الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153 الرجوع إلى "الثقافة"

من حديث الشعر

Share

للأستاذ أحمد الزين

مجلس ينتظم كل ليلة جمعة فى دار لجنة التأليف ، يعد بحق من أغنى مجالس القاهرة وأثراها برجال العلم والأدب ، وأساطين الاجتماع والسياسة ، وقادة الفكر والمعرفة .

ولست أغلو إن زعمت صادقا أنه قلما انتظم مجلس فى هذا البلد ما انتظم هذا المجلس من هؤلاء الصفوة الأفذاذ ؛ ففى مصر أفذاذ ، ولكن لا تعرف لهم مجالس تنتظمهم ، وفيها مجالس ، ولكن لا يعرف أنها تنتظم أفذاذا .

وفوق ذلك فهو من أزخر هذه المجتمعات وأوفرها حظا من المناقشات المفيدة ، والآراء السديدة ، وما يتناوبه الأصدقاء فيه من الأحاديث القديمة والجديدة التى تلقح الأذهان العقيمة ، وتفتح سبل المعرفة لذوى البصائر المحجوبة ؛ فاذا شهدت هذا الحفل وكنت قد وهبك الله حسن استماع وتتبع لما يقال ، وقوة وعى واستذكار_ لما تسمع ، ودقة فهم لما تعى ، وجودة هضم لما تفهم ، ولطف اختيار مما يجتمع لديك من ذلك ، ثم وهبت إلى ذلك ثروة من البيان ، وسعة فى العبارة عما تريد تأديته إلى الناس من تلك الأحاديث ، وبراعة فى تنسيق ما وعيت من تلك الآفكار والآراء ، استطعت أن تخرج من ذلك للناس فى كل أسبوع رسالة ممتعة غاية الإمتاع ، ثرية بشتى الأحاديث والآراء فى مختلف العلوم والفنون ، ثم استطعت بعد عدة أعوام أن تجمع من تلك الرسائل دائرة معارف ضخمة ، جامعة لأكثر ما يهم العلماء والباحثين ، ممثلة أصدق تمثيل أكثر مناحى التفكير الأدبى المصرى فى عصرنا الحاضر ، مرتبة حسب الليالى

التى جرت فيها تلك الأحاديث ترتيب أبى حيان التوحيدى فى كتابه ( الامتاع والمؤانسة ).

ولعلك تكون قد رأيت بعض تلك الصور الرائعة التى افتنت فى إحكامها وإبداعها براعة الأستاذ الكبير والكاتب القدير الأستاذ أحمد امين بك ، فقد لخص للقراء سلسلة من تلك الاحاديث التى دارت فى هذا المجلس وأودع فيها من دقة تصويره ما زاد القراء شوقا وتطلعا إلى المزيد منها .

وهأنذا بعد استئذانه أسوق إلى القراء حديثا جرى فى الشعر والشعراء فى ذلك المجلس ، أثاره عالم فاضل معروف بصدق نظره ، وعمق تفكيره ، وسعة ثقافته ، ومشاركة فى الفن كبيرة ، لولا أن ضبابة خفيفة من عواطفه تعترض فى جو حديثه فتحول بين الناظر وبين شعاع فكره الثاقب ؛ وأصدقاؤه الذين يعرفون ذلك عنه يجتهدون فى تنحية تلك الضبابة ما استطاعوا ، أو يصعدون بأفهامهم فوقها ، ويستجلون شعاع فكره الباهر مجردا عما يحجبه .

ذكر هذا العالم الفاضل لورد بيرون الشاعرى الانجليزى المعروف ، وحكى طرفا من مساويه ونقائصه وقلة اكتراثه بأوضاع المجتمع وقيوده ، ثم عقب على ذلك بقوله : إن نقائص هذا الشاعر قد محت من نفسى كل ما لشعره من محاسن ، وصرفتنى عن المضى فى قراءته . ثم دفعته كراهيته لناحية من نواحى بيرون إلى الزراية على الشعر وأهله ، فوصف الشعر - بل وصمه - بأنه نمو سرطانى .

فقال الدكتور زكى بك : وما رأيك فى شكسبير ؟ فأثنى عليه وأطال فى الثناء حتى أفرط . فقال زكى بك : هأنت تناقض نفسك فى وصفك الشعر بما سبق .      فقال الأستاذ أحمد أمين بك : إن ذلك ليس مما يقتضيه العدل ، بل العدل أن ينظر إلى مواهب المرء

ومثاليه كل منهما على حدة ، فأينهما كانت الراجحة عومل المرء بمقتضاها ، وليس من الانصاف فى شئ أن تغطى مثالب المرء مواهبه ، وما يدرينا ؟ لعل وجود بعض المثالب يكون سببا فى وجود بعض المواهب ونموها ؛ وضرب مثلا لذلك بشارا وأبا نواس ومسلم بن الوليد وغيرهم من الشعراء ؟ قال ذلك وشرحه شرحا مسهبا فى أسلوب ساحر ، وصوت عذب ، ومنطق سليم .

فقال أستاذ آخر من المجلس لا يقل عن صاحبه العاطفى دقة نظر وعمق تفكير وسعة ثقافة وغزارة مادة ، لولا ما يمزج به حديثه من دعابة ظريفة تحسن إلى تفكيره أحيانا فتوضحه وتجعله مقبولا ، وتسئ إليه حينا فتصرفه عن اتجاهه الصحيح أو تصرف سامعيه عن فهمه ؛ قال : إن الشعر من الفنون الكمالية التى تعد من ترف الحياة ، ولا يلجأ إليه إلا كل لاء أو عابث قد تعطل ، وفرغ من جميع شواغل الحياة كما فرغت منه ، إما بتحقق جميع ما يأمل من نعيم وغبطة ، وإما باليأس والاستراحة إلى بأسه ؛ أين هذا الفن من صنع الدبابات والطائرات والسفن الحربية ، وما إلى ذلك من الأمور التى تحفظ للأمة عزها وشرفها ؟ قال ذلك فى لهجة خطابية بارعة ، يلجأ إليها من فاته التأثير بآرائه ، فيستعين على ذلك بإلقائه . ولم يكد يفرغ الأستاذ من دعواه تلك حتى حميت المناقشة ، واشتد الجدل بين الجلساء .

وقال الدكتور زكى بك - وهو كنز ضخم قد ملئ بذخائر المواهب النفيسة التى يستغرق إجمالها للقارئ فصلا طويل الذيول ، بله تفصيلها .

قال : إذا كان الشعر ترجمة عن الشعور الذى هو من القوى الأساسية فى الانسان ، فكيف يعتبر من ترف الحياة ، ويعد المجيد لهذه الترجمة لاعبا عابثا ؟ هذا حيف ؛ وأما قولك : إن الشعر لا يلجأ إليه إلا من فرغت أوقاته من شواغل الحياة ، فكل علم ، بل كل عمل يحتاج إتقانه

وإجادته إلى مثل هذا الفراغ والخلو من شواغل الحياة ، وليس الشعر وحده هو المحتاج إلى ذلك الفراغ .

وأما مقارنة الشعر وغيره من الفنون بصنع الدبابات والطيارات وما إليهما ؛ فذلك شاهد للشعر لا عليه ، فانه لم يدفع الدول إلى الإ كثار من هذه الصناعات والأفتنان فى أنواعها غير عواطف وطنية ، وأحاسيس قومية ، أو عقائد قد اقتنع أصحابها بصلاحيتها ، وأرادوا نشرها أو الدفاع عنها ، وهذه بلا شك من أسمى معانى الشعر ، لرجوعها كلها إلى الشعور والعاطفة .

قال ذلك فى بيان مشرق ولسان طلق ومنطق ذلق . والدكتور زكى بك يحسن الاستماع لمن يناظره ، ما رأيته مرة عاجل مناظره دون إتمام حديثه ، أو حال بينه وبين توضيح ما يريد ، بل ينصت إليه إنصات متيقظ إلى جميع مواضع الضعف فى حديثه ، حتى إذا فرغ نفذ إليه من تلك المواضع ، فلا يرجع حتى يرى حجج خصمه صرعى فى ميدان المناظرة .

فقال الأستاذ أحمد أمين بك : إن فى المرء قوى ثلاثا : قوة العقل ، والمخ موضعها ، وقوة الشعور ، وهى التى يرمى إليها بالقلب ، وقوة الارادة ، وموضعها الجوارح ؛ فمتى غلبت على امرئ إحدى هذه القوى وسم بها ، ونعت بنعوتها ؛ وعلى هذا فالشاعر قد غلبت عليه قوة الشعور فصار بها شاعرا .

وأقول تكميلا لكلام الأستاذ أحمد أمين بك : إنه قد تتداخل إحدى القوتين الأوليين فى الأخرى كما نرى فى شعر الحكمة ونحوه ، فانه مزيج من قوة العقل والشعور معا .

وإلى هنا انقطع الحديث فى الشعر والشعراء ، وانتهى بتسليم المخالفين ، والسلام الدائم بين الجالسين ؛  وكانت ليلة ، وكان مجلس ، وكان حديث .

اشترك في نشرتنا البريدية