الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 602الرجوع إلى "الثقافة"

من خواطر رمضان

Share

أرقت ليلة بعد تناول السحور ، فحاولت أن أبدد هذا الأرق ، أو - بالأحرى - أن أستفيد منه ، فعمدت إلى الأعداد الأخيرة من مجلة الثقافة ؛ فاسترعى  تفكيرى مقال نشر بالعدد ٥٩٧ الصادر فى التاسع عشر من شهر شعبان الماضى للأستاذ الكبير الدكتور أحمد أمين بك تحت عنوان " خواطر " , وقد رقم سعادته للمقال برقم " ١ " مما يتوقع منه تسلسل تلك الخواطر التى لا ساحل " لفيضها ". ذكر فيه ما قد يوحيه منظر شخص إلى آخر من النفور والكره ، أو يبعث فى نفسه من العطف والحب دون أن تبرر المظاهر ما يبعث فى النفس النفور أو العطف . بل وقد تدعو تلك المظاهر - حسب ما اصطلح عليه عند رجال الفن وعلماء المجال - إلى عكس ما يحس به إنسان نحو آخر ، وإنه يعلل ما يشعر به نحوه بخفة أو ثقل روح هذا الآخر . واختتم سعادته مقاله الشائق بالتساؤل عما إذا كان عند حضرات السادة علماء النفس المتخصصين فيها والمتبحرين فى دراستها ما يذهب بهذه الحيرة ويكشف هذا الغموض .

وإنى وإن لم أكن من المتبحرين فى علم النفس ولا أدعى أن فى استطاعتى كشف ذلك الغموض ، لكنى أثناء تأملاتى فى " ساعات السحر " هذه ( بعد استئذان الزميل القديم العلامة الدكتور أحمد زكى بك ) رجعت بالذا كرة - أو هى التى رجعت بى - إلى خمسين عاما أو نزيد إلى مجلس كان يضم المرحوم والدى وثلة من أجلة علماء الدين الأقدمين - رحمهم الله ورحم زمانهم - سمعتهم يتباحثون فى معنى الحديث الشريف : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف , وما تناكر منها اختلف " .

فخطر لى الآن أن أرجع إلى كتب الحديث لمعرفة سنده والظروف التى روى فيها ، والمناسبة التى قيل من أجلها ، فألقيت أنه حديث متفق عليه ، رواه الشيخان فى اللآلئ , وكذلك رواه أبو داود عن أبى هريرة ، وقال البيهقى انه سأل الحاكم أبا عبد الله الحافظ عن معناه فقال : " المؤمن

أو الكافر لا يسكن قلبه إلا إلى شكله " ورواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة ، وكذلك فى صحيح البخارى عن سهيل ابن علقة عن عائشة - رضى الله عنها - أنها سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت امرأة مكية بطالة تضحك النساء وتغنى ، وكانت امرأة بالمدينة مثلها ، فقدمت المكية المدينة فلقيت المدنية فتعارفتا فدخلتا على عائشة فتعجبت من اتفاقهما . وسألت عائشة المكية : هل كنت عرفت هذه ؟ فقالت : لا ، ولكنا التقينا فتعارفنا ، فضحكت عائشة وقالت : سمعت رسول انه صلى الله عليه وسلم يقول : " الأرواح جنود " الحديث , وروى هذا الحديث بهذا النص كثير من الرواة مثل سلمان وابن عباس وابن عمر وعمر وعلى وأبو الفضل ، لكن ابن مسعود رواه بلفظ آخر وهو : " الأرواح جنود مجندة تلتقى فتتشام كما تشام الخيل !

فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف . فلو أن رجلا مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق وليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه ، ولو ان منافقا جاء إلى مجلس فيه مائة مؤمن وليس فيه إلا منافق لجاء حتى جلس إليه " وأخرجه الديلمى بلا سند عن معاذ مرفوعا بلفظ : " لو ان رجلا مؤمنا دخل مدينة فيها ألف منافق ومؤمن واحد لئم روحه روح ذلك المؤمن ، ولو أن رجلا منافقا دخل مدينة فيها ألف مؤمن ومنافق واحد لشئم وجه روح ذلك المنافق " . وجاء فى الحلية فى ترجمة أويس : لما اجتمع بهرم بن حيان العبدى ، ولم يكن لقيه ، وخاطبه أويس باسمه ، قال له هرم : " من أين عرفت اسمى واسم أبى ؟ فوالله ما رأيتك قط ولا رأيتنى " : قال : " عرفت روحى روحك حيث كلمت نفسى نفسك ، لأن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد ، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله ، وإن نأت بهم الدار وفرقت بينهم المنازل " .

وما أحسن ما قال الشهاب بن أسعد التنوخى فى هذا المعنى : إن القلوب لأجناد مجندة      قول الرسول فمن ذا فيه يختلف  فما تعارف منها فهو مؤتلف   وما تناكر منها فهو مختلف

وقال أحد الشعراء أيضا :   بينى وبينك فى المحبة نسبة     مستورة عن سر هذا العالم  نحن اللذان تعارفت أرواحنا     من قبل خلق الله طينة آدم  تفهم من كل هذا أن الأرواح تتناجى وتتنادى أو تتنافر وتتناكر . ولما كانت الأرواح هى المحركة للأجساد ، وقد خلقت الأرواح قبل الأجساد ، كما رجحته غالبية الشراح ، بل وادعى فيه ابن حزم الإجماع - فما تعارف منها فى عالم الأزل ، أى قبل خلق الأجساد - وقع بينها الائتلاف والانسجام بعد خلق الأجساد ، وما تناكر منها فى عالم الأزل حلت بينهما البغضاء والشقاق فى عالم الحس الذى نعيش فيه . أو لم يحدث لكل منا أن يدخل عليه شخص لأول مرة فترتفع بينه وبينه الكلفة ، ويشعر كل منهما نحو الآخر بعطف ، كما لو كان يعرف أحدهما الآخر منذ أمد بعيد ، كما يحدث عكس ذلك أن يعاشر المرء شخصا السنين الطويلة ويبقيا ، وكأن بينهما حجابا كثيفا ، أو ليس هذا من فعل تعكسه روح كل منهما مما وقع لها فى عالم الأزل .

هذا وما دمنا بصدد الحديث عن نتاجى الأرواح وتناديها - والحديث كما يقولون ذو شجون - فإنه يمر بالذهن خاطر آخر يدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت الأرواح المتآلفة لما بينها من التشابه فى الميول تتقمص أجساما متشابهة كذلك فى الملامح وقسمات الوجه وأعضاء الجسم حتى وفى خطوط الكف ، وعما إذا كنا نستخلص من ذلك أن الأشخاص المتشابهين فى الملامح وأعضاء الجسم يكونون متشابهين فى الصفات والطباع ، وبذلك يحدث بينهم الانسجام والاتفاق ، وأن الذين تختلف ملامحهم لا يحدث بينهم انسجام ولا وفاق . يؤكد ذلك علماء الفرس فى مخطوطاتهم وكتبهم فى علم الفراسة (physionomie) .

- ولا أدرى إذا كان لفظ " الفراسه " اشتق من الفرس لأنهم كانوا أول من درسوا هذا العلم - حتى لقد قالوا إذا أراد المرء أن يعرف حقيقة طباعه فلينظر فى المرأة ، فإذا وجد أن فيه بعض الملامح التى يغلب وجودها عند أحد " إخواننا " العجماوات (nos freres interieurs) , يحكم فى الحال بأن عنده من الصفات والطباع التى يمتاز بها ذلك " الأخ " من شجاعة وإقدام أو مكر ودهاء ، إلى غير ذلك من الصفات التى خص بها الله مخلوقاته المختلفة . وإنى

أعتقد أنه ليس هناك من بين قراء الثقافة الكرام من ينطبق عليهم قول شكسبير فى مسرحيته "As you like it " ( كما تريدها ) :  "..... If you hav'nt never seen an" " Go home and break looking glass ."

ما تعريبه مع بعض التصرف : إذا لم تكن قط رأيت ابن الأنان . فاعمد إلى مرآتك وحطمها بلا توان .

ولم يكن علماء الفرس وحدهم هم الذين قالوا بأن ملامح الشخص تنم على أخلاقه وطباعه ، فهنالك بعض علماء القانون الجنائى من التليان وعلى رأسهم لومبروزو Lombroso  وفيرى Ferri وجاروفالو  Garofalo الذين ميزوا من بين المجرمين من يولد مجرما بفطرته وطبيعته ، ووسموه بملامح همجية بدائية مميزة له تدل على الإجرام ؛ منها نتوء الجبهة وضخامة عظم الفك الأسفل وتدلى الأذنين كحلقة الباب ، وعدم تناسب الجمجة مع الوجه ، والقدرة على استعمال اليدين بقوة واحدة على السواء .

ويجرنا هذا الحاطر إلى خاطر آخر ( والخواطر هى الأخرى كالأفكار وكالمعانى تتداعى وتتجاوب ) وهو أنه يحدث لنا أن يمر بذهننا شخص أو نتكلم عن شخص معين فنراه يحضر على الفور فيقول العامة : " افتكرنا القط جه ينط " ونقول بالفصحى : " ما كاد يمر بالخاطر حتى رآه الناظر " . ويقول الفرنسيون :

"Quand on parle du loup on en voit la queue" ومعناه حرفيا : ( عندما يتكلم المرء عن الذئب يرى ذنبه ) . ويقول الإنجليز : Talk of the devil and he is sure to appear

وترجمته الحرفية : ( إذا تكلمت عن العفريت فمن المؤكد أنه يظهر لك ) أو ما يقرب من هذا المعنى على لسان العامة : ( اللى يخاف من العفريت يطلع له ) . إخالنى قد أثقلت كثيرا على القارئ الكريم بهذا الخبط الأعشى والخلط بين الجد وشبه الهزل ، ولكن معذرة . فهذا من تخاريج الصيام وعمل ذلك الشهر الكريم الذى تكثر فيه " السلطات اللاعلمية " واللاصحية والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية