الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 169الرجوع إلى "الثقافة"

من تاريخ الصحافة المصرية :، سهم مصر فى الصحافة الشرقية،

Share

أصدر الجنرال عبد الله جاك منو قائد الحملة الفرنسية على مصر فى أخريات أيامها مرسوما بإنشاء جريدة ( التنبيه) العربية فى ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٠٠ . على أن تتخصص الجريدة لأربعة أبواب : أهمها الأخبار الخاصة بأوربا وآسيا ، ثم البحث فى الفنون والأداب والاخلاق ؛ وقد عين لرئاسة تحريرها السيد إسماعيل الخشاب ، وهو من أدباء العصر وشعرائه المعروفين وسكرتير عام الديوان الذى أنشأه الفرنسيون فى تلك الأيام ؛ ولو نفذ هذا المرسوم لكانت مصر أول دولة فى الشرق كله تنشر صحيفة يقوم على خدمتها وتحريرها مصريون بصرف النظر عن الجريدتين الفرنسيتين اللتين شهدتهما مصر قبل هذا المرسوم بعامين تقريبا .

ثم ينفذ هذا المرسوم عن عجز فى التحرير ، وإنما حالت الظروف السياسية دون التنفيذ ، مع أن جميع الأسباب لانشاء ( التنبيه ) قد هيئت . وبعد خمسة وعشرين عاما من هذا الحدث فى تاريخ مصر ، أصدر محمد على من القلعة شبه جريدة تصدر فى حيز ضيق ، ولغايات فى أ كثرها حكومية رسمية ، ولم تحتمل علاوة على الأخبار غير بعض قطع من "ألف ليلة وليلة "، ولم تكن

توزع إلا على نفر قليل من رجال الدولة والمسؤولين فيها ، ولم يصدر منها أ كثر من مائة نسخة فى كل مرة ، وقد عرفت مصر هذه الجريدة الصغيرة عندما عرفت السلطنة العثمانية أول جريدة بالمعنى المفهوم ، وهى جريدة بريد أزمير المصادرة باللغة الفرنسية فى سنة ١٨٢٥ .

ولا يستطيع المؤرخ لتاريخ الصحافة فى الشرق أن يشير إلى سهم مصر فى خدمة الصحافة الشرقية عامة ،

إلا حين تظهر الوقائع المصرية فى ٣ ديسمبر سنة ١٨٢٨ كأقدم صحف الشرق العربية جميعا ، وكأهم وثيقة رسمية تحتوى على تاريخ مصر زعيمة الولايات العثمانية فى القرن التاسع عشر ، وليست الوقائع العربية كأى صحيفة أخرى سواء كانت صحيفة رسمية أو شبه رسمية أو حرة الرأى ؛ فالوقائع بقيت وحدها فى السوق ثلث قرن لا تنافسها جريدة أخرى ، وهى مدرسة لصحفى الشرق وأدبائه عامة

ومصر خاصة فى القرن الماضى ؛ من خريجها رفاعة رافع الطهطاوي الذى عمل بها محررا ورئيسا للتحرير ، ومنهم أيضا على جودت بك والشيخ ابراهيم الدسوقى وأحمد خيرى بك والشيخ أحمد عبد الرحيم والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان وسعد زغلول وإبراهيم الهلباوى _ ولكل من هؤلاء ، التلاميذ مهمه فى الصحافة والأدب والسياسة والقانون ، ومن أهم تلاميذها الشرفيين السيد شهاب الدين ، وأحمد فارس الشدياق صاحب جريدة ( الجوائب ) التى صدرت فى القسطنطينية فى النصف الثانى من القرن الماضى ، وهى أخطر صحف الشرق فى ذلك الوقت ، ولصاحبها تاريخ حافل فى الأدب والصحافة .

فالوقائع المصرية المدرسة الصحفية الأولى فى الشرق الأدنى ، مدرسة للترجمة والأداب والفنون ، ومدرسة للتمرين على التحرير والأصول الصحفية الآخرى ، والوقائع أول من جذب الألفاظ العربية ، ونقلها من العجمة السائدة فى ذلك الوقت إلى اللغة العربية الصحيحة

وسنرى من حديثنا الآن أن سهم مصر فى الصحافة الشرقية وكل أمرء إلى ولاة مصر وخديويها حتى نهاية عهد الخديو اسماعيل ؛ فحمد على الكبير أول من أنشأ صحيفة شرقية ووالاها بمثابته وبره ، ومنحها من وقته وعطفه ما مكن لها من الزواج والانتشار فى مصر وخارجها ، فكانت

الوقائع تقرأ فى مصر والشام وبلاد العرب وكريت والسودان وعند طلاب البعثات فى باريس وغيرها من العواصم الأردنية .

ثم استن الأمير سعيد باشا سنة العطف على الصحف الشرقية ، وإن لقيت الوقائع فى عهده إهمالا منقطع النظاير ، فقد اشترك سعيد فى أ كثر من جريدة شرقية فى القسطنطينية ، ودفع ألف فرنك اشترا كا سنويا لجريدة عربية بدأت تظهر فى باريس وسميت ( برجيس باريس ) .

ولقد كان من أسباب عطف سعيد على الصحف الشرقية الكرم المقطور عليه حكام الشرق عادة ورغبتهم فى حسن الأحدوثة عند من يملك إذاعتها ونشرها . أما الخديو إسماعيل فقد كان شيئا آخر ، كان بطبعه كما أعتقد يقدر للصحافة مر كزها ويعرف مكانها من حيث نشر العلم والمعرفة ، فجدد الوقائع ، وكان يرى للصحافة كما يقول هو " منافع ومحسنات عند الاهالى " وحقا أن الوقائع كانت

فى عهده صحيفة ممتازة ، ودخلت كما أراد هو فى "عداد الجرائد المعتبرة" . ثم هو لا يقتصر على إدخال الوقائع فى عداد الجرائد المعتبرة فحسب ، بل ينشئ جريدة للأمور الطبية ويسميها ( بمسوب الطب) ، وجريدة المعلمين والتلاميذ ويسميها ( روضة المدارس ) وصحيفتين للجنود والضباط ويسميهما ( الجريدة العسكرية المصرية ) و ( جريدة أركان حرب الجيش المصري) ؛ ( ولا يقتصر الأمر على هذه الصحف الرسمية ، بل يبسط يده للصحف الحرة من كل لون حتى تمنحه التأييد عند الشعب المصرى.

وقد ووجه إسماعيل بكثير من المشاكل فى خلال حكمه ، رغب فى توسيع سلطته وبلوغ لون من الاستقلال وتحديد ولاية العرش فى نسله بفرمانات يمنحها السلطان العثمانى ، ولقى فى أول حكمه أزمة قناة السويس ، ثم إنشاء المحا كم المختلطة فيما بعد ، ثم ووجه بأزمات داخلية وخارجية

عنيفة ... كل هذه الأزمات استدعت بره بالصحف الشرقية ، فالفرمانات تصدر من القسطنطينية ، لذلك قام وكيلاء إبراهام بك وعلى بك الكريدى بدفع مبالغ طيبة لأصحاب الصحف ومحرريها مكنت لهم البقاء ولصحافتهم الذيوع والانتشار ، واستقبل هو هؤلاء فى مصر استقبال الأمراء والملوك ، واستضافهم على نفقته الخاصة ، حتى

إن صحفيا عاديا نزل الأسماعيلية فنقله منها إلى القاهرة قطار خاص ؛ تجاوزت اشتراكاته فى صحفهم أربعة آلاف فرنك فى كل عام ، غير الهبات الظاهرة والخفية التى دفعت هذه الصحف المتباينة إلى تأييده فى وراثة العرش وأزمة القتال وإنشاء المحاكم المختلطة ومهما يكن من أمر الهبات وأمر التأييد فالثابت أن الصحافة فى الآستانة استمدت لبقائها ونموها كثيرا من مال مصر وعطف خديو بها المتصل .

وإذا كانت صحافة السلطنة لقيت هذا البر فان صحف الشام كانت تتمتع بعطف ظاهر من خديو مصر ، اشترك فيها ايضا ، وكان من أهمها صحف ثلاث : الحنان ، وحديقة الأخبار البيروتية وجريدة الجنة ، نالت الأولى خمسمائة جنيه اشتراكا سنويا ، وبلغ اشتراك الاثنتين الأخريين أكثر من هذا القدر بقليل .

ليس فى وسعى أن أبسط فى هذه المجال سهم مصر فى خدمة الصحافة فى الشرق ، غير أننى أحاول أن أجمع فى مقالى أظهر ما قدمته الدولة المصرية والشعب المصرى لهذه الصحافة من خدمات ؛ وقد رأينا طرفا من سخاء ولاة مصر الأدبى والمادى على الصحافة المصرية والشرقية ، وأحب أن أضيف إلى ما ذكرت أن مصر هيأت للصحافة الشرقية نضجها وتقدمها ، لا بالمال وحده . فقد كان حا كمها مهتما بالصحافة مرغيا فيها ، يمنح رعايته ويبسط حمايته على كل صحفى شرقى تضطهده الحكومة العثمانية ، ويفسح له فى مجال الأقلام المصرية مكانا ، ولولا هذه البيئة الحرة

ما استطاع الكثيرون من أعلام الصحفيين إلي النجح سبيلا ، فقد عزت الحرية فى بلاد الدولة العثمانية جميعا ، حيث ضغطت الحكومة على المطبوعات ، وطبقت قوانينها التى أفاتت مصر منها بتشجيع واليها وإهماله لها . وإنى حين أذكر قوانين المطبوعات فى ذلك الوقت فلا أصور قانونا هينا يحتمل الشر والخير ككل القوانين . فان السلطة العثمانية لم تكن دولة تهضم الملاحظة والنقد ،

لذلك سنت قانونا هو أقرب ما يكون شبها بتشريع العصور الوسطى ؛ ولم تفرضه على تركيا فحسب ، بل كان معمولا به كغيره من قوانين الدولة فى جميع ولاياتها ومن بينها مصر ، أوجبت فيه الامتناع بتاتا عن كل نقد لأعمال الحكومة ، أو تعليق على تصرفات موظفيها ، على أن جميع ما تنشره الصحف ينبغى أن يجيزه مكتب للصحافة . ومع أن هذا القانون يعتبر القانون الأساسى المطبوعات فى مصر ، من عهد سعيد باشا إلى سنة ١٨٨١ ، فانه لم ينفذ إلا قليلا ، وبشكل لا يحتمل تلك الروح الصارمة التى تلقى فكرة المحرر قبل أن تنبت فى ذهنه ، إلا ما كان يرضى منها الحكومة ومسؤوليها .

فالبيئة المصرية ، والبيئة المصرية وحدها ، كانت تتمتع بحرية منقطعة النظير ، لا توجد فى سوريا ولا لبنان ؛ والطبيعة المصرية والتفكير المصرى فى ذلك الوقت هما اللذان سمحا بوجود نهضة صحفية موفقة ؛ وظروف الحياة المصرية بخديويها وأزماتها ، واضطراب الأفكار فيهما تجديد فى شتى الميادين ، هى وحدها على رأس بلاد الدولة العثمانية التى تحتمل آدابا وصحفا وسياسة . أما غيرها فلم يكن له فى ذلك الزمن هذا الحظ ، حظ الشخصية المعنوية التى قرضت وجودها على الدولة المالية ، مستمدة هذا الوجود من تاريخ حافل وذكريات بحسب لها فى مقومات الشعوب ألف حساب ؛ كما أن مصر تستطيع أن تفخر بأنها المدرسة

الأولى لصحفي الشرق ، وأن أدباءها وعلماءها المصريين ملأوا صفحات الجرائد المصرية والشرقية بعلمهم وأدبهم وغذوها يواسع تفكيرهم وتراث عقولهم .

ويرد جهد مصر الذى فسرناه فى خدمة الصحافة الشرقية إلى القرن التاسع عشر حتى نهاية حكم الخديو إسماعيل . أما فى الأيام التى تلت الاحتلال البريطانى فلمصر فضل جديد ، مصدر هذا الفضل تلك الخصومة التى قامت بين الوطنية المصرية وصحفيها من جهة وبين السلطات البريطانية حينا والسلطات المصرية حينا آخر . فالمدرسة هنا لا تقتصر على فضل الحكومة كما رأينا ، وإنما للكتاب .

المصريين فضل آخر ، هنا توجهت الصحف إلى الشعب وعرفت الأساليب الصحفية الجديدة فى الأخراج والتحرير ، ومن ثم شهدت الصحف الشرقية مثلا جديدا فى الكفاح الصحفى ، يعتمد بعضه على التنظيم كاعتماده على التحرير ، ونشأت فى الصحافة المصرية إدارات وميزانيات بجانب أقلام التحرير ، وأدخلت الصحافة المصرية تعبيرات جديدة وألفظا لم تكن معروفة فى الصحافة العربية من قبل ،

وعنيت بالبرقيات ، و بويت صفحانها تبويبا جذابا ، وشغلت جزءا منها بالصور ، وتعددت أغراضها ، فلم تقف نفسها على السياسة وحدها ، ولم تعد مدرسة الصحافة المصرية مثلا للصحفيين الشرقيين حسب ، بل إنها أصبحت مدرسة يتلقى منها العلم والأدب والسياسة والاجتماع كل قارئ يعرف اللغة العربية ويرى على نفسه حق التعليم والتثقيف .

وليس أدل على قدر الصحافة المصرية ونصيبها من نهضة الصحافة الشرقية من أن صحفها لا تقرأ فى مصر وحدها بل إن بعض الصحف المصرية يقرأ فى الشام والعراق وغيرهما من البلاد الشرقية ، وعدد قرائها فى تلك البلاد يفوق كثيرا عدد قراء الصحف المحلية هناك .

وقد أحست السلطات العلمية أخيرا أن صناعة

الصحافة فى مصر لم تعد شيئا ثانويا ، لأثرها البعيد فى حياتنا الادبية والسياسية والاجتماعية وحياة الشعوب الشرقية الأخرى ، فأنشأت لذلك معهدا عاليا فى الجامعة للتحرير والترجمة والصحافة . وأ كبر الظن أنه جدير بعد وقت قصير أن يخرج لهذه الصناعة فئة نستطيع أن تستكمل أسباب الكمال للصحافة المصرية خاصة والشرقية عامة ، بما يشترع لهذا الفن من أصول وأوضاع ، وبذلك تتوج مصر جهدها الصحفى شعبا وحكومة كدولة شرقية لها الزعامة فى كل جديد صالح .

اشترك في نشرتنا البريدية