من هذه النظم الجديدة المحدثة فى مصر ، والتى جاءت بها هذه الحرب القائمة فكانت من النظم التى تريح الناس وتسهل عليهم قضاء حوائجهم المعاشية : نظام البطاقات والتسعيرة الجبرية
" والتسعيرة الجبرية " كما حددها الأمر العسكرى الذى صدر فى السنة الماضية بتطبيقها فى معاملات البيع والشراء ، وكما فهمها الناس ورأوها بعد ذلك في معاملاتهم تلك ، هى أن يجعل الحاكم " الحكومة " سعرا خاصا لكل سلعة ولكل مبيع يعرف مقداره بوزنه أو بقياسه أو بعدده أو بما يمكن أن يضبط به
وقد وجدت هذا النظام بنفسه مما كان يجرى به أمر الحاكم فى بلاد الأندلس على حكم المسلمين لها . فهو ليس من بدع هذه الحضارة الجديدة ولا من فنون أوربا ، فقد سبقتها به الحضارة الإسلامية منذ دهر طويل . وهذه الفقرة التى أنقلها عن كتاب "نفح الطيب" (١) فيها تفصيل ذلك :
وأما خطة الاحتساب فإنها عندهم موضوعة في أهل العلم والفطن وكان صاحبها قاض ؛ والعادة فيه أن يمشي بنفسه راكبا على الاسواق وأعوانه معه وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان ، لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان : للربع من الدرهم رغيف على وزن سلوم وكذلك للثمن ، وفي ذلك من المصلحة أن يرسل المبتاع الصبى الصغير أو الجارية الرعناء فيستويان فيما يأتيان به من السوق مع الحاذق في معرفة الأوزان ، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره ، ولا يجسر الجزار أن يبيع بأكثر أو دون ما حد له المحتسب في الورقة ، ولا تكاد تخفى خيانته ، فإن المحتسب يدس عليه صبيا أو جارية يبتاع أحدهما منه ثم يختبر الوزن المحتسب ؛ فإن وجد نقصا قاس على ذلك حاله مع الناس فلا تسأل عما يتلقي
وإن كثر ذلك منه ولم يثب بعد الضرب والتجريس (1) فى الأسواق نفي من البلد
ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما تتدارس أحكام الفقه لأنها عندهم تدخل في جميع المبتاعات وتتفرع إلى ما يطول ذكره"
فهذه الفقرة التى كتبها المقري عن نظام الاحتساب في الأندلس تدلنا على أن المسلمين فيها كان من نظم حضارتهم هذا الذى اصطلحنا على تسميته ( التسعيرة الجبرية) وأنهم كانوا يعاقبون من يطفف الناس أو يزيد عليهم سعر ما يبتاعون . وكان من عقوباتهم في ذلك التجريس ؛ وهو عقوبة مؤذية ضارة يفقد بها التاجر شرطه الأول للنجاح والربح وهو طيب السمعة . وأنهم وصلوا في أعقاب المطففين والطامين إلى عقوبة النفي
وكان صاحب الاحتساب - كما رأينا - يمشى بنفسه راكبا على الأسواق وأعوانه معه وميزانه
أما أن هذا النظام كان العمل به مقصورا على الخبز واللحم كما يفهم من نفح الطيب فذلك أن الخبز واللحم كانا لذلك العهد قوام الحياة العامة ومطلب الضرورة المعاشية للناس يشترك فيها الفقير والموسر . ولم تكن ضرورات الحياة ومطالب العيش بمثل ما نعرف في حضاراتنا الراهنة من السعة والكثرة ...
أو أن المقرى ذكر الخبز واللحم مثالا لما كان يقوم عليه نظام الاحتساب في الاندلس فهو يريد بذكرهما التمثيل ولا يريد الحصر والتقصي .

