الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 342الرجوع إلى "الثقافة"

من تجارب الحياة

Share

قليلون هم حقا أولئك الذين يستطيعون الوصول إلى مراسهم من أقرب طريق ! ولست أرجع هذه الظاهرة - فيما يبدو لى - لنقص فى التقدير أو ضعف فى العقل أكثر مما أرجعها لنقص فى التجربة والامتحان بالحياة .

فالحياة المحدودة الضيقة هى التى تولد فى النفس الإنسانية هذا العجز (( الصارخ )) عن مباشرة وظائفها فى المجتمع ، أكثر مما يولده الضعف العقلى أو الشذوذ فى التكوين الخلقى على التحقيق !

وإنى لأسترجع كل صباح . . باسما ، صورة أبى . . ذلك الرجل الذى سلخ جل حياته فى الريف - حين يقبل على خادمى الشيخ الأمين ، مقدما وجبة الإفطار ، وفى نفسه من الثورة على بأخلاق شباب هذا الجيل ما يطلق لسانه بمحاضرة - لا حد لطولها ! - فى تحذيرى من الانتكاس والجنوح إلى الطريق غير المستقيم !

ولست أرى فارقا البتة بين هذه الصورة ، وصورة أبى - وهو جالس فى وقار واتزان - يحدثنى فى لهجة جدية مؤثرة عن وجوب مغالبة الشهوات وانتهاج الطريق القويم !

وإنى لأتساءل الساعة . . أكان أبى أقل فشلا من خادمى هذا الشيخ الأمين ، الذي يتطوع - بدافع من إخلاص فطر عليه - بالقاء مثل هذه المواعظ على كل صباح ؟ ! . إنى لأكاد أقطع بأن أبى العزيز لم يكن إلا مثل هذا الخادم الشيخ الظريف . !

كنت فى تلك الفترة من حياتى أجوز طور المراهقة . وكنت - كما هى حال الصبية فى هذه الرحلة من أعمارهم - شديد القلق دائما . . كثير الحركات الطائشة . . لا أستقر

على حال . . منصرفا عن الدرس . . كثير المشاكسة لفتاة كانت تزور أختى صبيحة كل أحد ، رغم أنها كانت تكبرنى سنا . . وعقلا فيما أحسب !

وكان أبى يرتاع لسلوكى هذا المسلك الشائن مع الفتاة ، وكان يسر إلى أصدقائه المقربين أن هذا الطفل - يعني أنا - لا ترجى منه فائدة ، وأن من الواجب ( حرصا على مستقبله ! ) أن يؤخذ بالشدة والتضييق ! وكان أصدقاؤه - سامحهم الله ! - كثيرا ما يؤمنون على هذه الأقوال !

. . . وهكذا كان أبى يلاحقني دائما بمواعظ النصح والإرشاد ، غير عالم أن هذا الأسلوب ليس مما يليق فى التوجيه ، لاسيما فى هذا الدور الخطير من حياة الإنسان !

. . . ولو كان أبى على قسط من التعليم ، أو كان على حظ قليل من الخبرة والتجريب ، لكان كف عن هذا الأسلوب البغيض . . ولكان - على التحقيق ! - خلانى وسبيلي مع هذى الفتاة ، كيما أتجاوب بهذا الائتلاف الجميل مع عناصر الطبيعة الجميلة المؤتلفة ! !

. . ولكن أبى - غفر الله له - ظن بى سوءا ، أو لعله قد ظن بى شذوذا ، إذا تجاسرت - أنا الطرى العود ، الغض الإهاب ! - على مغازلة الفتيات ! ولو علم أننى إنما كنت ألبى نداء فطرتى الأصيلة ، واتمشى وجبلتى الآدمية ، لكان هلل فرحا لأننى صىي (( رائع التكوين )) ! !

وإنى لعلى يقين بأن إخفاقى البالغ فى الدرس والتحصيل فى حياتى الجامعية بباريس ، إنما كان مرده إلى هذا الكبت الفظيع الذى ظللت أعانيه طوال هذى السنين !

عن الفرنسية بتصرف

اشترك في نشرتنا البريدية