الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الثقافة"

من تاريخ الصحفافه المصرية :، تشريع الصحافة وتطوره

Share

-٢-  اقبل عصر ) إسماعيل ، وقد احل للصحافه من نفسه مكانا واسعا وجعل لها من جهده نصيبا ، غير ان من الظواهر المشاهدة في بدايه عهده أن كان للصحافة الخارجية المكان الأول ، فاشترك في اكثر من خمسين صحيفة اجنبية بينها ست صحف للآزيا ؛ ودفع آلاف الجنيهات لشراء الجرائد واصحابها ، وله في ذلك بعض العذر ، فقد نشأ بينه وبين شركة القنال خلاف شديد في صدر ولايته حكم مصر ، فانتصرت له معظم جرائد فرنسا بالبذل هنا وهناك ، وأراد أن ينشئ بعدئذ المحاكم المختلطة فدفع ما له بعض صحف فرنسا وانجلترا والمانيا إلى الوقوف

في صفه ، ووسع اختصاصاته الخديوية ، وانتزع قانون وراثة العرش في أولاده يبذل المال للمسئولين في الآستانة ومحرري صحفها وصحف الشرق الادني . . فسياسته مع الصحف والصحافة الخارجية سبقت علاقته بالصحف والصحافة المصرية .

كانت مصر قد دبت فيها نهضة لا باس بها ، وبدا رعايا الخديو يحسون وجودهم ، واخذت نشاة الصحافة في مصر تتطور وتبلغ مراتب القوة والحياة ، فشجعها إسماعيل وجاملها كثيرا ، ثم جدت في حياة مصر ظروف اضطرته إلي محاربتها ، فاندفعت إلي الثورة عليه ، فاشتري بعضها وقسا على البعض الآخر ، وكانت للتدخل الأجنبي أثر في ذلك كله .

كانت النكبات المالية والضرائب الفادحة التي تعددت ، ومراعاة خواطر الأجانب واستكانة الحكومة لهم وتدخلهم في شئون مصر ، وكراهية المصريين للحكم الأوربي ،

ووجود بعض المسائل الاقتصادية الأخرى دافعا إلي الشكوي ، وخاصة بعد أن وجد في مصر بعض المفكرين الذين تأثروا بالحضارة الأوربية أو أرهفت احساساتهم بعض مظاهر الحياة الجديدة ، أو كانوا من الوافدين عليها كجمال الدين الأفغاني الذي انار وجوده عاصفة من الرضى بين المواطنين وعاصفة من السخط بين الحكومين ، واصبح بقاؤه في البلاد مضافا إلي ما ذكرنا باعثا قويا على هزة في أفكار الخاصة ، أساسها التفكير في إصلاح الحال والمطالبة بحكم عادل يشعر بواجباته نحو مصر ، ويهتم بمصير شعبها ويتألم لمصابها ، وكانت الصحافة المصرية لسان هؤلاء الخاصة عند عامة المصريين

لم تكن معظم الصحف الوطنية تخضع لرأي أو تجري في اتجاه معين لا تحيد عنه ، بل كانت حرة الرأي طلقة الفكر ، تذكر المسئولين والحكومة بالخير كلما استوجبت مواقفهم الحمد والثناء ، ولا تتحرج من الحديث عنهم حديثا مؤذيا لأشخاصهم كلما تكاسلوا أو أساءوا ؛ فرأي إسماعيل جديدا في صحافة بلاده لم يشهده من قبل ، فأصدر أمرا في ٢٦ أكتوبر سنة ١٨٦٦ بتوسيع اختصاصات مكتب الصحافة وتحويله إلي فلم يتبع نظارة الخارجية ، يشرف عليه موظفون يجيدون اللغات العربية والتركية والفرنجية جميعا .

كان من شأن هذا المكتب الإشراف على الصحافة ورعاية شئونها ومراقبة أقلام اصحابها ، وقد اتسعت مهام هذا المكتب لكثرة الصحف الصادرة ؛ فكان يراجع ما ينشر بها ، فإذا وجد فيها ما يستوجب المؤاخذة درس جرائم النشر هذه ، ثم عليه بعدئذ ان بعد التقارير بالموضوعات التى تستحق المؤاخذة او الموضوعات التي من شأن الحكومة أن تهتم لها ، ويرفعها إلى الجهات العليا وهي هنا مجلس النظار ، واصبح هذا المكتب يتكون من خمسة أعضاء : ثلاثة من الأجانب منهم الرئيس ، وهو إذ ذاك

جودار بك ) باشا فيما بعد ( ثم اثنين من الوطنيين ، توزعت اختصاصاتهم فيما بينهم ، فكان على العضوين المصريين مراقبة الصحف الوطنية ، عربية او تركيه، بينما اختص الثلاثة الآخرون بمراقبة الصحف الفرنجيه ، وقد بقي مكتب الصحافة قائما حتى صدر قانون المطبوعات المصري في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ ، فانتقلت بذلك الرقابة من الخارجية إلى الداخلية ، غير ان وظيفة المسئولين في هذا المكتب قد تناولها التغيير في اخريات ايام الخديوي إسماعيل ، فأصبح المشرف على الوقائع المصرية حق الإشراف على الصحف والمطبوعات الأهلية

وكان على طالب الترخيص لإصدار صحيفة من رعايا الدول ان يكتب إلي قنصليته ، وهذه تكتب إلي مكتب الصحافة بنظارة الخارجية ، وتلك بدورها تكتب للمسئولين في ديوان الخديو ؛ بتقدم مثلا فرنسي إلي قنصليته بطلب ترخيصا ، فتكتب القنصلية إلي نظارة الخارجية ، وتلك ترفع الأمر إلى الخديو ؛ فإذا وافق فانما تجيز موافقته الأمر بشروط ، منها " أن تكون الصحيفة خاضعة للقانون الموضوع لهذا الشأن ، والمعلوم لدي نظارة الخارجية . ومن أهم هذه الشروط أن تؤخذ عليه التعهدات مصدقا عليها من قنصليته ، وليس لأجنبي حق طلب الترخيص مباشرة من السلطات المصرية ، بل لا بد ان يأتي طلبه عن طريق قنصليته ، وان تضمنه هذه القنصلية في سمعته وعمله الصحفي ؛ وليس لأجنبي أجيز له إصدار صحيفة أن يتصرف في ترخيصها بالبيع أو النقل إلا إذا اتبعت مع المالك الجديد نفس الاجراآت التي اتبعت مع صاحب الترخيص الأصلي

ويجب أن نقرر هنا أن السلطات المصرية وقانون المطبوعات الذي كان ينفذ في عهد اسماعيل وسلفه لا يقاس قدرها إلى قدر الخديو في هذا الموضوع ، فإرادته وحدها هي القانون وهي السلطات العليا جميعا ؛ وقد حفلت

المحفوظات التاريخية بعابدين بما يثبت ذلك كله ؛ فقد التمس " الخواجه بين تية أن يسمح له باصدار جريدة لنشر وإذاعة أخبار المراسح والقهوات على الا تتداخل في السياسة ؛ بيد أن " المعية " رفضت التصريح بذلك وإذا أراد صاحب جريدة أن يضيف إلي جريدته مواد جديدة لم يذكرها في ترخيصه ، كان يدخل عليها الشئون السياسية ، وكانت من قبل خلوا منها ، كتب في ذلك إلي قنصليته ، وتلك تمضي في إجراآتها ، حتى تبلغ الموافقة أو الرفض من الخديو نفسه . ولم يكن في وسع أي سلطة حكومية حتى ناظر الخارجية أن يشير برأي في اجازة الترخيص أو رفضه ؛ ولتأ كيد هذه الحقيقة التاريخية نشير إلى موقف المعية حين بلغها استئذان إحدي القنصليات في شان تررخيص لصحيفة تبحث في الأدب والتمثيل ، فقد أرمج عليها ورفضت أن تقطع بأمر في الموضوع ، محتجة بأن هذه الأمور من اختصاصات " الذات العلية " وحدها ، والذات العلية في ذلك الوقت كانت تستجم خارج القاهرة ، وبقي الأمر معلقا حتى عاد الخديو وفصل فيه .

ولم تكن العلاقة معقدة هكذا بين الحكومة المصرية والصحافة العربية الوطنية ؛ فكان المواطنون من اصحاب الصحف يتقدمون إلى مكتب الصحافة بنظارة الخارجية في أول الأمر ، ثم نظارة الداخلية في عهد توفيق الأول ، دون وساطة أو شفاعة ، بطلبون الترخيص لهم بإصدار صحفهم ، ويسمون طلبهم هذا " العرضحال " . فالعلاقة هنا بسيطة وواضحة بين طالب الترخيص والحكومة ؛ فهذا مواطن يطلب اصدار صحيفة وطنية ، فتجيز له السلطات ذلك إن لقي ) عرضحاله ( قبولا ، وإن فرضت على الطالب نفس الشروط التي تفرض على طالب التصريح الأجنبي ، غير أن الخاتمة واحدة ، فالخديو هو هنا وحده المرجع الأعلى في إجازة الترخيص أو رفضه .

وتعني هذه الاجراآت أن الخديو الذي يستطيع أن يمنح حق إصدار الصحيفة أو يقبض يده عن ذلك ، تعني هذه الاجراآت أن الصحف التي تصدر في مصر كانت كلها تدين بالولاء المطلق لخديو مصر ، لأنه صاحب الفضل في إصدارها وله عليها اليد والمعروف ؛ بيد أن هذا ليس صحيحا كله ، فمن بين تلك الصحف ما ناصب الحاكم المصري العداء ، وجاهر بهذه العداوة في غير تحفظ ، وخاصة الصحف الفرنجية أو الصحف المصرية التي تحتمي بقنصلية من القنصليات ؛ ولقي المصريون من تلك الصحف شيئا من الضيق مع واليهم ، فبينما يأمر إسماعيل بأغلاق إحدي الصحف ، فيحول ) قواص ( القنصلية الفرنسية دون تنفيذ أمره ، نري صحفا أجنبية أخري تحمل على الدين الإسلامي وتسخر منه ، ولم تستطع الدولة ولا تشريع الصحافة ، ولا سلطان الخديو حماية المصريين ، وحماية دينهم الرسمى ، لتدخل القناصل وحيلولتهم دون بطش الحكومة وتنفيذ قانون المطبوعات ، حتى إن إيطاليا التي لم تكن قد بلغت من العمر ست سنوات ! حمت يعقوب بن صنوع المصري القمح من سلطان الخديو ، وتوقيع الجزاء عليه ، وبعد جهد عظيم استطاع اسماعيل أن يستأذنها في نفيه ومصادرة جريدته

وفي عهد الخديو توفيق أصبح المشرف علي الوقائع المصرية حتى الإشراف على الصحف والمطبوعات الأهلية من عربية وتركية ، والمشرف هنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، وفي عهده صدر قانون المطبوعات المصري واصبحت العلاقة بين الحكومة والصحافة علاقة غريبة بعض الشئ . الصحافة حرة في حدود القانون ، ولكن المشرف على الوقائع يأبي ان يكون القدح الشخصي قاعدة السياسة الصحفية ، فهو ينذر ويعطل كل صحيفة تلغ في الأعراض أو تجعل المسائل الشخصية سياستها المرسومة ، وهو يفرض على المحاكم ومصالح الدولة الأخرى أن توافيه

بأخبارها في أسلوب حسن ، وإلا كشف عورتها في اللغة بنشرها ونقدها في الجريدة الرسمية ، وهو كذلك يفرض على الصحف أن تعني بالأساليب العربية في مقالتها وأخبارها وإلا أنذرت . فرئيس المطبوعات في ذلك الوقت كان معلما لصحافة الأمة ومصالح الدولة وإن لم يوح بذلك قانون المطبوعات أو أشار إليه نص من نصوصه .

وقد صدر هذا القانون في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ مشتملا علي ثلاث وعشرين مادة ، تضمنت شروط فتح مطبعة ، ثم حدد انواع المطبوعات التي ينسحب عليها القانون ، ثم انتقل المشروع إلى الجرائد والرسائل الدورية فنص على ضرورة الأذن بها من الحكومة قبل إصدارها ، كما نص على أن هذا الأذن شخصي ويجب تجديده كلما تغير صاحب امتياز الجريدة أو النشرة أو رئيس تحريرها او مديرها كما فرض رفع تأمين نقدي ، وأثبت حتى الحكومة في تعطيل أو مصادرة أو قفل أي جريدة أو رسالة دورية بأمر من ناظر الداخلية بعد إنذارين ، وبقرار من مجلس النظار بدون

إنذار ، وذلك بغية المحافظة على النظام العام أو الدين أو الآداب ، وواجه القانون الجزاء الذي يحيق بكل من يخالف قرار التمطيل أو بتحايل عليه ، واشارت بعض مواد القانون إلى المطبوعات والصحف التي تصدر في خارج القطر المصري وهيأت فرصة مصادرتها متى شاءت ذلك وأهم ما جاء فى هذا القانون أنه ألغي كل قانون أو لائحه أو أمر أو منشور مخالف له .

ويعتبر هذا التشريع حدا فاصلا بين ماضي قوانين المطبوعات في مصر ، وهو ماض غامض اعان على فهمة وهضمه الوثائق المختلفة التى ترجمت حديثا عن اللغات التركية والفرنجية إلي اللغة العربية ولم تذع قبل نشرها في الثقافة ، وبين مستقبل سجلته التشريعات والاحكام واللوائح المتبابنة ، في وضوح حينا وفي النواء احيانا ، خلال حكم الاحتلال أو بعد ذلك في ظل الدستور المصري ، إلى أن تبين أمرها أخيرا في وضوح لم يستقم بعد امر التاريخ له .

اشترك في نشرتنا البريدية