الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370الرجوع إلى "الثقافة"

من خدمات العلم للانسان, فى تصميم السفن (١)

Share

لكي بنجح المهندس المعماري البحري في تصميم السفن لا بد له من استخدام كل فرع من فروع العلم :

فالعلوم الميكانيكية تستخدم في تصميم المحرك والغلابة ليؤديا عملهما كما ينبغي ، وكذلك في تصميم الهيكل أو البدن حيث يكون الهدف الجمع بين منتهي الخفة ومنتهي المتانة

والعلوم الطبيعية تستخدم في تصميم آلات الملاحة ، كجهاز صوت الصدي ، واجهزة معرفة الاتجاه باللاسلكي ،

وكذلك أجهزة التبريد أو تكييف الهواء في عنابر السفينة ، وهذا التكييف وذلك التبريد مكانا في العصر الحديث من نقل اللحوم عبر البحور وكذلك من نقل الفواكه سهلة العطب كالموز مثلا .

والعلوم الكيماوية تستخدم في استنباط الوسائل التي تتبع لتقليل حدوث التآكل وغيره من الفساد في قاع السفينة ، تلك الوسائل التي تزيد في عمرها وتحول دون هبوط سرعتها هبوطاً ذا بال

والعلوم الطبية نفسها يلجأ إليها عند وضع تصميم السفن المستخدمة كمستشفيات ، وتصميم مواضع عزل المرضي في سفن نقل الركاب وفي السفن الحربية .

والعلوم الرياضية تستخدم بطبيعة الحال علي نطاق واسع لإجراء الحسابات المتصلة بإتزان السفن ومتانتها

ومقاومتها ( أو مقاومة المياه لحركتها) ، وبعض هذه الحسابات معقد إلي أقصى حد .

وعلم الاقتصاد يلعب دوره في دراسة الطرق التجارية وما يكتنفها من ظروف خاصة مما له اعظم الأثر في تصميم السفينة وتحديد أبعادها

وهكذا نري أن كل فرع من فروع العلوم يجب ان يساهم في معاونتنا على الوصول إلي التصميم الكامل لسفينة المستقبل الناجحة

والأغراض التي تبنى من أجلها السفن هي من الكثرة والتباين بحيث يكون لكل نوع منها صعوباته الخاصة ومسائله بالذات التي تتطلب الحل ؛ ونظرة سطحية عاجلة إلى عدد قليل منها تبين ، على ما اعتقد ، كيف يستخدم العلم لحل هذه المسائل والتغلب على تلك الصعوبات :

فالسفن الحربية قد يكون من واجبها ان تحمل المدافع الكبيرة الثقيلة مسافات طويلة بسرع عظيمة ، وان تعمل في اسطول متراص ، وان تكون قادرة على القيام بالهجوم ليلا أو نهارا في جميع الأجواء ، هذا عدا ما يطلب منها فوق ذلك من حماية نفسها ضد مختلف الأعمال العدائية المسؤبة نحوها ، كالقنابل والطربيدات والألغام ونيران الدافع

ولتحقيق ذلك كله تحتاج هذه السفن إلى حشد متبابن من آلات غاية في الدقة بتطلب تصميمها من المهارة العلمية الفائقة ما يبهر ويذهل

والغواصات وحاملات الطائرات لم تصبح سفناً عملية إلا بعد أن اجريت بحوث علمية كثيرة على تصميماتها ، كما ان كاسحات الألغام لم يستفد الإنسان منها إلا بعد جهد علمي كبير ، أعلان على الوصول بها إلي تلك الدرجة من النجاح

أما فيما يتعلق بالملاحة التجارية فان العلوم تعمل على

ان تضمن للراكب وسائل الراحة ، بأن تهيئ له درجة حرارة معتدلة في مسكنه الصغير بالسفينة (اي في الكبين) ( الذي يتحتم أيضا أن يخلص من الروائح الكريهة ومن الأصوات البغيضة . ثم إن هذه الكبينات تفرش بما يتفق مع ابسط حاجيات الراكب ، ومع الذوق الفني السليم كما تعمل العلوم جاهدة على أن توفر له مع ذلك كله أكبر قدر ممكن من الخبز .

بل إن ذلك القارب الأفقي القاع والمكعب الشكل تقريبا والذي يستخدم لنقل البضائع احيانا وللسكن احيانا أخري ( كدهبية ) ، ويتنقل فى مجاري المياه الصغيرة وتجره الجياد احيانا وهي على الطريق الجانبي ، هذا القارب كان موضع دراسة وتجربة وبحث علمي دقيق في إنجلترا زمنا طويلا ، وهي تجارب صارت تاريخية معروفة . وحتي إلي يومنا هذا لا يزال العلم يوحي بتعديلات في أشكال تلك القوارب كان من أثرها تقليل مقدار المقاومة التي تلقاها في سيرها في الماء ، بنحو ٤٠ % بغير ادني تضحية في الحيز المخصص لحمل البضائع ، وبغير أدنى مضاعفة في نفقات الصنع

بل إن اليختات ومراكب السياق قد استفادت هي الاخري في تصميمها واختبارها من البحث العلمي الذي يجري علي نماذج لها تسير في احواض تجريبية خاصة . وكانت الفائدة عظيمة حقا من حيث تقليل المقاومة ، وتخفيف الوزن ، وزيادة المتانة

ولكي نوضح كيف يسخر العلم الحديث لتصميم السفن نضرب مثلا صغيرا نسبياً يتصل بهذا التصميم لكنه على صغره عظيم الأهمية ، الا وهو العمل على إيجاد احسن شكل وأفضله للبدن أو للسطح الخارجي لكل نوع من أنواع السفن بحيث يتفق مع الغرض الذي انشى هذا النوع من أجله .

هنا يجب أن نلقي بالا لكل من الأمور الآتية : تكاليف الصنع ، وضمان الأمن ، وتوفير السعة ، وسهولة الإنشاء ، ومختلف الأبعاد اللازمة ، والتسهيلات الضرورية في مختلف المواني التي في الطريق ، كالرسو عند الارصفة وما إليه ، إلي غير ذلك من الأمور التي لا بد من مراعاتها

فيجب أن يكون الهدف إنقاص المقاومة حتى تقل كمية الوقود المستهلك ، ويتم هذا طبقا لقواعد علم الإيدروديناميكا ) أي الحركة في السوائل او بالأصح الموانع ( وإذ كانت القواعد والنظريات في هذه الناحية لا تسعفنا ، لتخلف العلم من الناحية النظرية ، فإنا نلجأ إلي التجارب نجريها على النماذج التي نصنعها لكل شكل يراد تجربته . وبهذه التجارب نتغلب على العقبات العلمية ونتخطى ما في معلوماتنا النظرية من ثغرات لم يقو العلم النظري بعد على سدها

وتجري هذه التجارب في احواض تجريبية منشأة لهذا الغرض تشبه حمامات السياحة الفسيحة التي في اتساع الشارع الكبير عرضا ، وتصل في الطول إلي نحو ٢٠٠ ياردة ، وفي العمق إلي ما بين ١٦،١٠ قدما ؟ كما تنشأ أيضا نماذج مصغرة لفتحات قليلة العمق تمثل مصاب بعض الانهار الكبيرة ، وكذلك الطرق المائية التى فتحها الانسان كقنال السويس ، لتدرس فيها المسائل العويصة التي من نوع تسيير السفن في حيز محدود من المياه .

وهناك قنطرة ( أو كبري ) كبيرة من الصلب تزن عدة اطنان وتعبر الحوض ، ويمكن تحريكها بسرع عظيمة في اتجاه طول الحوض على قضبان أفقية مثبتة على جدرانه . وتستخدم هذه القنطرة كعربة تجر النماذج في الماء وتحمل الشخص القائم بالتجربة ومعه أجهزة القياس اللازمة له .

أما نموذج البدن او الشكل الخارجي فيصنع عادة من

الشمع الذي يصب في قوالب من الصبي ويتحدد شكله بالدقة بواسطة آلة مصنوعة لهذا الغرض بتصميم خاص ، فهي تكشط من الشمع القدر المناسب حتى يأخذ البدن الشكل المطلوب . والجهاز يقوم بهذا الكشط ) أو قطع الشمع ( حالنا يكون القائم بالعملية يمر على الخطوط المحددة لهذا الشكل في الرسم واحدا بعد واحد . أي أن العملية ميكانيكية تتم بصفة آلية

وهذه النماذج الشمعية ليست بالصغيرة البسيطة فإن طولها بتراوح بين ٢٠،١٦ قدما ، ووزنها بين 3/4  1  1/2 طن ، وقد يصل في بعض الحالات الخاصة إلى أربعة أو خمسة أطنان حينما تكون كاملة الشحنة أو الحمولة . وقد يحدث في بعض الاحيان ان يستدعي الامر نزول الرجال إلي النموذج للقيام بعمل خاص ، وقد بلغ عدد من نزل منهم في النموذج في ظرف من الظروف ثلاثة أشخاص .

وحين يتم صنع النموذج يسحب في ماء الحوض بسرع مختلفة ويقاس مقدار مقاومة الماء لحركته فيه ، وتؤخذ صور فوتوغرافية للأمواج الحادثة ، لتكون هذه الصور محلى دراسة خاصة . وبهذا كله يستطيع المهندس المعماري البحري ان يحسب حساب الوقود المستهلك وبتأكد من مطابقته للقواعد الاقتصادية ؛ فإذا لم يجده مطبقا عليها أخذ يستخدم خبريه ويستغل سابق تعليمه في اقتراح التعديلات والتغيرات في هذا البدن أو الشكل الخارجي التي من شأنها تحقيق الاقتصاد المطلوب ، وسرعان ما تنفد هذه الاقتراحات على الورق وتغير الآلة للشكل الخارجي للنموذج الشمعي طبقا للاقتراح الجديد ، وتعاد التجربة ثانية وثالثة الخ حتى يتحقق الغرض المنشود

بعد ذلك يعمل تصميم المروحة التي يدفع السفينة في الماء ويركب نموذج لها على نموذج البدن ، وتجري التجارب الاخري اللازمة لحساب القدرة الحصانية المنتفع بها في

مختلف السرع ومختلف عدد لغات الحرك الخ . وفي السنوات الخمس عشرة الأخيرة أدت أمثال هذه التجارب إلي إنقاص الوقود المستهلك ( وبالتالي إنقاص تكاليفه ) ٢٠ % وتوفرت منه مئات الألاف من الاطنان كان العالم في أشد الحاجة إليها .

هذا وتثار في مياه الحوض امواح صناعية بواسطة جهاز خاص حتى تجري التجارب علي المياء الثائرة كما يحدث في الطبيعة بالفعل . وتوضع على النموذج أجهزة خاصة لتسجيل الجناب الحركات كالتموج ( ارتفاع مقدم السفينة وانخفاضه بفعل الأمواج ) . كل ذلك بقصد الوصول إلي إتزان السفينة وإنقاص الحركات التي تضايق الركاب وتمنعهم من الاستمتاع بالرحلة كما ينبغي .

وعلاوة على هذه الأحواض التجريبية الكبيرة تستخدم انفاق مائية ينساب فيها الماء بالسرع التى نريدها وتحت الضغط الذي نشاؤه لدراسة المسائل المتصلة بتسيير الغواصات والمدمرات وما إليها . وهذه الانفاق المائية تشبه الانفاق الهوائية المستخدمة في دراسة مسائل الطيران والتي فيها يمر تيار الهواء السريع على أنموذج  الجناح أو الطائرة ويكون لذلك نفس الأثر الذي لمرور هذه في الهواء بنفس السرعة . وميزة هذه الطريقة أننا نسيطر على السرع ونتمكن من ضبط المقاسات إلي غير ذلك من المزايا التى لا يمكن شرحها هنا .

ويحدث أحيانا أن تتغير الأحوال الاقتصادية تغيرات سريعة كما يحدث في أوقات الكساد اوقات الرواج في التجارة العالمية . وعند ذاك تصبح السفن التجارية التي كانت إلي وقت قريب تؤدي وظيفتها على اكمل وجه - تصبح فجأة غير صالحة من الناحية الاقتصادية ولا سيما من حيث أبعادها وسعتها المخصصة للبضاعة ؛ فاذا أريد لها أن تتلائم مع الظروف الجديدة فلا مناص من إجراء عملية جراحية

تشق في خلالها السفينة نصفين ويضاف إليها أو يقتطع منها أجزاء كاملة . فإذا استدعي الأمر إجراء شئ من هذا فلا يد من إجرائه طبقا للقواعد العلمية الدقيقة ، وقد يقتضي الحال إجراء تجارب جديدة لهذا الغرض بالذات على نموذج السفينة المراد إجراء هذه العملية الجراحية لها . وكثيرا ما تتطلب أمثال هذه التجارب من القائمين بها تحمل الشاق وركوب الصعاب بل التعرض للأخطار .

وهكذا ظل تصميم السفن قروناً عديدة فناً من الفنون يتوقف النجاح فيه على مهارة المهندس العماري البحري والصناع المشتغلين تحت إشرافه ؟ ويتقدم الحضارة والعلوم استحال هذا الفن بالتدريج  إلي علم من تلك العلوم ، وسيطرد تقدمه ويزداد تبعاً لذلك تحسين تصميم السفن ما دام العالم محافظا على تشجيع البحث العلمي

وبعد فهل بذل كل تلك الجهود والنفقات والوقت الثمين في الحصول على تصميم علمى جيد لحاملة بضائع امر ضروري حقا ؟ لقد علمتنا تجارب الحرب اننا حين تقتصر على مجرد الضروريات اللازمة لحفظ الحياة فإن الحضارة تضمحل وترتد إلي الوراء ؟ فليس من المغالاة ان نقول إن تقدم الحضارة واطراد سير الدنيا بتوقف قبل كل شئ على توافر الكماليات التي تزدان بها الحياة كالفنون في جميع صورها والأشياء التي تسر الحواس الخمس كالفواكه والزهور والروائح العطرية وكالشاي والسكر والنوابل وكالمطاط الخ ، كل هذه يجب أن تصير في متناول الجميع .

ونحن نعرف أن النقل الجوي سيظل غالي التكاليف وإنما ، ولذا كان كل عمل من شأنه إنقاص تكاليف النقل البحري وتسهيل هذا النقل خدمة المدنية ولتقدمها ، ومن ثم يكون لكل هذا الكلام الذي من أهمية عظمي في الحياة العملية وفي التقدم الإنساني .

اشترك في نشرتنا البريدية