الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

من ذكرى الهول, ( قصة ), مصرع صالح

Share

كان صالح من الذين عاشوا فى قريتهم الهادئة الجميلة ، فلا يذكر احد انه سافر منها ، او غاب عنها منذان شب وترعرع ، إلا يوم ذهب الى بنزرت ثقيل الخطا ، مبلبل الفكر ، كسير القلب .

لقد ذهب اليها منذ سنين يعرض نفسه على الطبيب العسكري حينما اعلمة شيخ القرية بأن " القرعة العسكرية " قد اصابته فى تلك السنة كما اصابت من فى سنه من الشبان . فبكاه اصدقاؤه واهلوه وشيعوه فى ذلك اليوم كما يشيع القربان الى المذبح .

ولكن صالحا عاد عودة المنتصر الظافر ، تهزه نشوة الفرح ، ويفيض على وجهه البشر بما اكتشف عنده الطبيب من فقر دموى جعله غير اهل للجندية . فأولمت امه الولائم ، وهنأه الاهل والاقارب بما كتب الله له من نجاة .

ولم يعد صالح من ذلك اليوم يطيق لبلدته فراقا ، فعكف على الارض يخدمها ، وانكب عليها يمنحها كامل حبه ، ويقضى عندها ثمين وقته ولا يفارقها الا اذا آذنت الشمس بالغروب ليعود الى الدار او ليذهب الى مقهى القرية حيث يجتمع باصدقائه ، فيشتكون ضعف الحال ، ويتحدثون عن البذر والمطر ، وعن القروض الفلاحية التى يسمعون بها ولا يجدون اليها سبيلا ؛ او ينصتون الى المذياع يلتقطون اخباره ويعلقون عليها متحمسين .

كان ذلك دأبه كامل السنة فلا يعرف احد انه توانى في اداء واجبه ، او قعد به الجهد عن عمله .

وعاد ذات يوم الى الدار كعادته فوجد امه العجوز تبكى بعين غزيرة ،

وصوت شجى ، فقطب الجبين ، وسرت في جسمه رعشة غريبة ولم يصدق عينيه فهو لم يتعود أن يرى أمه الشجاع الصور تبكى إلا إذا اشتد بها الامر ، وضاقت بها السبل ، وتذكر انه لم يرها على مثل الحال التى هى فيها منذ اليوم الذي ذهب فيه الى " بنزرت " يعرض نفسه على الطبيب ، فاوجس مما رأى خيفة ، واقبل عليها يسألها ، فتأوهت وقالت : " ألم يبلغك يا ولدى ما وقع في هذا الصباح ؟ إن عمك الحاج المكى ، وابن عمك محمود قد ألقى القبض عليهما .

ان الجند والجندرمة قد اقتحموا عليهما الدار ، فافسدواكل شئ : كسروا جرة الزيت ، واحرقوا ما ادخراه من صوت ، وافرغوا عدل القمح في التراب - لم يتركوا شيئا يا ولدى - لقد امتحنوا عمك ، الشيخ ، الورع ، الوقور ، امام زوجه ، وحجزوا عليه بندقية الصيد ، ثم اقتادوه مغلولا مع محمود - لقد ظعن الامن وكثر الحيف يا صالح ! كل هذا لانهما من حزب الدستور ..."

وطفقت العجوز المسكينة تصف ما وقع وتطنب ، وأخذ صالح يستمع اليها ويحدق فيها ، وطال به التفكير ولم يتكلم ، ثم افاق من دهشته فقال في لهجة الحازم الجاد : " رفهي يااماه عن نفسك وكفكفى دموعك ، ولا تحزنى ، فسانوب عمى منذ الغد فى خدمة الارض ، وسأكفى ابناء عمى مؤونة العمل ، واقوم بشؤونهم . وشرع صالح فيما عقد العزم عليه ، وشمر من سواعده بصبر وثبات فكان لا ينام إلا غرارا .

كان يبكر ليجد متسعا من الوقت يسمح له بإنجاز العمل ، ولكنه كان يعود فى المساء منهوك القوى ، قد مسه اللغوب ، وادركه الجهد لكثرة ما كلف نفسه من مشاق ، ولبعد المسافة بين ضيعة عمه التى كانت فى سفح الجبل ، وضيعته التى كانت فى منحدر عميق .

ودأب على ذلك شهرين كاملين لم يسمع فيهما عن عمه شيئا ولم يستطع ان يعرف له مقرا

واذ هو ذات يوم فى سفح الجبل اذ طلع النبأ اليه بأن الجند قد حاصروا القرية ، فألقوا القبض على من وجدوا فيها من الرجال ، وساقوا بناتها ونسائها الى ساحة المدرسة ليقع تفتيشهن - فتقبل صالح الصدمة بشجاعة ، وتجرع الغصة بصبر ، وفكر فى اخته وامه فيمن فكر ، واشتد به الغيظ ، واحتدم الحنق ، فألقى

ما كان بين يديه ثم صك ما بين الفكين ، وهمهم : لابد من ثأر .. لا بد من ثأر..

ورجع صالح من حيث اتى ، وتوجه من توه الى الدار حتى إذا دخلها رأى امه على حصير تخفي بقايا دموع ، والتفت فاذا بميمونة اخته تنظر الى الارض باسرة اللون ، مرتعدة الفرائص ، شديدة الحزن ، فانتحى ناحية فجلس ، وجاءه كلبة فرحب ، ثم تقدم منه وأقعى ، كأنما كان يتساءل عن مجيء سيده فى تلك الساعة من النهار . وفكر صالح مليا ، ونكس راسه طويلا ثم وقف فقال : لك الله يا اماه وانت ايضا يا ميمونة ، واقبل على امه فقيل يدها ، ثم دفع الى الباب فخرج .

ومضت ايام لم يسمع فيها احد عن صالح شيئا ، فهو لم يأت الى المقهى كما تعود ان يفعل ، ولم يذهب الى الحقل كما كان يذهب ، فما الذى جد وما الذي حدث حتى ينقطع صالح عن القرية ويطيل الغياب وهو الذي لا ينقطع ولا يغيب ؟ هل دعاه داع ملح فأهطع اليه ، ام هل دهاه مكروه فحرم الاخوان منه ؟ وكثر التساؤل واختلفت التآويل ، وعم الاسى ، واشتدت الحيرة .

وتوالت ايام تلو ايام وصالح غائب ، لا يعرف له مقر فيقصد ، ولا سبيل اليه توصل ، وكاد اليأس من عودته يطغى على النفوس لولا ان اصبح القوم ذات يوم يتهامسون بأن صالحا يتسللل الى القرية ليلا ، ويدخلها مستخفيا . فقال قائل ، انه رآه وتحدث اليه ، وقال آخر انه كان يرتدى لباسا عسكريا ويحمل بندقية ؟ وانتشر الخبر بانه اختار لنفسه ان يكون قائدا لثوار الجهة وانه قد صح منه العزم على ان يقاوم الظلم ، ويصد الطغيان ، فهو يعرف هذه الجبال شبرا شبرا ، ويعرف هذه السهول سهلا سهلا ففيها نشأ وشب ، واليها رجع والتجأ ، ومنها سيبرد غلة قد حرت ، ويطفئ نارا تأججت ، ويسدد ضربة حان ان يسدد .

وصار الناس يتناقلون إخباره، ويتتبعون خطاه ، ويباهون بعصابته التى اخذت تنتقل فى جهات عديدة لتقتل الخائن ، وتهاجم الجند ، وتنزل الرعب في القلوب ثم تعود الى مكمنها تهئ نفسها للعودة ، وتعد سلاحها للوثبة ، فخورة بالعمل الذى حصل ، والامل الذي حقق .

وبلغ ذلك رجال الامن فاضطربوا واحتاروا ، وشرعوا يرسمون الخطط للقضاء عليه ، ويبثون العيون للتفتيش عنه .

وهاج صالحا شوق الى القرية ، واشتد به الحنين الى الدفء والاهل ، فتسلل وجماعته كما تعود ان يتسلل فى ليلة عصفت فيها الرياح ، وقرس البرد ، وجن الظلام ؛

وكان ليلتئذ على موعد مع صديق له قديم دعاه الى تناول الشاي ، والى الاجتماع به فى دكانه الذى كان قد زاره مرات عديدة قبل ان يغيب عن البلدة . فوجد صالح صديقه حيث اتفقا ان يجده فبادره هذا بقول .

ألا يحس بنا يا اخي ان نخفى الاسلحة حتى ندخل القرية امنين ، فلا تلفت النظر البنا ، ولا نثير الشكوك حولنا ؟ فارتعد صالح وقال في نفسه : " إنه على الايقاع بي وقتلي !"

ولكنه سرعان ما لعن الشيطان ، وابعد عنه الهواجس واجاب من فوره : بلى ! لا ارى فى ذلك ضيرا . .

واختار الجماعة مكانا حريزا وضعوا فيه اسلحتهم . الا مسدسا ابقاه صالح ، وتوجهوا الى الدكان .

. . ومضت ساعة او بعض ساعة والقوم هناك يستعيدون الذكريات ، ويشربون الشاى ، وينعمون بالدفء ، واذا الباب يطرق طريقا شديدا ، ويدفع دفعا قويا ، فترتعد القلوب ، وينتشر الرعب ، وتنفد الحيلة ، ولم يبق شك في ان رجال الشرطة قد حاصروا الدكان ...

وفتح الباب بعد لاى ، فتقدم ضابطان الى الجماعة ، فنضا صالح سلاحه كلمح البصر وارداهما ، واشتدت الجلبة والضوضاء ، وانتشر الفزع والبلبال ، واغتنم الجماعة غفلة الجند فلاذوا بالفرار .

وانقضت لحظة الاندهاش واذا برجال الشرطة - وكانما افاقوا من غفوة - يشرعون فى اطلاق النار حيثما طاب لهم وينطلقون جريا وراء صالح الذي اخذ تنتقل من زقاق الى آخر يفتش عن مأمن ويمنى النفس بالنجاة - ومر واذ هو يجرى امام المقهى الذى طالما آوى اليه فاذا هو من حيث لا يشعر تحت مصباح فى زاوية الطريق . . فتضوأه الجندى فى تلك اللحظة وصوبوا اليه نيرانهم . فمات .

قال الراوي : لقد سمع صالح وهو فى حشرجة الموت يعيد : لابد من ثار ... لابد من ثار... ثم ران على القرية صمت عميق .

اشترك في نشرتنا البريدية