصر . وحملت أنا ماء في وعاء فغسلا به أكفهما قبل أن يا كلا من الطبق معا . واقد وددت أن ادعي ، لكنهما لم يتفوها بكلمة . كنت أنظر إليها ككلب يري صاحبه يأكل لحما كان كل منهما يتناول قطعة فيغمسها في كوب فيه زيت النخيل ، ثم يمضغها .
ورأي أبي كنت أنظر إليه ولسان حالي يقول : " وأنا جائع أيضا . . فقال لي مؤنبا :
- لا تنظر إلينا . أذهب والعب عندما تعود أمك إلي بيتها ، فستتقدم لك طعامك .
وسألت أمي بعد ذلك ونحن نأكل معا : لماذا لم يطعمني أبي طرفا من طعامه ؟ .
قالت : إن علي الصبي أن يأكل في بيت أمه . قلت : وإذا فلماذا يريد دائما أن نبقى أمامه ، إذ يأكل تنظر إليه ؟ .
قالت : يريد أن تتعلم كيف تأكل . ويريد أن تتعلم الصبر عن شئ تراه أمامك وتتوق إليه ، ولكنك لا تستطيع الحصول عليه ، والآن أسرع في طعامك ، ولا تثرثر على المائدة ، فالصغار لا ينبغي أن يتحدثوا وهم ياكلون .
فلما بلغت من العمر قرابة سبعة أعوام ، بدأ أبي يرسلني أحيانا إلى موضع ببعد ستة كيلو مترات عن قصرنا ، لأيحث له عن شئ ، أو لأحمل رسالة ما . فإذا بدا له أني تأخرت كان يقول لي :
يوم كنت في سنك ، كنت أمشي وأجري إلي بعد ثلاثة عشر كيلومترا . انظر . ها انذا أصق على الأرض ، أرني إذا كنت تستطيع أن تذهب وتعود قبل أن تجف بصقتي .
وأنا ولدت متأخرا . فلم أعرف جمجمة أبي إلا وهي صلعاء تماما . هذه الحمجمة الصلعاء كانت تعتبر مقدسة . فإذا اتهمت بخطيئة ما كان أبي يقول :
- احلف برأسي . وكنت طبعا ، أخاف أن أحلف . ولكن ذلك لا يعني أن أبي لم يكن لديه أنصاب حقا ، بل كان لديه كثير منها . وكان يقسم بأوفو . وأوفو هو رمز القوة والعدل والحق التي ورثناها عن أجدادنا
كان أوفو أبي ، له شكل مطرقة ضخمة ذات رأسين . وكان لكل واحدة من زوجاته أوفو صغير إذ يكون لها بيتها الخاص بها . وقد لجا أبي إلى أوفو مرة ليمنع نساءه من أن يشتركن في بعض الأندية . كان يهز بأوفو فوق رأسه ويقول " كا ، أنو ، كج يا ، أوفو آ ، غيو كوام " أي بدلا من أن أراكن تحضرن هذه الاجتماعات ليقتلني أوفو " . وكان نساؤه يخفن من أوفو ، فلا يخضن في حديث الأندية أبدا .
وكنت في السادسة من عمري إذ تناقش أخي ) أبانوغو ( وأبي في أمر ارسالي إلى الدرسة مانع أبي بادئ الأمر ، وأيدته أمي . ومن غير أن أعرف الشئ الذي يبحثون فيه ، انضممت إليهما
ولكن ) أبانوغو ( اشتري لي صدارا من الصوف الأبيض . وكنت حتي ذلك اليوم ما ارتديت قط ثيابا . فالصبيان لا يرتدون الثياب حتى يبلغوا الحتم وبهذه الصدرة أفهمني أخي رأيه . فلما علم أبواي أني قررت الذهاب إلي المدرسة عادا عن رفضهما .
ورأيت في المدرسة المرة الأولى ساعة كبيرة . فإذا أشارت إلي السابعة صباحا كانت دقات الطبول تنبه الأطفال كافة ، البعيدين حوالى للدرسة ، عشرة كيلومترات ، أن الوقت حان للبدء بالمسير . وفي الثامنة يكون معظمهم قد وصل . أما أنا فكنت أصل في الوقت تماما كان طريقي لا يزيد بعده عن خمسة كلو مترات .
وكنت أحيانا أحمل صداري علي كتفي ، فلا ألبسه إلا عند بلوغي المدرسة وكان الأساتذة يرتدون صدارا بدلا من القميص ، وتحته السراويلات ، وفي أرجلهم الأحذية . وكان لهم في أنفسنا احترام عميق . وكان السوط بأيديهم دائما ، في الصف . وحتي عندما ما كانوا يزورونا . الأمر الذي دفعني أن أقرر أن أكون أستاذا
وكان أخي أبانوغو يدفع نفقات تعليمي كان يشتري لي الثياب والكتب والدفاتر التي أحتاج إليها . وكانت النفقات تزداد ، فاضطررنا إلى الالتجاء إلى أبي . فرفض مساعدتنا صراحة وقال لي :
- إنك تسرق ساعات العمل بذهابك إلى المدرسة إن من الشذوذ أن أعطيك الدراهم لتنسرق .
فلا أبنت له " فائدة ذهابي إلي المدرسة قال : بني ! لن تستطيع أن تصبح اكثر حكمة أو أوفر مالا مني بذهابك إلى المدرسة وتعلمك عادات البعض
وكنت في السنة الثالثة عندما رأيت للمرة الأولى فتي وقتاة من البيض يمشيان معا . فاضطربت لرؤيتهما كان لونه
هو ، شاحبا . وكان لهما انفان طويلان جدا . كانا حقا غريبين . فكرت أنهما إذا أرادا أن يشربا فلا بد لهما أن يغمسا رأسي أنهما في الكأس ، قبل أن يصل الماء إلى فمهما
وتساءلت أيضا : كيف يستطيعان التقبيل والعناق . كنت أعتقد أن الأنوف تتشابك فتمنع الشفاه عن أن تتلاقي ، ولم أتبين خطئى إلا بعد تسعة عشر عاما عندما زرت أمريكا وأوربة .
كان المبشرون يلقون الحماسة في نفوسنا لتلقي ثقافتهم الغربية ومحاكاتهم في جميع النواحي ؛ وكان على كل من يصبح نصرانيا أن يتخذ نفسه اسما غربيا ساعة تعميده ، ويوم عمدت اتخذت لفسي اسم " روبنسن " .
حملت هذا الاسم عشرة أعوام حتى الساعة التي استيقظ فيها شعوري يقوميني وفهمت غرابة ما فعلت ، فعدت عندئذ إلي الاسم الذي أعطانية أبي " مبونو " ومعناه " العمل خير من الكلام " . وقد يكون هذا الاسم أقل جمالا من روبنسن ولكنه حتما أكثر أصالة .
إن الثقافة الغربية قد أعطيت للأفريقي بصورة سيئة . وسيبقى ألعوبة في أيدى الشعوب طالما لم تقدم إليه هذه الثقافة بصورة أحسن .
وأمطرت السماء مصائب على أبي ؛ بلغ سن الشيخوخة . وأصبح لا يستطيع أن يتزوج . ومات أول أولاده بأزمة قلبية . ثم رأي سور قصره الواسع ينهار أمام عينيه . ثم غابت شمسه رويدا رويدا .
لقد علمت مصيره منذ رأيته يبكي أخي الأكبر . وتيقنت من ذلك عندما سافرت إلي أوربة برغم تمتعه وبكائه إن هذه الخبيات قد قصرت عمره كان يدعو ويبتهل أن يبقى ، ويبقى إلى جانبه أبناؤه . لكنه كان رجلا لم يستمع الكون إلى صلاته وندائه .
) دمشق (

