يعرف الكثيرون أن مصر قد امتازت فى القرن التاسع عشر دون بلاد الدولة العثمانية جميعا ، ودون تركيا نفسها ، بتقدمها فى الحياة الاجتماعية والسياسية ؛ فمصر أول بلد شرقى أدخل الفنون الحربية الحديثة ، ومصر
أول بلد شرقى فكر فى حياة دستورية صحيحة ، وهى أول بلاد الشرق التى فكرت فى الاصلاح القضائى وإذاعة التعليم فى بيئاتها المختلفة ، والأخذ بطرف من كل جديد فى أوربا ؛ ولكن كثيرين جدا يجهلون أن مصر كانت فى القرن التاسع عشر ثانى دولة شرقية عرفت الصحافة ، غير أنها كانت أسبق من تركيا فى تقدير قيمة الصحف
واعتبار مكانتها فى حياة الشعوب ؛ بل أصبحت فى عهد الخديو اسماعيل ملجأ الأحرار من حملة الأقلام وكتاب الصحف . فكانت تركيا تضطهد كل كاتب حر ، ومصر تستقبله مرحبة مواتية ، وكانت الدولة المصرية على أوثق ما تكون صلة بكثير من صحف أوربا ، فاشتركت فى خمسين صحيفة أجنبية بينها ست صحف للأزياء
ولم يقتصر النشاط الصحفى فى مصر على اشتراك الدولة فى بعض الجرائد الأوربية ، بل كانت مصر نفسها مجال نشاط صحفى أقوي مما كان فى تركيا . فمنذ أربعة وستين عاما اضطربت الحياة المصرية ، وشغل الرأى العام بألوان جديدة من التفكير ، وكان من دعائم هذه النهضة الفكرية تسع وخمسون صحيفة تصدر فى مدن مصر الكبيرة بين عربية ويونانية وفرنسية وإيطالية وإنجليزية .
فالصحافة بالمعنى المفهوم لم تكن شيئا جديدا على مصر الخديوية حين عرفت أول مجلة هزلية رفيعة القدر بعيدة الأثر ، ومصر أول من ابتدع هذه الصحافة الهزلية فى الشرق الأدنى جميعا ، حمل لواءها يهودى مصرى ، كانت حرفته التمثيل الهزلى قبيل إصدار جريدته سنة ١٨٧٧ ؛ كان ممثلا محترفا ومؤلفا مسرحيا لموضوعات هزلية ممتازة أرضت الخديو إسماعيل وأثارت أعجابه ، حتى أطلق عليه فى يوم ما لقب " مولبير مصر " .
هو كاتب من طراز آخر غير ما عرف به كتاب عصر إسماعيل ، ناقد مر النقد ، قاس فى أسلوبه وحواره ، يطلق قلمه دون تقييد أو تحديد ، عرفه عصره كله بجميع طبقاته ، من القصور فى المدن إلى أكواخ الفلاحين فى الريف ، ولم تشهد الصحافة المصرية - سواء كانت جادة أو هازلة - قلما صور البيئة المصرية شعبا وحكومة ، ونقد المصريين فى حياتهم السياسية والاجتماعية ، ودافع عن رأيه بعنف وشدة ، مثل القلم الذى شهره يعقوب رفائيل بن صنوع فى صحيفته الهزلية .
تعلم هذا الصحفى فى إيطاليا على نفقة أحمد يكن باشا حفيد محمد على الكبير ، واشتغل فترة مدرسا للغات والموسيقى والرسم لأفراد الأسرة الخديوية وأبناء الباشوات ، ثم احترف التمثيل فترة أخرى من الزمن تعرف خلالها بقادة الرأي العام فى ذلك الوقت ، وحضر مجالسهم ، وتتلمذ على زعيمهم السيد جمال الدين الأفغانى . وكان هذا السيد شديد الثقة بأثر الصحافة وتنوير الجماهير ، وهو الذى دفع بمعظم صحفى ذلك العهد إلى هذا الميدان " فليس غريبا أن ينصرف يعقوب من مجلسه يوما مصمما على إنشاء أول جريدة هزلية مصرية .
اختار يعقوب بن صنوع اسما غريبا لجريدته ، يتفق فى الواقع مع روحها وطبيعتها ، اختار لها اسم ( ابو نضارة ) . ولهذه التسمية قصة ، فقد كان يستعمل لعينيه نظارة زرقاء تقيه الضوء الشديد وتعينه على تحمل لفحات الشمس ، وكان كثير النكتة مع المكارية الذين عرفوه جميعا فى تنقلاته من حى إلى حى ، وكانوا يسمونه ( أبو نضارة ) ، فأعجبته هذه التسمية وأطلقها على جريدته ، وهي أول صحيفة شرقية من نوعها عرفها القرن التاسع عشر ؛ فهى أول جريدة هزلية لها أدب خاص ، وهى ثانيا ذات أسلوب دارج فى أكثره ، يردد ما يجرى على ألسنة الشعب من حكم وأمثال ، وهى ثالثا مصورة تصويرا هزليا بديعا .
كانت ( أبو نضارة ) فى قطع مجلاتنا السياسية الأسبوعية المعاصرة ، فى أربع صفحات فى أغلب أعدادها ، وهى كما نعتت نفسها " جريدة هزلية أسبوعية لانبساط الشبان المصرية " وقد يضفى هذا النعت عليها صفة الجريدة الفارغة ، والعكس صحيح ؛ فأبو نضارة مجلة حافلة بتاريخها ، لها كما قلنا أدب خاص تغلب عليه اللغة العامية ، وإن لم تخل أحيانا من مقالات للأفغانى والأستاذ الامام الشيخ محمد عبده وعبد الله نديم وغيرهم من كتاب العصر . وكان
يعقوب يقوم بخدمتها جميعا ، فهو الكاتب لمعظم فصولها ، وهو المدبر والمصور والطابع والناشر . وقد لقيت رواجا منقطع النظير ، فقرئت فى المدن والريف ، وبلغ عدد ما كان يصدر منها خمسة عشر ألف نسخة . وكان الناس أميين ومتعلمين ينتظرون ظهورها ويقبلوها على قراءتها إقبالهم على غذاء طيب ، حتى إن أحمد سالم كبير مطربى مصر إذ ذاك توقف عن الغناء فى حفل عام حين دخل بائع الصحف ، فقد شغلت الجريدة جمهور المستمعين .
وكانت موضوعات ( أبو نضارة ) من الأزجال والمحاورات - وخاصة الأزجال والمحاورات التى دارت بين الشيخ ( أبو نضارة ) وأبو خليل عن الحياة السياسية والاجتماعية فى مصر ، وفيها نقد يعقوب السياسة المصرية والحياة الاجتماعية بين الوزراء والأغنياء ، وصورها تصويرا رائعا حقا ؛ وكان أسلوبه فى محاوراته وأزجاله عاميا سهلا ، وإن نشر بين آن وآن مقالات أدبية وسياسية واجتماعية سماها ( المقالات المصرية ) فى ألفاظ مسجوعة غير مملة على أهل ذلك الزمن ، وخاصة العامة منهم الذين قد لا يفهمون من هذا الأسلوب شيئا ولكنه يرن
فى آذانهم ويسرق تقديرهم وإعجابهم . ولم تحمل ( أبو نضارة ) على الأغنياء والمتعلمين وحدهم ، بل كثيرا ما وجهت أعنف النقد إلى عامة الشعب ، وأعلنت سوءاتهم المادية والخلقية ، وأشارت بالعلاج فى غير موضع ، وقست على تلك الجماهير التى رضيت الذل وأصغت إلى الهوان . لم
يعجبه المصريون فى هذه الدعة التى تملك عليهم مشاعرهم ، فكان يري الظلم واقعا والأمة المصرية بأسرها تقول كما أذاع فى مجلته : " حكم يا سيدى ، المكتوب على الجبين تراه العيون " وهكذا يستمر فى نقده اللاذع الصادق وتصويره الرائع لنفوسنا واستعدادها وآمالنا فى هذه الحياة ، منددا بتلك الألفاظ التى لا تزال لسوء الحظ مسموعة فى مصر ، ألفاظ الضعف والتواكل والاطمئنان حيث لا ينبغى الاطمئنان
قد يدهش القارئ إذا ذكرت أن موضوعا سياسيا أو اجتماعيا ينشر فى ( أبو نضارة ) لم يكن يخلو من صورة تفسره ، وكان يعقوب يرسم هذه الصور بريشته ، وهى صور كاريكاتورية بديعة تعتبر من الناحية الفنية مثالا طيبا لهذا النوع من التصوير ، ومن مميزاتها الظاهرة أنها تكاد تنطق المعنى الذى انطوت عليه ، حتى ليخيل إلينا أن الصورة وحدها قادرة لدقة صنعها وصدق روح مصورها على إعفائنا من قراءة المقال الذى يفسرها ! وكان بعض هذه الصور ملونا وجذابا كأحسن ما يشاهد فى الصحف الهزلية
المعاصرة . وقد أضاف هذا الصحفى إلى مجلته جديدا لم يكن معروفا فى الصحافة الهزلية الأوربية إذ ذاك ، فقد أعتاد أن ينشر ترجمة فرنسية لهذه السخرية المصرية اللاذعة التى احتوت عليها مجلته ، فعرف الفرنسيين بجهده هذا على ناحيتين مجهولتين فى المصريين : أولاهما القدرة على الترجمة والتحرير باللغة الفرنسية . والثانية هذا الروح المرح فى النكتة المصرية والملاحظة الصادقة ، والتحليل البديع للطبائع وأصناف الرجال . ومن أعجب ما رأيناه فى أحد أعداد ( أبو نضارة ) ترجمة حرفية له فى سبع لغات مختلفة .
فيعقوب بن صنوع أول من خلق هذا الفن فى مصر وابتكر له الأصول والأوضاع ، حتى إن ما نراه اليوم من الصحف المماثلة لا يمكن أن يبزه لا فى معانيه ولا فى صوره ، بالرغم من المطبعة الحجر التى صدرت عنها جريدته وبلوغ صحافة اليوم النضج والاستواء ، سواء فى الطبع والاخراج أو فى التحرير والانشاء .
وقد يسأل البعض : هل كانت تحتمل مصر هذه الجرأة الصحفية وهي تهز بعنفها وشدتها القواعد الحكومية والتقاليد المرعية ؟ حقا أن مصر احتملت فى عصر إسماعيل حرية صحفية منقطعة النظير ، تكاتفت على إظهارها بضعة عوامل ليس هنا مكان التدليل عليها ، فلم تكن
الدولة شديدة الوطأة دائما على الحرية الفكرية ، وكثيرا ما لقى يعقوب التعضيد الأدبى والمادي من الخديو نفسه ، سواء كان ممثلا أو صحفيا ، ولم ينجح هذا العطف الرسمى فى تحديد الأغراض التى من أجلها أنشئت ( أبو نضاره ) ، وأبي يعقوب أن يأخذ مكان التبعية بالنسبة للدولة ، واشتد فى اسلوبه ومضى يتهور فى حملته تهورا كان يلجئه إلى الاسفاف أحيانا فى شكل لا ترضاه أي أمة مهما غالت فى
حرية النشر وقد هاجم الأجانب المقيمين فى مصر فيمن هاجم ، وأسخط دولهم ، ونادى بأن مصر للمصريين ، وجعل ذلك شعارا لصحيفته ؛ فلم ترض عنه الحكومة العثمانية كل الرضى ، وهكذا تكاتفت عليه جميع القوى ، فصادرت الحكومة صحيفته وأمرت بنفيه ، وحرمت عليه العودة إلى مصر ؛ فخرج إلى باريس وبقى يصدر جريدته من هناك زهاء أربعة وثلاثين عاما حتى توفي سنة ١٩١٢
وقد شغلت جريدة أبو نضارة الحكومة المصرية بالرغم من نفى صاحبها وصدورها فى باريس فقد كان لها فى مصر عشاق تحايلوا على إدخالها وتوزيعها ، إذ أصدرت الحكومة قرارا بمنعها من الدخول إلى مصر ولما كان قرار المنع قد انصب على جريدة ( أبو نضارة ) فقد غير صاحبها اسمها باسم ( أبو زمارة ) مع الاحتفاظ بطابعها المعروف فى التحرير والأخراج ؛ وبذلك تيسر للشعب المصرى أن يتلقى كثيرا من أعداد هذه الجريدة الجديدة ،
ثم فطنت الحكومة إلى ذلك التحايل ، فأجرت على ( أبو زمارة ) ما قضت به فى زميلتها ، فغير صاحبها اسمها واطلق عليها ( أبو صفارة ) ثم حرمت هذه الأخيرة من الدخول فى مصر كما حرمت أختاها من قبل ، فسماها ( الحاوى ) وشعارها الحاوى الكاوى اللى يطلع من البحر الداوى عجايب النكت للكسلان والغاوى ، ويرمي الغشاش فى الجب الهاوى " ، فسرى على هذه ايضا قرار المنع ؛ وهكذا اضطر يعقوب إلى تغيير اسم صحيفته اثنتى عشرة مرة ، حتى
يستطيع أن يهرب منها إلي مصر بضعة آلاف بلغت أحيانا تسعة آلاف نسخة ، وقد استطاع ذلك فى كثير من الأحيان .
لا يختلف أحد فى الجديد الذى خلقه صنوع فى الصحافة المصرية ، ولا ينكر عليه أحد علمه وفنه . فقد كان رجلا مثقفا شاعرا صادق الشاعرية ، كثير الرحلة من أجل التثقف والملاحظة ، فقد زار معظم بلدان أوربا . ولفت فى رحلاته صحف تلك البلاد، فحيته وتحدثت عنه معظم صحفها و خاصة جريدة la Gazette de Bordaux وذى ورتنج بوست وذى استاندر ، ولم يحب هذه البلاد اعتباطا كأى سائح عادى ، بل شغل جمهور هذه الشعوب بمحاضراته عن مصر فى مختلف شؤونها العامة و قد نعته شركة رويتر حين نزل به القضاء كأى عظيم معاصر ، فلا غرو إن كان له ولجريدته أثر فى بعض الحكومات
الشرقية والغربية أيضا ؛ فقد منحه السلطان عبد الحميد وشاه إيران وسلطان زنجبار وباى تونس الاعانات المالية والأوسمة الرفيعة ، كما قلدته فرنسا الليجيون دونور ، ومنحه ملكا بلجيكا وأسبانيا بعض النياشين .
يعتقد بعض الناس أن الصحافة المصرية لم ينهض بها مصرى ، ولم يفكر فيها مصرى ، بل هى صناعة طرأت على بلادنا من بعيد ، وليس لمصرى فيها فضل ؛ وإذا جاز أن يكون لهذا الرأى أنصار - وهو كما أعلم رأى ضعيف تنفيه الحقائق العلمية - فاني أقرر أن الصحافة الهزلية بالذات - سواء فى التحرير أو فى التصوير - هى من صنع الذهن المصري الخالص ، وأن مدرستها وجدت فى مصر قبل أن توجد فى أى بلد شرقى ، بل قبل أن توجد فى أوربا الشرقية كلها .

