الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 633 الرجوع إلى "الثقافة"

من تاريخ اسكندرية في العصر الأسلامي :, الإسكندرية، في القرن التاسع الهجري (١٥ م )

Share

في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري ، وفي سنة ٧٦٧(١٣٥٦ ) على وجه التحديد - آغار بطرس الأول لوزنيان ملك قبرص في أسطول ضخم على مدينة الإسكندرية ، واستطاع هذا الملك أن ينزل بجتوده إلى البر وان يقتحم أبواب المدينة ويدخلها بعد مقاومة ضئيلة ، ولم يستطع حاكم المدينة - لأسباب كثيرة لا داعي لشرحها هنا - أن يصمد لمقاومة القبارصة ففر إلى دمنهور ، وفر معه من استطاع النجاة بنفسه من الجند والأهلين . ودخل الصليبون المدينة فقتلوا معظم من بها وأسروا الباقين وخربوا المدينة تخريبا

كلها وهدموا دورها وقصورها وفنادقها ومتاجرها ، وقتلوا هذا كله إلى صفتهم ، ولم ينقذ المدينة إلا اختلاف دب بين رجال الحملة فقرروا مغادرة الإسكندرية والعودة إلى جزيرتهم بعد أن قضوا بالمدينة أربعة أيام لم ينوا في خلالها عن التخريب والتدمير والنهب والسلب .

ويبدو أن هذه الوقعة كانت بالغة الأثر في المدينة وأحوالها وتاريخها فيما بعد ، يؤكد هذه الحقيقة المؤرخ المعروف تقي الدين المقريزي في قوله : " فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مر بالإسكندرية من الحوادث ، ومنها اختلت

أحوالها واتضع أهلها وقلت أموالهم وزالت نعمهم " .

وساعد علي تأخر المدينة في القرن التاسع - وهو آخر قرن حكم فيه المماليك مصر - أن هذا القرن لم يشهد من السلاطين العظماء المصلحين إلا عددا قليلا جدا ، لهذا نلاحظ أن عناية هؤلاء السلاطين بالإسكندرية كانت قليلة ، فلم يزرها أو يلحظها بعنايته إلا ثلاثة منهم ؟ أولهم الناصر فرج ابن برقوق ، وقد زارها في سنة ٨١٤(١٤١١) فأوكب بها موكبا حافلا ، " وحمات القبة والطير على رأسه ، ومما وقع له أنه لما شقي من مدينة الإسكندرية وقف له بعض تجار المقاربة بقصة يشكو فيها من جور القاض ، فلما قرأ تلك القصة رسم بإيطال ما كان يؤخذ منهم من المكوس المحدثة ، وكتب لهم بذلك مرسوم شريف ، فارتفعت الأصوات بالدعاء .

وفي سنة ٨٢٦(١٤٢٢ ) عني الأشرف برسباي بإعادة حفر الخليج الناصري الذي كان يمد المدينة بالماء الحلو وكانت قد طمرته الرمال وتعطلت السفن عن السير فيه .

وفي أواخر القرن التاسع ، في سنة ٨٨٢(١٤٧٧) عنى السلطان الأشرف قايتباي بالأسكندرية عناية خاصة ، فزارها في تلك السنة ، واحتفلت المدينة بمقدمه احتفالا عظيما ، وقد وصف هذه الزيارة المؤرخ المصري ابن إياس ، فذكر أن السلطان " شق المدينة في الموكب الحافل ، وكان له يوم مشهود ، ثم إن بعض تجار الفرنج نثر على رأسه ألف بندقي ذهب ، فتزاحمت عليه المماليك يلتقطون ذلك الذهب من الأرض ، فكاد السلطان أن يسقط عن ظهر فرسه من شدة ازدحام الناس حتى أدركه الأمير تمراز وبيده عصا ، فضرب الناس حتى خلص السلطان ، ومشي واستمر في ذلك حتى خرج من باب البحر الذي هناك ، فنزل بالمخيم الذي نصب له على ساحل البحر الملح . . "

وأهم ما ورد في وصف ابن إياس بعد ذلك أن المنار القديم كان قد ناله ما نال المدينة نفسها من إهمال ، فتهدمت أركانه ، وتشعث بنيانه تماما ، فأمر الأشرف قايتباي في قدمته هذه أن يبني مكانه برج جديد هو ما عرف فيما بعد ببرج قايتباي ، ثم طابية فايتباي ، التي لا تزال قائمة حتى اليوم ؛ قال ابن إياس إتماما لوصفه : " ثم إنه توجه نحو

المنار القديم الذي كان بثغر الإسكندرية ، ورسم بأن يبني على أساسه القديم برج ، فبني به برجا عظيما وهو الموجود الآن " .

وبعد سنتين من هذه الزيارة تم بناء هذا البرج ، فرحل فايتباي إلى الإسكندرية لمشاهدته ومشاهدة برج آخر بناء في رشيد ، وقد روي أخبار هذه الزيارة أيضا ابن إياس ؟ قال : " وكان سفر السلطان إلي الإسكندرية في هذه المرة لأجل البرج الذي أنشأ هناك ، وقد انتهى العمل فيه ، فتوجه إليه ليرى هيئته . . ثم توجه إلى رشيد وكشف عن البرج الذي أنشأه هناك بها ، ثم كشف عن البرج الذي أنشأه بثغر الإسكندرية مكان المنار القديم ، فجاء من محاسن الزمان ومن أعظم الأبقية وأجمل الآثار الحسنة " ، ثم استطرد بعد هذا فوصف هذا البرج في شئ من التفصيل ؛ قال : " وقيل إن صفة بنيان هذا البرج أن دهليزه عقد على قناطر في البحر الملح من الساحل حتى ينتهي إلى البرج ، وأنشأ بهذا البرج مقعدا مطلا على البحر ينظر منه من مسيرة يوم إلى المراكب وهي داخلة إلي المينا ، وجعل بهذا البرج جامعا بخطبة ، وطاحونا ، وفرنا ، وحواصل ، وشحنها بالسلاح ، وجعل حول هذا البرج مكاحل معمرة بالمدافع ليلا ونهارا ، لئلا تطرق الإفرنج الثغر على حين غفلة ، وجعل بها جماعة من المجاهدين قاطنين به دائما ، وأجري عليه الجوامك والرواتب في كل شهر ، وجعل شادا من خواصه وهو باش عليهم . . وقيل إن السلطان صرف على بناء هذا البرج زيادة عن المائة ألف دينار ، وأوقف عليه الأوقاف الجليلة ، وجاء من أحسن الآثار " .

ورغم هذه العناية التي بذلها قايتباي لتحصين المدينة ، ورغم هذه الأموال التي صرفها لبناء هذا البرج فإنه لم يلحظ هو ومن تبعه من السلاطين شئون المدينة العمرانية والاقتصادية بعناية مماثلة ، فظلت أحوالها في تقهقر وأمورها في تأخر .

وفي صحوة الموت ، والدولة الملوكية في مصر توشك أن تنهار ، أدرك السلطان الغوري ما للإسكندرية من خطورة وأهمية في الدفاع عن مصر ، وخاصة أن خطرا

جديدا كان يفوح في الأفق وقتذاك ، وهو خطر الدولة الإسلامية الفنية الناشئة ، دولة الأتراك العثمانيين .

وبدأ الغوري في أوائل سنة ٩١٦(١٥١٠ ) يفكر في الذهاب إلى الإسكندرية للأشراف على أبراجها وحصونها وإصلاح ما فسد منها ، غير أن الوقت كان وقت فيضان النيل والسفر برا إلى الإسكندرية عسير ، فسافر بالنيابة عنه أحد أمرائه ، ولبث الغوري ينتظر حتى ينتهي موسم الفيضان ، وهو لابني عن التفكير في الإعداد لهذه الرحلة ، ومما اتخذه في هذا الشأن أن ذهب في تاسع عشر شعبان سنة ٩١٦ إلي المطرية ، " وكان المعلم حسن بن الصياد المهندس خط له بالجبس في الأرض صفة مدينة ثغر الإسكندرية وعدد ابراجها وأبوابها ، وهيئة سورها ، والمنار الذي كان بها . وقدر عرضها وطولها ، فنزل السلطان بسبب ذلك حتى تأملها وتفرج عليها ، ثم عاد إلى القلعة من يومه " .

وفي ذي القعدة من نفس السنة رحل الغوري إلي الإسكندرية فكشف أحوالها وحسونها ، ولم يلبث بها إلا أياما قليلة ، ثم عاد إلى القاهرة .

وفي سنة ٩٢٠ (بناير ١٥١٥ )  زار الغوري الإسكندرية لمرة الثانية ، فدخلها في الخامس عشر من ذي القعدة ، وقد وصف هذه الزيارة في تفصيل المؤرخ  المعاصر ابن إياس ووصفه ينطق في أكثر من مكان بان المدينة كانت قد وصلت في تأخرها وخرابها إلى الحضيض . فهو يقول : " فلما شق (أي الغوري ) المدينة زينت له زينة فشروية . وكان ثغر الإسكندرية يؤمنذ في غاية الترحل والخراب " . ويقول في موضع آخر : " ولم يكن بثغر الإسكندرية يومئذ أحد من أعيان التجار . لا من المسلمين ولا من الفرنج . وكانت المدينة في غاية الخراب بسبب ظلم النائب وجور الفياض ، فإنهم صاروا يأخذوا من التجار العشر عشرة أمثال ، فامتنع تجار الفرنج والمغارية من الدخول إلى الثغر ، قتلاشي أمر المدينة وآل أمرها إلى الخراب ، حتى قيل : طلب الخبز بها فلم يوجد ، ولا الأكل . ووجد بها بعض دكاكين مفتحة والبقية خراب لم تفتح ؛ وكانت الإسكندرية من أجمل مدائن الدنيا .

ولم يمكث الغوري بالإسكندرية في هذه المرة غير يومين وليلتين ، ولم يفعل في خلالها غير أن " توجه إلى البرج

الذي انشأ الأشرف قايتباي ، فطلع في البرج هو والأمراء ، وأرموا قدامه في ذلك اليوم بالمكاحل والمنجنيق ، ثم توجه من هناك وكشف على الأبراج الذي ( كذا ) بثغر الإسكندرية وعرض ما فيها من السلاح والمكاحل .

وكانت الأمور تتعقد في سرعة غريبة بين مصر والدولة العثمانية ، والعلاقات بينهما تسير من سيئ إلى أسوأ ؛ ففي شعبان سنة ٩٢١(١٥١٥ ) عاد إلى مصر رسول كان قد أرسله الغوري إلى ملك التتار ، وأخبر أنه لما مر ببلاد ابن عثمان " أرسل قبض عليه ، وأخذ ما كان معه من الهدية التي كان ارسلها السلطان إلى ملك التتار ، وحصل له من ابن عثمان غاية الهدلة ، وهم بشقه غير ما مرة حتى شفع فيه بعض وزراء ابن عثمان " ، وأخير هذا الرسول أيضا عن ابن عثمان " أمورا شفيعة قالها في حق السلطان وعسكر مصر ، وانه جهز مراكب كثيرة نحو أربعمائة مركب في البحر تجيء ثغر الإسكندرية ودمياط ، وفرق من عسكره نجيء على البلاد الحلبية " .

وفزع السلطان لهذه الأخبار فزعا شديدا ، ورحل إلى الإسكندرية في زيارة سريعة أخيرة في الثاني من شهر رمضان سنة ٩٢١ ( أكتوبر ١٥١٥ ) فتفقد أحوال أبراج الإسكندرية ورشيد ، " وأشيع أنه شرع في بناء سور برشيد على شاطئ البحر الملح ، فأرسل عدة بنائين وحجارين بسبب ذلك .

وكانت هذه آخر زيارة زارها سلطان مملوكي لمدينة الإسكندرية ، ووافي الخطر باسرع مما كان يتوقع الغوري ، وأقبلت جيوش العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول في سنة ١٥١٧ ، فاستولت على الشام ، ثم مصر

وعدت مصر منذ تلك السنة ولاية عثمانية ، ولم تتقدم أحوال الإسكندرية في العصر العثماني كثيرا ولا قليلا ، بل أمل أحوالها قد ضاءت عما كانت عليه ، وظلت على هذه الحال حتى تداركتها ، بل وتداركت مصر جميعا ، عناية منشئ مصر الحديثة محمد على الكبير ، فبعث فيها الحياة من جديد ، وغدت منذ عصره - كما كانت - عاصمة مصر الثانية ، وعروس البحر الأبيض المتوسط وأولى موانيه .

اشترك في نشرتنا البريدية