الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18الرجوع إلى "الثقافة"

من ذكريات الحج

Share

أما بعد ، فقد سافرت كثيرا ، وطوقت في الآفاق شرقاً وغربا ، وشمالا وجنوبا ؛ فكنت في كل أسفارى السابقة أشعر ، من شدة تعلق بأهل بيتي وأولادى وخواص شئونی، کانی غادرت قلى ورأني ، فكنت دائم التلفت كثير التذكر لمن خلفت وما خلفت، ولكنى عند ما يسر الله لى فى العام الماضى حج بيته العتيق ، وزيارة قبر نبيه الكريم ، كان شأنى عجباً من العجب ! فقد شعرت كأن قلبي أمامى ، إذا صح هذا التعبير ، فلا تلفت إلى الوراء ، ولا تذكر الأهل ولا وله ، ولا شئون خاصة ، ولكن توجه إلى الأمام، واندفاع بل انجذاب نحو الغابة التي تركت من أجلها من أحب وما أحب ، بل لقد أنسبت نفسی ، وكنت مريضاً موعوكا ، وكان الطبيب قد رسم لى ما أتداوى به، فنسيت الداء والدواء ، وكان الخبر والحمد لله في ذلك النسيان .

سارت بنا السفينة تشق عباب البحر متياسرة تحو الشرق، وما هى إلا أن ترامت سواحل الحجاز، ورفعت لنا قمم جباله ، حتى عمرا الركب نوع من الوجد والهيام يعرفه العشاق العاميد، ويعرفه المقربون الواصلون الصوفية

وحاذت بنا السفينة رابغا ، فأذن مؤذنها أن أحرموا أيها الحجاج، فما هي إلا سويعات قلائل حتى خيل إلى أن أهل السفينة قد استحالوا ملائكة أطهارا : أشباح قد اشتملت عليها تياب بيض ساذجة ، ونفوس مطمئنة راضية ، ووجوه وضيئة مستبشرة ، وألسنة بالتلبية والدعاء منطلقة لاهجة. وكان لذلك النظر فى الركب جمال

أى جمال، فأما الشيب فقد خالط فيهم وقار السن جمال التي فزادهم روعة ومهابة ، وأما الشباب فقد امتزج فيهم برد اليقين بحرارة الصبا، فعلهم مسحة من التوقر والاطمئنان اللطيف !

ومابرح الركب على تلك الحال حتى بلغنا جدة واستقلالنا السيارات نوم مكة أم القرى. فيلمناها في الخزيع الثاني من الليل ، دون أن نشعر بتعب أو نحس نصيباً ، على بعد الشقة ، واتصال الحركة ، وامتناع النوم إلا غباراً فوق متن السفينة أو تهويما على ظهر السيارة، وراح صحبي وقد شارفنا البلد الأمين ، بتذاكرون الحديبية ، وناطوى ، و غار حراء ، و غار ثور ، وغير ذلك من المعاهد التي أثارت في أذهاننا ذكريات الإسلام إبان ضعفه ونأناته ، ذكريات ذلك النضال العظيم الذى كان بين محمد و قريش ، بين الإسلام الهادى والوثنية الضالة ، بين الحق الأبلج والباطل اللجلج ، نعم وذكرى ما احتمله الرسول وعصابته القليلة في سبيل المدعوة ، من تكذيب، واضطهاد، وعدوان ، وانزعاج آخر الأمر من الأهل والوطن والمال.

وبلغنا النزل الذى أعد لقامنا بأعلى مكة ، فقدقنا فيه مناعنا ، ثم أسرعنا نوم الحرم التطوف بالكمية ونسعى بين الصفا والمروة. وإن أنى لا أنس مشهدنا وقد انتظمنا موكباً واحداً وأخذنا نتحدر من المعلاة في جوف الليل البهيم ونسير رويداً رويداً ، ومطوقنا بين أيدينا يهتف ملبياً بصوته الأجش ، فتردد نحن التلبية بأصوات منبعثة أعماق قلوبنا ، فتتجاوب بأصدائها جنبات الطرق وتمضى صعداً في السماء . لقد كان المشهد رهيباً رائعاً .

ومنه عرفت كيف تسمو الروحانية في الإنسان على المادية متى استغرقته الفكرة السامية وتولام الإيمان العميق.

ثم يقف المطوف ويقف الموكب لوقوفه ، فإذا بنا قبالة باب عظيم من أبواب الحرم الكثيرة. وتحتبس الأنفاس، وتجب القلوب ، وتمتد الأبصار ، كأنما تريد أن تلقف بنظرة واحدة منظر ذلك المسجد الرحب الذي كان يضم في تلك الساعة من الليل عشرات الألوف من الطائفين والقائمين والركع السجود . وكنت قد قرأت في بعض الكتب وصف الحرم المكي فلم يشق على أن أتبين معالمه لأول متولى فيه . فهذه الكمية مؤثرة السواد ومحتلة قرارة المسجد ووسطه وهذا الحجر الأسود يتزاحم الناس على استلامه وهذا حجر اسميل وهذا الطلاق من حول الكعبة يتدافع الطائفون فيه تدافعاً ، وهذا مقام ابراهيم ، وتلك بئر زمزم بردها الملائقون ويشربون منها عللا بعد نهل . وهذا سائر المسجد من حول ذلك كله . والمسجد فى جملته مسقوفة لحواشيه ، وأما سائره فسقفه السماء وفرشه الحصباء ، وتطل عليه جبال أبي قبيس وقميقعان والصفا والمروة

واها لك بقعة عجيبة قد احتشدت فيها قوى الطبيعة احتشاداً ، واحتفات فيها مظاهرها الرائعة احتفالاً قد تمثلت فيها السماء بنجومها وكواكبها ، والأرض بهلها وجبلها ، والجو بأحواله المختلفة وتقلباته المتباينة . فانا شمس طالعة ، وآنا قمر بازغ ، وآنا نجوم متألقة ، وآنا حر لافح ، و آنا بود فارس ، وآونة جفاف تتقلص منه الشفاء ، وأخرى سيول دافعة تنحط من أعالى الجبال وتستقر حول الكعبة نفسها، وآنا سماء مصحية وجو طلق ، وآنا سحاب مركوم ، ورعد مجلجل ، ورق خاطف .

كم للتعبد فى هذه البقعة بعينها من معانى التوجه المباشر إلى الواحد القهار المسخر لقوى الطبيعة ، والمصرف لها

هذا النحو الذى لا يحتمل جدلاً ولامراء ! وكفى بهذا التعبد باعثاً للعبد على الانابة والاخبات والخشوع ، وكفى به مشعراً لقلبه بحقارة الإنسان وضعفه وعجزه ، وبأنه إنما هو ذرة فى محيط هذا الوجود الذي لا يسير الوهم غوره، ولا يدرك الخيال مداه، هنا يجد الانسان نفسه وجها لوجه أمام ما يعرف في الفن الرفيع والأدب العالى بالعظيم والجليل حسا ومعنى

إذا كان الحرم المكي يوحى إلى النفس معنى ما هو قوى ورائع وجليل ، فان الوقوف بعرفة وهو أهم مناسك الحج - وحياً آخر ومغزى عظيم الشأن .

وعرفات جبل يبعد عن مكة بنحو عشرين كيلو متراً، ويشرف على هضبة مترامية الأطراف ، ينزلها الحجيج فى مضاربهم وخيامهم ، معهم أزوادهم ورواحلهم وسياراتهم التي تقلهم، فاذا كان عصر يوم الوقوف بعرفة اخذ الحجاج يخرجون من خيامهم فيصعدون في الجبل ويدعون الله ويضرعون إليه ، ويستغفرونه لذنوبهم وخطاياهم ، ثم يعودون وقد طفلت الشمس للغروب مطمئنين والفين من أن ذنوبهم حطت عنهم وأنهم استقبلوا صفحة جديدة من حياتهم بيضاء يرجون لا يكتب لهم فيها إلا كل ما هو خير لهم، ولقد وقفت العرفة مع الواقفين ، ودعوت الله مع الداعين ، وأشهد أن المنظر رائع بل هائل وأى منظر أشد هولاً من أن ترى تك على ساحل بحر ليس من الماء ولكن من خلائق توج بعضها فى بعض ، فتحس لها همهمة البحر المحيط و الجيش الهام ؟ ومع ذلك فكل مافي السلاح ، وكل مقر الصف، معترف بالعبودية ، وكل قد تجرد من زخرف المنيا وباطلها ، فلا فاضل ولا مفضول ، ولا سيد ولا مسود ، ولا رفيع ولا وضيع . لقد جاءوا الله كما خلقهم ، وكما يقبضهم ، وكما ينتهم النشأة الأخرى.

لقد ردوا أنفسهم في ذلك اليوم المشهود إلى الأصول التي يتساوى فيها الناس جميعاً ، وعلموا أن ماسواها متاع الغرور

وإذا كان الحج بركتيه العظيمين من طواف بالكعبة ووقوف بعرفة يوحي معانى الجلال والبساطة ، فإن في الحجاز مشهداً ثالثاً ليس من الحج ولم يفترضه الشارع على الناس، ولكن شهوده واجب على المسلم في شرعة الذوق السليم على أقل تقدير ذلك زيارة قبر الرسول بالمدينة المنورة . ولقد قصدنا الزيارة بعد أن قضينا مناسك حجنا ، وكنت طوال الطريق من مكة إلى المدينة يهزني شوق يختلف عن ذلك الذى كانت تضطرم به جوانحي عند توجهنا إلى مكة. لقد كان الشوق الأول شوقا إلى المجهول غير العلوم إذا صبح هذا التعبير، أما الثاني فكان شوقا إلى العلوم غير المجهول، إلى إنسان أثير حبيب

ولقد صدق من أطلق هذا الوصف الجميل على التاوى بالمدينة عليه السلام ، فهو حبيب إلى الله الذى اصطفاء التبليغ رسالته ، وهو حبيب إلى الإنسانية بما أسدى إليها من صنيع باق على وجه الزمان.

شارفنا المدينة فتواردت على الذاكرة أحداث ذلك البلد الذى يعد في مقدمة البلدان التي أثرت في تاريخ العالم أبلغ التأثير، ألا إنه إذا عدت أثينا عظيمة ما بعثت من نهضة فكرية وفلسفية رائعة ، وعدت روما عظيمة ما انبعثت في عالم السياسة من دولة نجمة ، فإن المدينة عظيمة بالأمرين جميعاً ، وكفاها نظراً أنها مهد الدنية الإسلامية والدولة العربية ، ومثوى محمد بن عبد الله

وطفقنا نتجول في خطط المدينة وطرقها الضيقة الملتوية و تنشق بهاريخ القدم وعظمة الماضى وتتعرف معالها ومعاهدها : هنا ركت ناقة الرسول لأول قدومه المدينة ، هناك السنح الذى نزله أبو بكر ، تلك أمام اليهود ، هذا أثر الخندق ، ذلك جبل أحد تلك سقيفة بني ساعدة ، هذا البقيع ، وهذا مهوى الأفئدة ومحط الرحال ، هذا مسجد محمد بن عبد الله وموضع قبره الشريف . ألا تقدرأيت في أسفارى

قبور كثير من عظماء الشرق والغرب، وأشهد أني لم يأخذتى شيء من الرهبة والهيئة التي أخذتني عند ما وقفت حيال قبر الرسول العربي. إن عظمة أولئك العظماء محدودة مقيدة بقيود الزمان والمكان . أما عظمة محمد مطلقة ليس المكان ولا الزمان عليها سبيل . أولئك وردوا وشلا تحت أقدامهم وفى متناول أيديهم ، وأما محمد فورد بحر الحقيقة الطامى وسر الوجود الخافى قبل وعل، أولئك بادوا وأصبحوا أحاديث، وأما محمد فاستحال قوة في هذا العالم كقوى الطبيعة باقية ما بقيت الأرض والسماء .

والمسجد النبوى تحفة فنية رائعة تعرف فيه خفة الروح والوقار والهيبة، وقد لزمه الطابع الذي كان له على عهد الرسول ، طابع منزل الرسول ومجلس الرسول ومسجد الرسول ؛ فأنت إذا استقر بك المقام فيه أحسست أنك في منزل صديق حيم أو أخ كريم . كل شيء فيه يبعث فيك الأنس وينق عنك الوحشة ، فأنت في منزلك، على حد تعبيرنا المألوف، تلك السقوف العالية تتدلى منها الثريات الوهاجة ، وتلك البسط الوثيرة ، وتلك النقوش المذهبة تفشى الجدران وتلك المحاريب الآرية النفيسة ، وتلك القبة الذاهبة في السماء ؛ كل ذلك فيه معنى اللطف ومعنى الأنس ، وإن شئت فقل فيه معنى الإنسان الصادق والإنسانية الصحيحة. الحرم المسكي يريك معنى الإله والألوهية ، والحرم المدنى يربك الإنسان والإنسانية .

كل ما في المدينة جميل : جمال في الطبيعة تعرفه في الماء والزرع والسهل والجبل ، وجمال في الخلق تعرفه في دعة أهل المدينة ، الذين رضى أسلافهم الأنصار برسول الله قسما وحظا في حياته وبعد مماته ، ثم جمال ثالث في المسجد وفى الذكرى التي يثيرها . جمال فى جمال فى جمال .

أما بعد فإن الجلال بمكة، والبساطة بعرفة ، والجمال بالمدينة. ولست أعرف قطراً آخر أجمع لهذه المعانى الثلاثة من الحجاز .

اشترك في نشرتنا البريدية