ارخى الليل سدوله على القرية ، واغرقها في ظلام دامس ، وجعلها ترزح تحت عبء ثقيل ، وهي التى اصبحت تخشى قدومه ، وتشكو هجومه ، وتضيق به ذرعا .
فهذا منع الجولان قد فرض منذ اسبوع ، وهذه حالة الطوارىء قد اعلنت على كامل الجهة ، وهؤلاء السكان قد صاروا تحت رحمة الجند يفعلون بهم ما يشاءون ، ويفرضون عليهم ما يشتهون ، فلا مانع لهم منهم ، ولا راد لامرهم . فهم يذهبون الى حقولهم وقد مضى شطر من النهار ، ويعودون منها ولما تأذن الشمس بالغروب ، فلا يستطيعون ان يمضوا سهرتهم باسواق القرية كما كانوا يفعلون ، ولا يجدون من الوقت ما يقضون فيه حاجاتهم كما كانوا يصنعون وهم الذين تعودوا ان ينطلقوا ، كبارا وصغارا ، رجالا ونساء ، فى ازقة القرية كلما اقبل الليل ، يأنسون بالحديث ، ويجنحون الى اللهو بقلوب عطشى الى المرح ، راضية عن عمل النهار كانما هم يوهمون انفسهم بانهم فى عيش هنئ ، ولبب رخي .
ان ذلك الانطلاق ، وذلك اللهو قد زال كله فهم كلما اقتربت الساعة يلوذون بديارهم . ويأوون اليها مكرهين ، فيقبعون فيها الى مطلع الشمس ، والويل لمن نسى الوقت ، او تناسي ، او تاخرت به رجلاه . فهم يذكرون جدا كيف ان حمدون الاعمى بائع الحوت قد لقى حتفه بعد الوقت بقليل وإذ هو يتلمس ويتحسس طريقه الى الدار ، وهم يعلمون ان ذلك مصير كل من خالف الامر ، او تريث ولو قليلا ، فالجنود لا يغفرون الذنب ولا يرحمون .
ما اطول الليل على نفوسهم ، وما اشد وطأته على قلوبهم ، انه اللوعة الخرساء تسطو على النفوس ، وتستبد بالمشاعر ؛ وانه الكبت يجهد الى الانفجار . وما اطولها هذه من ليلة ، وما اعظم هولها . فان الريح قد هبت فيها ، ثائرة ،
مجنونة ، مولولة ، مذعذعة للاشجار ، مصفرة فى ثقب الابواب ، تكاد تذهب بالديار ، وان الظلام قد جثم كالكابوس على صدر القرية واشتدت وحشته ، وان النجوم قد غارت فى قرارة السماء وان البرد القارس " يعقد رأس الكلب بالذنب " . فكأنما الكون فى مخاض . . او كأنما الكون الى فناء .
لم يكن شئ يسمع غير صدى اقدام الحرس وهو يمرون في الطريق ، أو قهقهة جندى عربيد قد لعبت الخمر برأسه فأرسلها كاللعنة فى وجه الانسانية أو نداء مغتلم : " فاطمة ... فاطمة " ؟ ؟ ولم يكن شئ يرى غير ذلك النور الضئيل ، المختنق الذى عتا عليه الهواء فبدا مرتعشا كخفقات قلب كسير ، من فرجة باب في آخر القرية ،
انه كوخ حقير ، صغير ، قد صمد فى وجه الايام والعواصف ، وانه قد ضم فى هذه الليلة صالحا ، ثائر الجهة وجمعا من اصحابه . لقد كانوا ستة او سبعة ولقد كان بينهم عبد المؤمن ، معلم القرية الذى احبوه واسترسلوا اليه ، لانه احبهم من اعماقه واسترسل اليهم .
قال صالح وقد ارتسم الجد على محياه : " لابد ان تصل هذان الحقيتان الى العاصمة فى هذه الليلة . ان اخواننا هناك ينتظرون هذه المسدسات وهذه الذخيرة الحربية منذ ايام ، وانهم فى اشد الحاجة اليها - فلا مجال الى الابطاء ، ولا سبيل الى التردد "
قال عبد المؤمن : " أو يتهيأ لنا ذلك والقرية محاصرة والجنود منبثون فى الشوارع ، ومنع الجولان مفروض ! اني اخاف ان ينقلب اندفاعنا وبالا علينا ، فلتعمل الفكر يا اخي ، ولتسلك جانب الحذر والحيطة فيما تعتزم وتقرر "
قال صالح : " لقد فكرت فى ذلك واطلت الفكرة ، وانه لابد من ركوب الاخطار ، واقتحام المشاق ، والركون الى الحيلة مع التدرع بالصبر والحزم فى هذه الظروف ، لقد اعلمت الحاج عمر بالامر ، وطلبت منه ان يترصدنا بسارته وراء الجبل بعد منتصف الليل بقليل ، فهناك طريق قفر ، وعر المسلك ، لا ينتبه اليه الجند لبعده عن القرية ، ان بيننا وبينم دلجة راكب ، واننا سندلج اليه بعد حين . قلتشط يا عبد المؤمن ، فانه سيعهد اليك بتأدية الامانة فى هذه المرة ، ان فى زيك
الافرنجي لعونا لك على النجاح ، وان في لسانك الفرنسى لضامنا على الخروج من الورطة . وما اظنني الا وفقت فى اختيارك يا عبد المؤمن ، فثقتنا بك كبيرة وتقديرنا لك عظيم !"
قال عبد المؤمن وقد اطرق : " ان لي رأيا يا صالح اواطئكم عليه .... " قال : ماذا ؟ او لابد من معارضة ؟ ان امركم عجب يا اهل الثقافة ، وانه ليخيل لى انكم كلما ازدادتم علما ازددتهم جبنا ، فكانما ثقافتكم شل للقوى ، وفل فى العزيمة وبتر للجهود ، وبعد عن الطبيعة ، وانكم لكالنظارة لا تركبون الاهوال ولا تخوضون المعمعة ، وليس الا ان تفكروا ...
قال عبد المؤمن : لقد قسوت شديدا ، يا صالح ، وما انصفت ولو وعيت عني كلامي ، وسمعت نصحى ، لعرفت انه لا تهمنى نفسى ، ولا يفزعني امرى قدرما تهمني حركتنا ، ويفزعنى امر عصابتنا . انى اخاف ان انا ذهبت وحدى ووقعت فى قبضة رجال الشرطة ، ان ارغم على الاعتراف ، وادفع الى التصريح ، فيفتضح امرنا ، وتذهب ريحنا ، ويقضى علينا ، انى سأحترس جهدى ولكنى لا ارى مخلصا الا ان اصطحب رشيدا ، حتى اذا ما نزلنا من السيارة اخذ يكاثبني ويمشى خلفي فاذا رآني وقد احدق بي الخطر ، ووقعت في ورطة . اطلق النار على وسدد الضربة إلي ، فاموت منطويا على السر وتنجون .
قال صالح : " او لم اقل لكم ؟ لقد اخذ الريب يداخله حتى فى نفسه ! اني لاكاد ارى قلبه يطير شعاعا .
قال عبد المؤمن : ما اقدرك على النسيان يا صالح ! افنسيت اخانا المحجوب وقد فر من السجن في الشهر الماضى ؟ ونسيت ما كان قصه علينا من اخبار تدمى القلوب اسى وتفتت الأكباد حسرة مما لاقاه من انواع التعذيب حينما القى عليه القبض في جمع من اخوانه ؟ افلا تذكر كيف كانت تكوى جباههم ، وبطونهم نارا ، وتقلع اظافرهم بالكلاليب ، ويضربون بالسياط ، ويعذبون بالكهرباء ، ويبصق في افواههم ، وعلى وجوههم ، الى اشياء اخرى - استحي من ذكرها - تقشعر منها الابدان ، وتعافها الانفس ، وتأباها الانسانية ؟ افتظن الانسان - وهو بشر ضعيف- يقوى على تحمل هذا العذاب ، ويصبر على هذا التنكيل ؟ وهل تظنه ملوما اذا ما اقر بشئ لا يحسن الاقرار به وهو فى حالة غيبوبة
واغماء لا يعى ولا يعقل ؟ - انهم لاشد هولا من زبانية جهنم ، فقلوبهم قد تحجرت وضمائرهم قد ماتت ، وإحساسهم قد توحش ، واني اخشى انا كنت قبض ايديهم ان يفعل بى ما فعل بمحجوب ، وان انرع قسرا الى البوح ، وادفع قهرا الى التصريح
اني أريدكم ان تبقوا ، وان تواصلوا العمل حتى ولو قضيت نحبى ، وان رسالتنا لم تنته بعد يا صالح !
قال صالح بعد إطراق : لقد رشدت يا اخي فليكن ما شئت ، ثم شد منه العزيمة فقال : ارجو لك النجاح ياعبد المؤمن ، وسلامة العودة -
اخذ صالح بغلا كان مربوطا بالكوخ ، وتسلل مع رفيقية رشيد وعبد المؤمن من القرية المختنفة ، واندسوا فى الظلام ، واتجهوا صوب الجبل بتسلقونه ، متحرزين من الاعين ، سالكين طرقا وعرة ، ملتوية ، فصالح خبير بوعث هذه الارض ، ومنعرجاتها وجبالها ، ولكن عبد المؤمن لم يكن يعرفها جيدا فهو لم ينشا بها ولم يدرج فى احضانها ، فلقد وفد عليها وإذ هو يؤدى عمله تاركا خلفه صخب المدينة ، فكانما ظفر بحقيقة الشعب المكافح فى هذه القرية فأحبها واحب فى اهلها سلامة الطوية ، وصفاء الجوهر ، وسذاجة الاندفاع ، والصبر على الجهد ، والصمود فى الكفاح - فهو لم يتعود هذا السير القسى ، ولا تسلق شم الجبال ، لذلك كان يتعثر ، ويبذل جهدا ليلحق بصالح الذى أخذ يقفز قفزا . وبحث الخطو حثا كانما كان يمشى فى منبسط من الارض
لقد كانت قطرات المطر تصفع وجهه ، والبرد يلدغ جلده ، والريح تدوم في اذنيه فيحس بالاعياء والاختناق ولكنه كان يسير . . ويسير . . ويوغل في السر ... يحدوه الامل ، ويدفعه الايمان - إنه يشق ذلك الديجور شقا ، متحسسا طريقه . متبعا خطا صالح ، ماسكا من حين لاخر بذيل البغل خشية أن تنزلق به قدمه فيهوى فى مكان سحيق -
... واحس فيما احس انه ينحدر . واحس انه كانما رفه عن نفسه ، والقى عنه ، فلا بد انه اشرف على القمة واخذ فى النزول ولابد ان يكون الانحدار اقل مشقة مما كان فيه من صعودi ، وهمس صالح ان قد قرينا ، ونظروا فاذا هم
يبصرون من بعيد شبحا يتحرك في الظلام ، فلعله الحاج عمر ، ومن عسى ان يكون غيره في هذا الليل الاليل ؟ ومالوا اليه فادا هو بعينه فى عباءته البيضاء ، وعمامته التى شدها على فوديه ، وتقدم عبد المؤمن الى السيارة فانهدعلى مقعدها وتبعه رشيد فانتصب حذوه ، وانتصب الحاج عمر امام المقود ، وجذب صالح الحقيبتين ودفعهما الى عبد المؤمن ، ثم ضغط على يده وودع ، وتحركت السارة ... وانطلقت تنهب الارض ، انها عتيقة ...عتيقة جدا ، فلعلها اول سيارة دخلت القرية . يبدو ذلك من شكلها . ومن نتوء اسلاكها ، ولكنها تمشي على كل حال ... تجرى كما لو كانت جديدة ، وانها تحدث دويا كهذا الدوى الذى برأس عبد المؤمن انه لكالصدى البعيد يتردد فى ادنيه : " حقيبتان . . ملئتا ذخيرة . . ... اعدتا ليوم عظيم ...حقيبتان... وتجرى السيارة ، ويتردد الصدى البعيد ...وتقف السيارة فجأة فينزل عبد المؤمن بحقيبتيه ، ولما بيد وضح الفجر ويتبعه رشيد ، انه يكاتبه ، انه يمشى خلفه . . انه يتوارى عنه . . انه يعود خلفه ... ويشقان المدينة النائمة ، . و لا شئ فى الافق ... لا شئ . . انهما يقتربان من مكان معلوم . . وانهما يقتربان . . ويدوى صوت فى الفضاء : قف مكانك ! قف ولا تتحرك ، انت قبض يدى ! وتنبعث طلقة نار . وثم تعود المدينة إلى نومها ... لا شىء ... لا شىء ...
ويتنفس الصبح فاذا الناس يتهامسون بان ضابطا من ضباط الشرطة قد وجد قتيلا في حي من احياء العاصمة .

