يندر أن يعثر الباحث في تاريخ الأدب عامة، والأدب الفرنسي خاصة، على كاتب عني بالشئون العاطفية وقصر عليها كل وجدانه، وخصها بأكبر نصيب من قلبه وكلفه، ثم جمع إلي ذلك خصائص السياسي المحنك، وطبع رجل الدين المفطور على التدين والتزام قيوده، والإنصراف إلى البحث في علومه؛ ذلك لان الاديب الوامق المتابع للمرأة والحب، إنما تجتذبه شئون القلب وحدها، فلا نراه غالبا إلا متجردا عن غيرها من الأسباب؛ في حين نري السياسي لا يكاد يحفل بشأن منها، إذ هو في العادة رجل بارد الطبع، هادىء العاطفة ؟ له من شواغله السياسية ومهامه الاجتماعية ما يصرفه عن التغلغل في حب يحل عقدة اللسان ويطلقه في نثر أو نظم يبقي على الدهر؛ ونري المحتفل بالدين المتوفر علي مراعاته المتخصص في علومه، منصرف الفكر عن أمور الدنيا، متشاغلا عن لذاذاتها، غافلا عن التشبيب بالنساء او الاشادة بحلاوة الحياة.
ومع ذلك فقد جمع " شاتوبريان " كل هؤلاء في شخصه، وهنا موضع العبقرية فيه. ولو قد علمت انه صرف حياته مشغول القلب بالغيد الحسان، لا يكاد يقنع واحدة دون واحدة، ولا يعف عن حبهن حتى مع بلوغه أرذل العمر، فانك لا شك تعجب كيف يحوي مع هذا بين برديه عالما دينيا يضع مؤلفا بارعا مثل " عبقرية
المسيحية " إن لم تعجب من أنه السياسي الخطير الذي ناوا نابليون، ووصل من الفاقة والعوز إلي مناصب الوزارة والسفارة، عندما عادت فرنسا من جديد إلى الملكية بعد تخلصها من الأمبراطورية. وحري بمن كانت نفسه من هذا الخليط العجيب ان تكون حياته حافلة بشتي الالوان الفنية، عامرة بما يثير الفضول ويدفع إلى الاهتمام، خاصة إذا كان إنتاج الرجل الأدبي مما يعجز كثيرا من فحول المنصرفين إلي الأدب وحده ! فإنه قد استحدث طريقة جديدة في الأدب الفرنسي، هي هذه الطريقة الابتداعية Romantiqie التي اكتسحت في مستهل القرن التاسع عشر الطريقة الاتباعية Classique وأخذت مكانها والتي امتازت بإحكام الأسلوب وسعة الخيال وعمق الاثر
حياته الوجدانية وآثارها:
وأعجب ما في حياته هي الناحية الوجدانية. فالعهد بالأدباء والشعراء ثبوت القلب وتركيز الحب في امرأة واحدة يحبها المحب منهم، فيظل العمر لا يعدل بها شيئا في الوجود؛ فيري فيها من الجمال وإن لم يكن بها جمال - ما لو وزع على نساء العالم قاطبة لاغناهن وأكسبهن صورا رائعة في الملاحة والحسن. فهي عنده - وهذا قدرها ومكانها من اعتباره - تفضل كل من يصادف في طريقه من حسان غانيات.
وفي تاريخ الأدب العربي - كما في غيره من تواريخ
الأدب شواهد كثيرة على ذلك، كالذي نراه في حياة المجنون وكثير وجميل وتوبة بن الحمير ونصيب الزنجي وغيرهم؛ ولكن " شاتوبريان " يختلف عن هؤلاء وبياينهم، وهو الرجل الملول، الوشيك التنكر، المتقلب كتقلب الدهر.
وربما كانت علة ذلك أنه مثالي النزعة، فقد كان إذا ارتبط مع غادة برابطة ايا ما كانت، يلمس بغريزته الفنية ويثاقب نظره الناقد الفاحص مناحى النقص في روحها ووجهها وقدها؛ وقل من الحسان من سلمت من عيب في بعض ذلك؛ فيستبعده بخياله ويسبغ عليها من تصوراته ما يستكمل به ملاحتها.
وقد يسوقه ذلك إلى الانصراف عن حبها إلي حب هذه الصورة التى خلقها راسه وابدعت تكوينها وثبات خياله؛ وعندئذ يظل يبحث عنها في الحياة الواقعة، وهو خلال ذلك ينتقل من حب إلي حب، كالطائر يطير من فرع إلي فرع، فلا يعثر ابدا علي من تتوافر فيها هذه الشرائط التي لا وجود لها إلا في احلامه. وبهذا كان أسرع الأدباء المحبين تغيرا وأوشكهم مللا. ولكنا في الحق إن تغلغلنا في فهم هذا التصرف وجدنا ان " شاتوبريان " لم ينحرف عن طبيعة الادباء وجادة الشعراء، من دوام ودادهم ولبث حبهم. فهو كما يوفون ويخلصون - قد اخلص لهذه الصورة التى ابدعها خياله، إذ صادفها موزعة على كل من لافي من حسان، فعلق بهن جميعا لنصيبهن منها.
ولعل سجاياه عائدة ليس فقط إلي الطبيعة البريتانية التي نشأ في احضانها، إذ ولد " بسان مالو " ودرج على ارض بريتانيا الجميلة، التي تشتد عليها البرودة في فصل الشتاء، ويكثر فيها الضباب والمطر، فيقبع الناس معظم الوقت في دورهم، وتسنح الفرصة من ذلك لذوي الأخيلة منهم، لإطلاقها في الأوهام التي لا تمت إلي الحقيقة بكثير
ولا قليل. وإنما تعود ايضا إلي خصائص العنصر البريتاني المرهف الحس، المضطرم الشعور، الذي يتأثر ايما تأثر بالجمال في الناس والطبيعة، وإلى ميزة خاصة به، هي نضجه العاطفي الفائق، ووفور عقله مع حياء طبيعي لازمه في الاعوام الاولى من حياته، فعزف به عن الناس، وهيأ له جوا من الاحلام لم تفارقه اثاره حتى بعد ان خرج إلي المجتمع واختلط بناسه، فظلت العزلة آثر عنده وأحب لديه، وهو يقول في ذلك:
" كلما كان الفصل ساكنا حزينا كانت صلتي به اوكد واوثق؛ ففي الشتاء إذ يستعصي التقارب ويعز التواصل والتزاور بين اهل الريف، فينقبض بعضهم عن بعض، احس بأنني صرت بالانفراد وباتقاء الناس اصفي فكرا وأهنا بالا ".
وليس من ريب في أن كل امرئ يصب عليه في الحقيقة تحقيق نزعاته المثالية يكون غالبا عرضة لليأس وخيبة الامل المرة تلو المرة؛ فإذا اقام رابطة او انشأ حبا لم تتوافر فيه شروطه المثالية ينفض منه يديه ؟ ولكن ذلك لا يذهب بغير جزاء، لان من استعصت عليه اماله، وتعسرت عليه مطالبه يكون بغير شك غرضا للأحزان وهدفا للأشجان، وما مثله إلا كما قيل:
فإنك واطراحك وصل حلمي
لأخري في مودتها نكوب
كثابة لحلى مستعار
لأذنيها فشأنهما الثقوب
فأدت حلي جارتها إليها وقد بقيت بأذنيها تدوب
لذلك كان " شاتوبريان " على الرغم من عيش رغد، ونجم صاعد، ونجح منقطع المثال، كثير الهم والالم والتبرم بحياته، وفي ذلك يقول:
" الخطأ في تكويني، فأنا لا أحسن الإفادة من الجد المؤاتي. ولا أعني بما يعني به غيري من الناس. ولا
أعتقد إلا الدين. وراعيا كنت أم ملكا فما كنت لأفرق بين العصا والصولجان. وعاطلا كنت من المجد أم مطوفا به فأنا زاهد فيه راغب عنه . . . . . وأيان كنت وكان مكاني فأنا أدع حياني تمر، وأترك أيامي تمضي ". ويظهر اثر وحشته وضيق صدره بالحياة جليا واضحا في معظم مؤلفاته، وعلى الأخص في " رينيه " التى اعتبرها مؤرخو الأداب صورة من حياته وتحليلا لنزعاته.
صديقه
ليست هذه القصة تصويرا روائيا يزخر بالحوادث التي تنجلي علي التدريج حادثا بعد حادث، فتشوق وتتعقد حتى تحل عقدتها بخاتمة فنية ترضي وتثير الاعجاب؛ بل هي دراسة تحليلية لداء السوداء الذي فطرت عليه وطبعت به بعض نفوس البشر من غير ما علة او سبب، فبطلها رينية قد واجه الحياة باليأس منها والزهد فيها قبل ان يبرر ذلك إخفاق في عمل او خيبة في أمل؛ فهو يقول: " انتم يا من هدت قواكم فواجع الحياة وخطوبها، ما ظنكم بفتي لا حيلة له ولا فضيلة - من نفسه مواجعه ومن صنع يديه آلامه ؟ . . . اتهمني الناس بمجاوزة الأهداف التي ارمي إليها. فوا اسفا. إنني جاد في البحث عن المجهول متعقب لاماني لا اعرفها. فهل علي إثم إذا اعترضني ايان كنت المحدود من الحقائق، وأنا لا أقيم وزنا لما له حد من الأشياء ؟ "
وتقع حوادث القصة في إقليم لويزانا بأمريكا، إذ هاجر إليها رينية الفرنسي ولاذ بكنفها، استيحاشا من المدينة وضيقا بها، في امل ان يفوز براحة النفس بإعزال بني جلدته وبالعيش على الفطرة بين الهنود الحمر، وبرجاء أن يتخلص من الامه التي لا يعرف لها سببا، بالعودة إلي الطبيعة وبطرافة المنزل وخلابة الجديد. ولكن الامه رغم ذلك تلاحقه ولا تزايله، فلا ينفك رحب الدنيا ضيفا به مضطربا؛ وقد وصف فيها " شاتوبريان " ما اثقله من نصب وما اهمه
من شجن؛ فهي تعد لذلك إلي حد ما، تاريخة الشخصي بل هي كذلك تاريخ عصر باسره، استطاع في براعة العبقري ان يصور مواجع بنيه إذ صور مواجعه. فلقد مني مستهل القرن التاسع عشر بهذه العلة النفسية التي دعيت " داء العصر " والتي كانت بكل النفوس في فرنسا وفي خارجها، وحلها غير " شاتوبريان " جوت " الألماني في " آلام فرتير " ولورد بيرون الانجليزي في الطفل هارولد
مذكراته Memolres q'ontre-Tambe
نشرت هذه المذكرات بعد وفاته، وتكاد في صراحتها وصدقها تكون أشبه شئ بإعترافات جان جاك روسو. ومنها استطاع العالم أن يقف على الكثير من علاقاته. وهي تبين بوضوح هذه الخواص الغريبة التي كان ينبض بها قلبه، وتتلطف في سرد الوقائع العاطفية التي خاض غمارها يافعا فشابا فرجلا فشيخا، وتبرر تقلبه وتشعب اهوائه في خيال وتصوير بارعين لا يتأتيان إلا للأفلام الموهوبة
ومن من الناس يجتمع له حسن التذوق للجمال، إلي الحساسية المفرطة، إلي الميزات الخلقية التي تساعد علي التبادل والتفاهم، إلي الذكاء الخبير بمواضع الفتنة، ثم تقع عيناه على " شارلوت ايف " وهي في رواه الجمال الروحي والشكلى، وفي نضارة الستة عشر ربيعا، وفي طهارة الملائكة الابرار، وفي ذكاء العباقرة الافذاذ، ويقوي بعد ذلك على رد سهام الطرف عن قلبه، وصم اذنيه عن معسول اللفظ، وخاصة إذا كان هناك تجاوب وتحاب ؟
كان " شاتوبريان " يري أن النساء كالرياحين والآزهار والورود لكل شذي خاص ونفحات مميزة، ونشر مختلف، وتضوع متباين، وأشكال وألوان هي بذاتها ناقصة وبمجموعها يكمل بعضها بعضا، ويتألف منها الكل الفني الذي لا غني عنه للاديب الفنان ليحلق بفنه إلي السمو والإبانة ورفاهة الأسرار.
ولكن للنقاد رأيهم. فهم يرون أن تلونه في حب المرأة وتعدد مغامراته الوجدانية إن هو إلا دليل على ازدراء مسرف للنساء قاطبة، قد وقر في قلبه واستسر بين جنبية. ويرون أن الآلام التي كانت تجتاح نفسه الشاعرة إن هي إلا جزاء عادل لهذا الازدراء
آثاره الريفيه:
عاصر شاتوبريان الثورة الفرنسية، وشاهد الانقلابات الخطيرة التي ذهبت - إلي ذهابها بنظام الحكم القديم والفروق بين الطبقات بالدين نفسه ورأى - إذ قلبت الأوضاع - كيف قضت كذلك على المسيحية ونشرت مبادئ الكفر. فعز عليه أن تذوي الفضائل التي غرستها المسيحية في نفوس بنيها أمام تيار الثورة الجارف في العقيدة والأخلاق؛ وهب يذود عن حياضها بقلمه، ويدفع العدوان عنها بكل ما أوتي من موهبة وعبقرية فكرية؛ فأخرج للناس في ثوب قشبب خير ما أخرجت الرؤوس الحصيفة في تعديد مزاياها وتبين فضائلها وإظهار مآثرها بذلك المؤلف الفذ " عبقرية المسيحية ". وبهذا المؤلف وحده يعتبر " شاتوبريان " رأس الطبقة من الكتاب الذين عنوا بما عني به؛ لأنه فيما عداه من مؤلفاته قد وجد سلفه في جان جاك روسو، إذا تناسينا الفارق في طريقة بسطهما، وطريقة تصويرهما وتباين تجاربهما ومعارفهما، " فرينية " ما هي إلا محاكاة " لخواطر سائر وحيد " و" المذكرات " ما هي إلا تقليد " للاعترافات ".
ولقد دلل في مؤلفه هذا على أن المسيحية دين عظيم له اثره ليس في العقيدة والأخلاق والعادات ، بل كذلك في الفن والأدب ، إذ غذت العقول وصفت الأذواق ، وشادت صرح الفضائل ومكارم الأخلاق ، وملأت بها النفوس ، ومدت الفكر بالحيوية والقوة ، وهيأت للكاتب
مواضيع نبيلة يطرقها، وللفنان فنونا لولاها لم تخطر على قلبه
حياته السياسية:
ورد " شاتوبريان " باريس عام ١٧٨٨، وحظه من العلم جد زهيد. ولكن الصدف شاعت أن يتعرف على كثير من كتاب ذلك الوقت، فاستحثه نقصه وعظم الفارق الثقافي بينه وبين افراد الوسط الذي حل به على اخذ نفسه بالتاديب والتهذيب، ومعالجة معارفه المحدودة بالتعلم الذاتي والاستفادة منهم. وما لبث مع الأيام أن داناهم، وعالج مثلهم الأدب؛ ولكن صيته لم يستطر إلا بعد أن تولت الأيام إنضاجه وتقلبت به السنون في التجارب والمعارف.
وكان لا بد له أول الأمر من عمل يعيش منه قبل تثبت قدمه في عالم التأليف، فانتظم في الجيش كضابط صف. وفي عام ١٧٩٠، وقت أن كان نابليون ضابطا صغيرا لم تبرز صفاته الحربية ولم يميز نفسه بحصار تولون بعد ، كان هو كذلك ما يزال ذلك الضابط النكرة الذي لم تظهر بعد معالمه الفكرية والسياسية، وثمة فارق بينهما، قلنا بليون مؤهلات القائد العبقري، ولشاتوبريان مواهب الاديب الفذ، لذلك كان لزاما عليهما ان تتشعب بهما الطرق. ولم يمض عام إلا وقد طوحت الاحلام بشاتوبريان إلي أرض القارة الأمريكية بعد اعتزاله الخدمة، ومهدت الظروف لانتصارات نابليون المتوالية في أعقاب الحكومات الثورية المتتابعة.
ولكن القوي لم تستقر بمؤلف رينيه في مكان، فقفل راجعا إلي أوربا عند قرار لويس السادس عشر، ويعم شطر الجزيرة البريطانية، ونشر بها رسالته في الثورات حوالى سنة ١٧٩٧. ولقد ناقض في هذه الرسالة المذهب السياسي " الملكية " الذي اشتهر به فيما بعد، وناوا به نابليون، ونادي به على رؤوس الاشهاد عند الاحتفال
بعضويته في المجمع اللغوي الفرنسي عام ١٨١١. ولذلك يعد صدورها منه امرا غريبا في بابه
وكانت عودته إلي فرنسا عام ١٨٠٠ أول عهده بالمجد. فقد طفق من ثم يذيع ادبه على الناس، ويروي قلوبهم الصادية برائع خياله وحسن اسلوبه، ويرقى في هذه الأثناء مدارج الشهرة، حتى انقضت امبراطورية نابليون، وعرفت عن شاتوبريان ميوله للملكية ولأسرة " بوربون " التي عادت بعدئذ إلى الحكم، فاختير لتقلد وزارة الخارجية، وتقلب في مناصب السفارة أنا في إيطاليا، وأنا في انجلترا، حتى إذا كانت ثورة الأيام الثلاثة ١٨٣٠ استبعد عن الحكومة فاعتزل السياسة؛ وشرع من ذياك العهد بدون مذكراته التي نشرت بعد مماته في ٤ يوليو سنة ١٨٤٨
خلاصة:
ومن مؤلفاته غير ما ورد ذكره " أنالا " ورحلة
باريس - بيت المقدس " و" آخر أمراء بني الأحمر ".
كان شاتوبريان يتجلى إلي العبقرية بدمائة الخلق وحسن المعشر وجمال المظهر حتى مع الكبر، ومما يعرف عنه انه مع تقلبه في الهوي أفلت منه زمامه مرة وارتبط برباط الزوجية الدائم؛ فكان علي الرغم من تندمه لذلك يبالغ فى معاملة زوجته بالحسنى، حتى انساها لفرط كياسته وأدب نفسه انه الزوج الذي لا يؤمن جانبه. وتصفه " هورتنس الار " إحدي من ارتبط معهن بالحب بهذا الوصف في أخريات أيامه:
" كان جميلا أنيقا رشيقا، مفرط العناية بهندامة ومظهره، ولا يغفل ان يضع زهرة ناضرة في عروة ردائه. وكانت ابتسامته الساحرة، وثناياه الساطعة تحجب عنا بلوغه العمرين ".

