يكاد إجماع الفقهاء والمشرعين ينعقد على أن المطبوعات وفى مقدمتها الصحافة تجد فى قانون المطبوعات الصادر فى ٢٦ نوفمبر ١٨٨١ أول تشريع ينظم شئونها ويحكم مسائلها ، وإذا كان رأى هؤلاء الفقهاء صحيحا من حيث اكتمال الاداة التشريعية بهذا القانون فأنه يكون رأيا مبتسرا من ناحية الأصول التاريخية ، فأن المعنيين بهذه الشئون يمكنهم أن يردوا تاريخ التشريع الخاص بالمطبوعات إلى عهد محمد على منذ أنشأ مطبعة بولاق فى سنة ١٨١٩ أو فى سنة ١٨٢٠(١)
كانت أمور المطبعة هينة فى أول الأمر ، وقد ظل نظام الرقابة على مطبوعاتها بسيطا ، ليس لها لوائح ولا قوانين
تحدد سياستها وتوضح نظامها ، غير أن بساطة هذه السياسة أخذت تتعقد شيئا فشيئا ، بحيث أصبح من التعذر أن تسير سياسة المطبعة على فطرتها أو تطرد على طبيعتها ، فسرعان ما دعا هذا التعقيد إلى إصدار الأوامر وسن القوانين وتحديد سياسة للنشر بها ووضع نظام للرقابة على مطبوعاتها . ويروى لنا السائح المحقق جوفانى بانستابروكى Brocchi المناسبة التى تمت فيها هذه الخطوة ،
فيذكر أنه كان بين مدرسى مدرسة الفنون ببولاق مدرس إيطالى يدعى بيلوتى Belotti نظم قصيدة دينية طويلة سماها " ديانة الشرقيين " طعن فيها طعنا شديدا فى الاسلام والمسلمين ، وكان فى هذه القصيدة ما يغرى بالألحاد وينتقص من احترام رجال الدين ، وقد اتفق بيلوتى مع نقولا مسابكى أفندى ناظر مطبعة بولاق على طبعها بالمطبعة الأميرية ؛ ولا غرابة فى ذلك فقد تعلم مسابكى فى إيطاليا موطن العداء للدين الإسلامى فى ذلك الوقت ، وشجعه على نشرها عدم وجود قانون لمراقبة المطبوعات ، ولكن سولت salt قنصل إنجلترا فى مصر كانت علاقته بالناظم الايطالى شديدة التوتر ، فسعى للوقيعة به عند الباشا
وبين (لولى النعم ) الخطر من نشر وإذاعة مثل هذا الألحاد الذى يستحيل أن توافق أى سلطة أوربية على قبول معانيه وألفاظه ، فضلا عن سلطة إسلامية تجيز طبعه ، فأمر محمد على بمخطوط الكتاب فألقى فى النار ، ولولا وساطة المقربين إليه لقضى الوالى على حياة مدير المطبعة .
ثم أصدر محمد على أمرا فى ١٣ يوليو سنة ١٨٢٣ يحرم طبع أى كتاب فى مطبعة بولاق إلا إذا استصدر مؤلفه إذنا خاصا من الباشا بطبعه ، وفرض عقابا شديدا على كل من يخالف هذا الأمر ، وقد انسحب هذا الأمر على الكتب التى يصدر قرار بطبعها من دواوين الحكومة أيضا . ويقرر أرتين باشا أن هذا الأمر يعتبر أول تشريع للمطبوعات فى مصر ، وأنه يطابق قانون المطبوعات الفرنسى إذ ذاك ؛ وقد أصاب أرتين فى الأولى وأخطأ فى الثانية ، إذ أن أمر الوالى يماثل قانون المطبوعات الفرنسى فى القرن السادس عشر .
ومجمل القول أن التشريع الذى أصدره محمد على كان أول تشريع للمطبوعات وآخر تشريع لها فى عهده ، وقد نفذ هذا الأمر بدقة ، فلا نجد مطبوعا من مطبوعات بولاق إلا ونجد أمرا عاليا بطبعه وعليه خاتم المطبعة وتاريخ نشره ، وذكر أن ولى النعم أصدر أمره بأن يطبع فى المطبعة لما رأى فيه " من الفائدة والملاءمة " وكانت هذه الكتب تقرأ أو تلخص له ، وقد أبى نشر بعضها ، فقد كلف الباشا المترجم رافائيل بترجمة كتاب الأمير لمكيافيللى فإذا قرئ عليه لم يجز طبعه وبقى إلى اليوم مخطوطا بدار الكتب .
هذا فيما يختص بنشر الكتب . أما علاقة محمد على بالصحف فكانت علاقة صاحب البيت ببيته ، صدرت فى عهده خمس جرائد . جرنال الخديو حوالى سنة ١٨٢٢ ، ثم الوقائع المصرية فى سنة ١٨٢٨ ، ثم الجريدة العسكرية بعد
ذلك التاريخ بقليل ، وأخيرا جريدة لومونيتور إجبسيان الفرنسية سنة ١٨٣٣ . وجريدة Lo Spettatore Egiziano الايطالية سنة ١٨٤٦ . والصحف الثلاث الأولى صحف الدولة الرسمية ، والصحيفتان الرابعة والخامسة صحيفتان شبه رسميتين
ويعنينا أن نعلم شيئا عن علاقة الرقابة والرقيب بهذه الصحف ؛ فجرنال الخديو قد عرفنا قصته . أما الجريدة العسكرية فكانت خاضعة لرقابة صاحب الدولة السر عسكر إبراهيم باشا ، وهى تختص بالشئون العسكرية وحدها . وأما الجريدتان الفرنسية والايطالية ، فكانت موضوعاتهما جميعا منقولة عن الوقائع المصرية ؛ وإذا تكون الوقائع وحدها الجريدة التى شغلت حياة الدولة وعنيت بها الحكومة ، اشترك فيها الموظفون فرنجة ومصريون ،
ومنحت للعلماء وتلاميذ المدارس ، وفرضت على طلبة البعثات فى برلين وفينا وروما وباريس ولندرة ، ووزعت فى بلاد العرب والسودان والشام وكريت . وقد أشرف محمد على بنفسه على الوقائع وإخراجها ؛ فكان يكلف الموظفين بكتابة المقالات ، ويوعز بنشر الأخبار ، وتقرأ له مسودات الجريدة قبل طبعها ، ويعاقب المسئولين إذا أساءوا اختيار الخبر أو المقال ، وكان إشرافه هذا غريبا حقا ، فانه ليخيل إلى من لا يعرف تاريخ مصر فى هذه الحقبة أن محمد على كان محرراً للوقائع فحسب ؛
وفى عهد سعيد بأشا صدر تشريعان خاصان بالمطبوعات أوسع نطاقا مما ذكرنا : أحدهما للمصريين والثانى للأجانب . فأما الأول فسببه أن مصريا له علم " بفن الطباعة على الحجر " تقدم إلى ديوان الداخلية يرجو أن يؤذن له بفتح مطبعة لنشر بعض كتب صغيرة لازمة لتعليم الأطفال ، فأقر المجلس المخصوص فى أول يناير سنة ١٨٥٩ هذه الرغبة ، وإنما اشترط أن تؤخذ على الطالب شروط
خمسة ، أصدرها هذا المجلس بهذه المناسبة دستورا وقاعدة لمثل هذه الحالة . جاء فى أول هذه الشروط " أن كل كتاب أو رسالة يراد طبعها لا يصير الابتدى ( الابتداء ) فى طبعها ، ولا تجهيز لوازماتها ، ولا عقد شروط مع من يريد الطبع والالتزام ولا أخذ شئ منه ، ما لم يقدم نسخة ذلك إلى نظارة الداخلية لأجل مطالعتها والنظر فيها إن كانت مضرة للديانة ولمنافع الدولة العلية والدول الأجنبية والعامة أم لا " ثم ذكر الشرط الثانى أنه لا يطبع ولا ينشر " جرانيل وغازيتات وإعلانات من دون استحصال على الرخصة من ديوان الداخلية ، وإلا فتغلق وتسد مطبعته ، وينصب الشرط الثالث على من يطبع رسائل وينشر كتبا تسئ إلى الدين والآداب
" والبولوتيقة " ، وأن للضبطية أن تحول دون ذلك أما الشرط الرابع فيقرر عدم طبع نسخ زيادة عما يحدث الاتفاق عليه بين الكاتب والناشر والحكومة ، وأن الزيادة فى النسخ المتفق عليها تعتبر سرقة وتصادر . وينص الشرط الخامس على العقوبات التى يعاقب بها المخالف للشروط السابقة
فالجديد هنا فى هذا القرار أنه انصب على مطابع الحجر ، ثم جمع بين الكتب والصحف والرسائل والواقع أنه بالرغم مما يتبادر إلى ذهن القارئ ، فان هذا القانون يعتبر قانونا سهلا لينا ، لأن ناس ذلك الوقت كانوا بطبعهم لا يعرفون السياسة ، وكانوا مؤمنين لا أمل للألحاد والملحدين بينهم . وهذا القانون صورة من القانون العثمانى المعمول به فى الدولة العثمانية وإن لم يصدر فى نصه ، وهو شبيه بالقانون الذى صدر من أجل الأجانب فى مصر وسائر ولايات السلطنة العثمانية.
كان للأجانب فى عهد سعيد دالة كبيرة على الحكومة المصرية ؛ فقد اتسعت لهم رحاب الوالى و كثر عددهم ،
واستتبع ذلك إنشاء خمس صحف بين فرنسية وإيطالية ، غير ما ذكرنا من صحف على عهد أسلافه . وطبيعى أن هذا العدد الكبير من الصحف كان يقتضى رقابة من الحكومة الشرعية فى البلاد ، حتى تأمن نتائج الآراء المتضاربة التى تذيعها هذه الصحف المتباينة فبلغت مصر قناصل الدول منشور التنظيمات الصحفية التى صدرت فى الآستانة فى ٦ يناير سنة ١٨٥٧ ، وأرسلتها إلى هؤلاء القناصل فى شهر ديسمبر من نفس السنة ؛ وليست مواد قانون الصحافة التى بلغها الوزير المصرى لقناصل الدول مواد حرفية لقانون المطبوعات العثمانى ، بل هي تحمل روحه وطابعه ، وقد بسطها ناظر الخارجية تبسيطا ملحوظا إذا قورنت المواد المبلغة بمواد القانون التركى.
ويبن القانون الذي بلغ للقناصل اهتمام الحكومة بخطر الصحافة الفرنجية فى مصر ، إذ كان بهما أشد الاهتمام الامتناع عن نقد أعمالها مما قد يؤثر على الأمن أو يدعو إلى اضطراب فى الأفكار العامة ، وهى كذلك حريصة على حماية موظفى الحكومة من النقد الذى قد توجهه إليهم هذه الجرائد ، فشرطت لتحقيق هذه الرغبة أن يقر الأخبار التى تذيعها الصحف عن الحكومة وموظفيها مكتب للصحافة أنشأه سعيد فى نظارة الخارجية ، وليست الأخبار وحدها المطلوب رقابتها ، بل إن الافتتاحيات
أيضا كانت تمر على المسئولين فى مكتب الصحافة أو يقرها موظفوه مشافهة ، على شريطة أن يذعن المحرر للاعتراضات التى توجه إليه اجتنابا لاذاعة الأنباء الباطلة ؛ وكذلك فرض قانون الصحافة على الجرائد الأجنبية أن تفسح صدرها لتكذيب وتصحيح الأخبار التى تنشرها صحف أوربا أو يذيعها المغرضون عن الحكومة المصرية ؛ وقد أخذ مكتب الصحافة على عاتقه تزويد الصحف بهذا كلما دعت الحاجة إلى تكذيب أو تصحيح . ولكى تمكن
الحكومة لسلطانها على هذه الصحف رسمت عقوبات مختلفة ستفرضها على من يخالف مواد القانون أو يستهين بها ، كما جعلت لهذا القانون أثرا رجعيا ، فكل صاحب مطبعة أو ناشر ينبغى أن ينال ترخيصا بفتح مطبعته أو نشر جريدته وإلا تعرض لجزاء بقفل مطبعته وبعطل صحيفته . وألقيت كل هذه المشاكل الصحفية الجديدة التى نشأت فى الحياة المصرية على مكتب الصحافة الذى أنشأته حكومة الوالى سنة ١٨٥٧ .
ومع أن علاقة الحكومة العربية بالمطبوعات أصبحت واضحة بعد هذين القانونين ، إلا أنه ينبغى أن تذكر أن حكومة سعيد كالت لهذه المطبوعات بكيلين ؛ فالأجانب كانت لهم الحظوة ، وكان لهم فى قناصلهم حصانة حالت فى كثير من الأحيان دون بطش الحكومة بصحفيهم ، ودون رقابتها على صحفهم ؛ فقد فتح السيد محمد هاشم من رعايا أمير المغرب مطبعة حروف دون أن يستأذن الحكومة ، وكان هذا أول حدث من نوعه ، فاستفسرت الضبطية المصرية عما يجب أن تصنعه مع هذا الأجنبى ،
فكتب إليها سعيد والى مصر يقول : يا مبارك إن الأشياء التى مثل هذا لم هى يد واحدة مثلما تعملوا . إن اليدية الواحدة مرفوع وملغى . افهموا ! وهو يعنى فى هذه الوثيقة التاريخية عدم مساواة الناس أمام القانون ، ويطلب إلى المسئولين فهم ذلك جيدا ؟ فالمصرى والأجنبى يختلفان إذا جد الجد ، فبالرغم من وجود القانون فتح الرجل المطبعة دون إذن ودون تحرير الشروط التى نص عليها التشريع ، وإن كان فى نهاية كتابه للضبطية يقول : " فأما إذا طبع شىء يصيب الحكومة والملة فيجب مؤاخذة وممانعة فاعلين ذلك .
(للبحث بقية )

