توفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ٧٤١هـ (١٣٤٣). وخلفه على عرش مصر عدد كبير من أولاده وأحفاده لم تكن لهم شخصيته الفذة ولا همته العالية، بل كان معظمهم أطفالًا صغار السن، فاستبدَّ بشئون الملك دونهم كبار الأمراء من المماليك؛ وكثرت المنافسات بين هؤلاء الأمراء حتى شغلهم النزاع في سبيل الاستئثار بالسلطان عن العناية بشئون مصر عامة، والثغور خاصة.
وكانت الدعوة لتجديد الحروب الصليبية ضد مصر قد قويت ونشطت حينذاك في ممالك أوربا المختلفة، وكانت الرسل تتوافد متنكِّرة على مصر لدراسة أحوالها الداخلية، وكُتبت التقارير الكثيرة تصف ما كانت تعانيه مصر من اضطراب داخلي صرف الحكام عن العناية بشئون الدفاع والأسطول، وخاصة في الإسكندرية.
ونَدَب بطرس لوزنيان -ملك قبرص- نفسه للقيام بهذه الحملة الصليبية، ووصلت أساطيله إلى مياه الإسكندرية في شهر صفر سنة ٧٦٧ (أكتوبر ١٣٦٥)، وسرعان ما نزلت جنوده إلى البر فاقتحموا الأبواب، ودخلوا المدينة بعد مقاومة ضئيلة.
وقد يبدو غريبًا أن تسقط المدينة في أيدي الأعداء بهذه السرعة وبهذه السهولة، رغم ما كان يحيط بها من أسوار حصينة وأبراج منيعة، ومع أن خزائن أسلحتها كانت مليئة بالعدة والعتاد؛ ولكننا نجد التفسير في ذلك الاضطراب الذي كان يسود مصر في ذلك الحين: فقد كان على عرشها سلطان طفل لم يكد يبلغ الحادية عشرة من عمره -هو السلطان الملك الأشرف شعبان-، وكان يستبد بالأمر دونه الأمير يلبغا العمري الخاصكي؛ وكانت جهود هذا الأمير مصروفة كلها لمقاومة منافسيه من أمراء الدولة الآخرين.
وزاد الطين بلة أن والي الإسكندرية الأصيل -وهو
الأمير صلاح الدين خليل بن عرَّام- كان متغيبًا عن المدينة يؤدي فريضة الحج، وكان ينوب عنه في حكم المدينة أمير آخر أقل منه دربة وأصغر مرتبة، هو الأمير جنغرا.
ويبدو أن حامية المدينة كانت قد قل عددها عن ذي قبل، كما يبدو أن هذا الأمير جنغرا كان يُعنى بالمظاهر أكثر من عنايته بشئون الدفاع الجدية عن المدينة، فهو -بدلًا من أن يُعنى بتعمير سفن الأسطول، والإكثار من جند الحامية وتدريبهم- كان يخرج كل ليلة ليشرف على حراس الميناء وهم يُطلقون النفط فيتطاير الشرر منه مختلفًا ألوانه.
هذه هي شخصية جنغرا كما وصفها النويري، المؤرخ السكندري المعاصر لهذه الحملة بقوله: "فأقام جنغرا بالإسكندرية (نائبًا عن واليها الذي كان بالحجاز) من شوال سنة ست وستين وسبعمائة إلى المحرم، ينظر تلك الطوائف، التي لكل طائفة منها ليلة في الأسبوع تبيت (فيها) تحرس بساحل المينة؛ وربما بات ليالي في الغرفة التي على باب مسجد تربة طغية. ويُقدم قدامه فانوسين... مقابل باب المسجد المذكور؛ وتأتي طائفة الزراقين يطلقون النفط، وهو ينظر من طيقان الغرفة المذكورة إلى الشرار الطيّار، واللوالب التي تدور بألوان النار من الخضرة والصفرة، والبياض والحمرة، فيحصل بذلك الانشراح، من العشي إلى الصباح، ويبتهج أيضًا بنظره إلى كثرة الخلائق المنتشرة على الساحل من الرماة والعوام... فإذا أصبحوا انتظمت الطائفة التي باتت تحرس ، ودخل البلد في همة وجلد، وكثرة المدد، فتجتمع لدخولهم الرجال والنسوان، ينظرون لأقوام كزهر بستان، من حسن الملابس، وبياض تلك الأطالس".
لم يستطع جنغرا إذا -وهذه همته- أن يصمد لمقاومة القبارصة، ففر إلى دمنهور، وفَرَّ معه من استطاع
النجاة بنفسه من الجند والأهلين. ودخل الصليبيون المدينة فقتلوا معظم من بها، وأسروا الباقين. وخربوا المدينة تخريبًا تامًّا، وهدموا دورها وقصورها ومساجدها. ونهبوا فنادقها ومتاجرها ومصانعها، ونقلوا هذا كله إلى سفنهم.
وتباطأ يلبغا في إرسال النجدة الحربية. ولم ينقذ الدينية إلا اختلاف دب بين رجال الحملة، فقرروا مغادرة الإسكندرية والعودة إلى جزيرتهم بعد أن قضوا بها أربعة أيام لم يتوانوا خلالها عن التخريب والتدمير، والنهب والسلب، ووصلت النجدة بعد أن غادر جنود الأعداء المدينة، وبعد أن "أخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك ما لا يُعد ولا يوصف"، وبعد أن تعولت الغنائم كلها إلى الشواني بالبحر، فسُمع للأسارى من العويل والبكاء، والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين ما قطع الأكباد، وذرفت له العيون وأصمَّ الأسماع".
وحمل الصليبيون معهم في عودتهم نحو خمسة آلاف أسير -من الرجال والنساء-. هم معظم من بقي حيًّا من سكان الإسكندرية، ومما يدل على أن جنود هذه الحملة لم يكونوا يستهدفون هدفًا معينًا إلا النهب والسلب أن هؤلاء الأسرى لم يكونوا جميعًا من المسلمين، بل كان بعضهم من اليهود ومن مسيحيي الشرق.
كان لهذه الحادثة أسوأ الأثر في المدينة، فقد هدمت دورها وقصورها، وخُربت أسوارها وحصونها ، وقل أهلوها وساءت أحوالها، وظلت على هذه الحال السيئة سنوات طويلة، يؤكد هذه الحقيقة المقريزي وهو يعلِّق على هذه الحادثة بقوله: "فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مر بالإسكندرية من الحوادث، ومنها اختلت أحوالها، واتضع أهلها، وقلَّت أحوالهم، وزالت نعمهم".
وقد شعر السلطان الملك الأشرف شعبان -منذ تلك الواقعة- أن الإسكندرية قد غدت محط أنظار الفرنج، ومنبت الخطر الذي قد يهدد الدولة كلها إذا أزمع الأعداء العودة إليها، فزادت عنايته بها، ورفع مكانتها، وزاد في قدر حاكمها؛ فبعد أن كانت الإسكندرية ولاية يليها والٍ من أمراء الطبلخاناه جعلها الأشرف شعبان في نفس السنة التى غزاها فيها القبارصة (أى سنة ٧٦٧)، وإنما بعد رحيلهم عنها، نيابةً يحكمها نائب من الأمراء المقدَّمين.
والمقصود بالنائب في مصطلح ذلك العصر أنه ينوب عن
السلطان في حكم المدينة، لهذا أصبح لنائب الإسكندرية -منذ هذا التعديل- ما للسلطان في القاهرة؛ فله دار للنيابة هي مقر حكمه. وتحت يده حاجب -أمير عشرة-، وحاجب جندي، ووالي المدينة، وأجناد حلقة عدتهم مائتا نفر. وموقع يسمى كاتب السر، وناظر يُشرف على الأموال الديوانية، معه مستوفٍ، وتحت يده كتاب وشهود؛ وأصح للمدينة أيضًا محتسب خاص يُشرف على شئونها الاقتصادية والاجتماعية، وتعددت قضاتها -شأنها في ذلك شأن القاهرة- فأصبح بها قاضي قضاة مالكي، وآخر حنفي وثالث شافعي.
وجعل في دار النيابة هذه كرسي للسلطنة، كما رسم بأن يكون للنائب مواكب رسمية خاصة تسير في طريق محدد شأن المواكب السلطانية بالقاهرة، فكان موكب نائب الإسكندرية يبدأ من دار النيابة -وكانت قريبة من باب البحر، وتشرف نوافذها على الميناء الشرقية- ويتقدمه الشبابة السلطانية، ويتبعه الأمراء والجند، فيخرج من باب البحر، ويسير خارج المدينة قدر ساعة ثم يعود من نفس الطريق إلى دار النيابة، فإذا كان الموكب من المواكب التي يتلوها السماط وُضع كرسي السلطنة في صدر الإيوان مغشى بالأطلس الأصفر، ووضع عليه سيف نمجاة سلطانية ومد السماط تحته. وجلس النائب في ناحية من الإيوان جوار شباك يطل على الميناء الشرقية، وجلس رجال الدولة بترتيب خاص -شأنهم في ذلك شأن رجال الدولة في مجلس السلطان بالقلعة- فيجلس القاضي المالكي عن يمين النائب والقاضي الحنفي عن يساره، والناظر تحته، والموقع أو كاتب السر بين يديه، ورؤوس البلد على قدر منازلهم، وترفع القصص والشكاوى فيقرؤها الموقع على النائب، ويفصل هذا فيها بحضرة القضاة، ثم ينصرف المجلس، وبانصرافه ينتهي الموكب.
أضفى هذا التغيير على المدينة صفة جديدة؛ إذ اعترف بها عاصمة ثانية للدولة، بها كرسي للسلطة، ويحكمها أمير كبير هو نائب عن السلطان بها، ويقيم العدل بها قضاة مستقلون، ويُشرف علي أسواقها واقتصادياتها محتسب خاص؛ وزيد في عدد حاميتها، وشحنت المدينة بالعدة والسلاح، وزُودت بأحدث معدات الدفاع كالمدافع -وكانت حديثة الاختراع-، فقد روى القلقشندي أنه رأى بنفسه في
الإسكندرية "في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين في نيابة الأمير صلاح الدين بن عزام مدفعًا قد صُنع من نحاس ورصاص، وقيد بأطراف الحديد، رُمي عنه في الميدان بُندقة من حديد عظيمة محماة، فوقعت في بحر السلسلة -خارج باب البحر- وهي مسافة بعيدة".
وفي سنة ٧٧٠هـ كان السلطان الملك الأشرف شعبان قد شارَف البلوغ، وقارب السادسة عشرة من عمره، واستطاع أن يدير شئون الحكم بنفسه، فرأى أن يذهب إلى الإسكندرية ليشرف على حصونها ومنشآتها وأسوارها ووسائل الدفاع عنها؛ وقد شاهد هذه الزيارة المؤرخ السكندري محمد بن القاسم النويري، ووصفها وصفًا مسهبًا؛ ولهذا الوصف قيمة خاصة لأنه يتضمن بيانات نادرة من تاريخ المدينة وطبوغرافيتها في ذلك القرن، وبمراجعته تستطيع أن ترسم مصوّرًا تفصيليًّا للمدينة وأسوارها وأبوابها والكثير من أحيائها ومعالمها وشوارعها في ذلك العصر
فهو يذكر أن السلطان دخل المدينة من باب رشيد؛ ثم يُعدد الأحياء التي مرَّ بها إلى أن وصل إلى باب البحر المقابل للميناء الشرقية، فيقول إنه صار -بعد دخوله من باب رشيد- فيما كان يُسمى وقتذاك بالمحجة العظمى. ثم مَرَّ بمسجد أبي الأشهب، وعطف عطفته فمَرَّ على دار ابن الجباب، ومنها إلى جفار القصارين، إلى الصادر، إلى أن خرج من باب البحر، فنثر عليه مقابل دار العدل ودار الطراز دنانير كثيرة التقطها الناس.
هذه أحياء ومعالم قد زالت ولم يعد لها أثر في الإسكندرية الحديثة، وإنما بقيت لها دلالاتها الهامة عند كتابة تاريخ المدينة الاقتصادي؛ فالنويري يذكر أن الطريق إلى باب البحر كان في نهايته -وبالقرب من هذا الباب- جفار القصارين، وهي ساحة يباشر فيها القصارون تقصير الثياب -أي دقها وضربها- وهي مرحلة من مراحل صناعة النسيج في تلك الصور.
وبالقرب من ذلك الجفار مَعْلمان اقتصاديان هامان: أحدهما له أهمية تجارية، وهو الصادر، أي مخازن التجارة الصادرة إلى الخارج، تحملها سفن الفرنجة التي كانت تفد إلى الميناء الشرقية فحسب، ولا تجرؤ على الدخول في الميناء الغربية الخاصة بسفن المسلمين؛ وثانيهما له أهمية صناعية، وهو دار الطراز؛ ودار الطراز مصطلح كان يُطلق في
تلك العصور على مصنع النسيج؛ وكتب التاريخ تذكر أن موانئ مصرية الشمالية: الإسكندرية، ودمياط وتنيس وديق وغيرها كانت مراكز هامة لهذه الصناعة، كما تذكر أنه كان يقوم بها دور طراز خاصة، وبها تُنسج ملابس السلطان وخاصته وحريمه والخلع التي يخلعها على رجال الدولة في المناسبات الخاصة، ودور طراز عامة وبها تُنسج الأقمشة الشعبية
ويتضح من كلام المؤرخين كذلك أن المدن المصرية الأخرى كانت قد فقدت أهميتها في العصر الملوكي كمراكز لصناعة النسيج، وبقيت الإسكندرية ولها الصدارة في هذه الصناعة، حتى غدت لمنسوجاتها شهرة خاصة في الأسواق؛ فابن الحاج يذكر في كتابه "المدخل" أن بعض التجار "كانوا يشترون القماش الخام الأبيض من بلاد مختلفة بما يشبه قماش الإسكندرية، ثم يقصرونه بالإسكندرية، ويبيعونه على أنه إسكندراني، وهذا غش لأن المشتري لو علم أنه من غير الإسكندرية لم يرض به . ولم يعط من الثمن إلا دون ما أعطاه أولًا".
وقد ذكر النويري في وصفه أن السلطان الأشرف شعبان قد زار دار الطراز "وأتى مواضع أنوالها واستعمالاتها فرأى كل صانع ينسج على منواله (نوله) من أصناف الأقمشة المنمقة، والبدلات المطبقة، المتخذة لحريم السلطان، المختلفة الألوان... وكيف تصنع الطيور المنسوجة والدالات والشاذروانات وغيرها، بتلك الخيطان الطالعة والهابطة، إلى أن يكمل كل طائر وغيره".
ويُفهم من وصف النويري أيضًا أن الإسكندرية كان يحيط بها ثلاثة أسوار، أحدها داخلي مما يلي البلد، وثانيها خارجي يشرف على ما يحيط بها، والثالث بينهما؛ فهو يقول وهو يصف موكب السلطان عند دخوله المدينة: "... إلى أن خرج من باب البحر الذي بل البلد... ثم سار وخرج من باب البحر الثاني، ثم الثالث، فشاهد البحر الملح والمينة بها مراكب الفرنج". وكان هناك بين كل سور والآخر فصيل يفصل بينهما ، كما كان للسور الخارجي المطل على البحر أبراج وقلاع مشحونة بالعدد والأسلحة والأتراس، وتخفق عليها الأعلام.
وكان للسور الخارجي أبواب عدة، كان أهمها باب رشيد في شرقي المدينة، وهو المؤدي إلى الطريق المنتهية إلى مدينة
رشيد ، وباب البحر -(وكان يواجه الميناء الشرقية)- في شمالها، والباب الأخضر في غربها، وباب سدرة -أو باب العمود- في جنوبها، وكانت العادة القديمة إذا زار سلطان من سلاطين المماليك المدينة أن تُفك أبوابها وتُلقى على الأرض إلى أن يرحل، فيعاد تركيبها.
وذكر النويري أن الأشرف شعبان لما خرج من باب البحر الخارجي شاهد الخندق الجديد الذي أنشأه نائب المدينة الأمير صلاح الدين بن عرام بعد وقعة القبارصة، "ولم يكن قَبْلُ في ذلك السكان خندق"، كما ذكر أنه كان هناك خندق آخر يحيط بالسور من ناحيته الغربية عند الباب الأخضر.
وفي وصف النويري تحديد لبعض معالم المدينة الهامة الأخرى، فهو يذكر أن دار صناعة السفن كانت تقوم بالقرب من دار الطراز، وأنه كان بالمدينة داران للصناعة، إحداهما بالميناء الشرقية، والثانية بالميناء الغربية؛ كما كان بها قصر السلاح بالقرب من الباب الأخضر، وهو قصر ذو قاعات كثيرة مملوءة بالأسلحة والعدة والعتاد، أنشأ كلًّا منها سلطان من سلاطين المماليك. وسماها باسمه؛ وقد رسم السلطان الملك الأشرف شعبان في زيارته هذه أن تُنشأ بالقصر قاعة جديدة تحمل اسمه، وكان للقصر مسجد ملحق به.
وبالقرب من الباب الأخضر أيضًا يقوم ضريح الشيخ أبي بكر الطرطوشي، وعلى مسافة منه الجامع الغربي، أكبر جوامع المدينة في ذلك العصر، ويجاوره دار السلطان.
هذه هي معالم المدينة الهامة التي أشار إليها النويري في وصفه، غير أنا نلاحظ أنه أهمل الإشارة إلى مؤسسة حكومية هامة تعني الذين يريدون التأريخ للإسكندرية من الناحية الاقتصادية، ونقصد بهذه المؤسسة "دار الضرب السكندرية"، فإن المتواتر في الكتب التاريخية أنه كان بمصر داران للضرب، إحداهما في القاهرة، والثانية في الإسكندرية؛ ولسنا نعرف على وجه التحديد في أي أحياء المدينة كانت تقوم هذه الدار، وأغلب الظن أنها كانت تقوم في الحي الذي كان يضم المنشآت الحكومية السالف ذكرها: دار السلطان، وقصر السلاح.
ولسنا نعرف أيضًا على وجه التحديد متى أنشئت هذه الدار بالإسكندرية، وإنما نستطيع أن نقول -على وجه التقريب- إنها أنشئت في العصر الفاطمي، فإن أقدم
نص يشير إلى وجودها هو ما ذكره ابن مماتي -وهو مؤرخ عاصر نهاية الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية- فقد قال في كتابه قوانين الدواوين عند كلامه عن دور الضرب: "المستمر الآن في الديار المصرية داران: دار بالقاهرة المحروسة، ودار بالإسكندرية - حماها الله".
وقد أشار صاحب صبح الأعشى إلى وجود هذه الدار بالإسكندرية في عهد الأشرف شعبان، فقد ذكر أن نائب المدينة الأمير صلاح الدين بن عرام قد ضرب بالإسكندرية بعد السبعين والسبعمائة دنانير زنة كل دينار منها مثقال، على أحد الوجهين منه: "محمد رسول الله"، وعلى الوجه الآخر: "ضرب بالإسكندرية في الدولة الأشرفية شعبان ابن حسين، عز نصره".
وليس من المعروف حتَّام استمرت هذه الدار تؤدي عملها، وإنما نستطيع أن نقرر أنها ظلت موجودة حتى أواخر القرن الثامن الهجري (١٤م)، فإن ابن الحاج -وهو من كتاب هذا القرن- يقرر أن السكة المضروبة بالإسكندرية كانت تختلف في قيمتها عن السكة المضروبة في القاهرة، فهو يقول: "وليست دراهم الإسكندرية كدراهم الديار المصرية"، كما يذكر المقريزي في كتابه إغاثة الأمة أن الظاهر برقوق قد "اتخذ بالإسكندرية دار ضرب لعمل الفلوس"، وهذا النص قد يعني أن دار الضرب القديمة قد تلاشى أمرها قبل عهد برقوق، فأنشأ في عهده دارًا جديدة غيرها. وقد يعني أن الدار القديمة كانت تضرب الدنانير والدراهم فحسب، فرأي أن ينشئ إلى جانبها دارًا جديدة لضرب الفلوس.
هذه هي الإسكندرية حتى أواخر القرن الثامن الهجري، غير أننا نلاحظ أن غزوة القبارصة كانت بالغة الأثر في تاريخ المدينة، فقد قضت على الكثير من سكانها قتلًا وأسرًا، كما خربت الكثير من معالها، أما أهلوها الذين فروا منها أثناء الوقعة، فإنهم لم يعودوا إليها جميعًا، فقَلَّ سكانها واتَّضعت أحوالها، يقرر هذه الحقيقة -كما سبق أن ذكرنا- المقريزي بقوله: "فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مَرَّ بالإسكندرية من الحوادث، ومنها اختلَّت أحوالها واتَّضع أهلها، وقلَّت أموالهم، وزالت نعمهم...".

