فى قرية من قرى جبال الألب ، وفى ربوع الطبيعة الباسمة . وبين شعب من الإيطاليين السذج الذين تعتمد فى صدورهم نوازع الإيمان بالله والثقة بالنعيم المقيم وعدالة السماء وفى رحبات هذا النوع من الحياة القاسية أحيانا والمنبسطة أحيانا أخرى يحتل العامل الروحى مكان الصدارة فى كل شئ ، فالقس هو ملك القرية غير المتوج يحتحكم إليه الرعاة والزراع والتجار ويلجأون إليه إذا ما حزبتهم جلائل الأمور . ذلك لأنه مندوب السماء وباعث الرحمة والعدالة بين الضعفاء .
فلم يكن غريبا إذا أن تطرق (( راشيل )) باب القس فى يوم من الأيام وتتوسل إليه ضارعة أن ينقذها من شر يحيط بها ويكاد يعصف بحياتها الزوجية ، وهو يهدىء من روعها ويستوضحها جلية الأمر :
ألا بربك يا أبي لتنقذنى من خطب يتهدد حياىي العائلية . انت تعرف مقدار ما انا عليه من الورع والتقوى وخشية الله ، وتعرف أن زوجى (( رافيل )) قد ارتحل عن إيطاليا فى رحلة تجارية وأنه ما تقدم لخطبتى إلا بعد حب طاهر عميق ، ويشهد الله أننا كنا مثال الزوجين العفيفين .
ثم أخذت تبكي والدموع تتساقط من عينيها الجميلتين فى دعة وارتخاء ، وخصلات شعرها الناعم المسترسل تحيط وجهها كأنه هالة نور يتوسطه ثغر قرمزى رقيق .
- لا عليك من حرج يا بنيتى ، إن أهل القرية يشيدون بسيرتك الطاهرة بعد ارتحال زوجك .
- ليتهم يستمرون على ذلك . أن هذا الفتى المدعو (( روبرتو )) ذلك النعامة المتأنقة الذى يمشى فى كبر وخيلاء والذى يهزأ بشريعة الكنيسة ومقتضيات التقاليد . إنه يا أبى ينتظرنى عند باب المنزل كل يوم أحد ، ثم يلاحقنى فى الطريق على مرأى من الناس ويحاول أن ينازلنى ويحادثنى فأرده عنى فى جفوة وعناد ، ولكنه يصر علي هذا العبث الذى يلحق العار بزوجة مثلى .
- ولكن يا بنيتى ( روبرتو ) شاب عاقل ما أظن أنه يفعل ذلك إنه يحفظ الانجيل ويناقش مسائل الدين ويخشى الله ،
- ياله من خبيث ! إنه يسلك هكذا للتستر على عبثه وفساده .
- إذاً سأرى . وليكن لى معه شأن آخر .
. . ، وخرجت راشيل وهى تكفكف عبراتها وتتجه نحو منزلها فى خطى وتيدة . واستدعي القس ( روبرتو ) واستفسر منه جلبة الأمر . فعجب الشاب من ذلك ودهش
- ولكن يا أبى لم أفعل هذا . إني لا اعرف هذه المرأة ولم أقابلها قط . ولا أعرف حتى منزلها .
- وما الذى دفعها إلى التجنى عليك وإنها وايم الحق شريفة طاهرة ؟ فاسلك سلوكا طيبا يا روبرتو واخش الله فى روحاتك وسكناتك .
- اشد ما يدهشنى ذلك ! إن نفسى تمج هذا العبث - إذاً فاستغفر الله وابتعد عن مسالك الشيطان . . . . ومرت الأيام ثم عادت راشيل وارتمت تحت أقدام النفس وهى تبكى فى حرارة وتوسل .
- أفزع إليك يا أبى لقد عاد (( روبرتو )) لمضايقتى . - ماذا فعل هذا اللعين . - لقد ترصد لى تحت نافذتى فى الليلة الماضية ، وأخذ يرسل صفيراً متواصلا لاجتذابى إليه ، فخطر لى أن أستوضح الأمر فأطللت من النافذة ، فأخذ يزجى إلى بأحاديث الغزل والغرام . إنها فضيحة يا أبى ! إن القرية كلها ستتحدث بهذا . أستحلفك بالله أن تكف عنى هذا الشر ! - سأرى يا راشيل . ولتقع لعنة السماء على هذا الفتى اللعين .
واستدعي القس ( روبرتو ) وأخذ يعنفه ويزجره وهو فى حيرة من الأمر . - إنى لا أكاد أصدق هذا يا أبى ! لم أر هذه المرأة ولم يخطر على بالى أن أخدش شرف أحد . - عليك باتباع ما آمرك به . لاتمر من الشارع الذى تقطن فيه راشيل . - ولكنى لا أعرف هذا الشارع - إنه على مقربة من التل وتحيط به أشجار الصفصاف
خرج روبرتو وهو عازم على أن يمر من الشارع وأن يرى هذا البيت الذى أتهم بالتعرض لراشيل أمامه . ومر أسبوع ثم عادت راشيل تبكى .
- يا أبى لقد طفح الكيل ! ألا تدرى ما حدث ؟ إنها فضيحة وعار ! أتعرف الشجرة الطويلة التى تلاصق نافذتى فى الدور الثانى ؟
- نعم أذكرها . - إن هذا الوقح المدعو ( روبرتو ) جاء أمس حوالى التاسعة مساء وتسلق سور الحديقة ثم تسلق هذه الشجرة ، وكان الضوء يغمر النافذة التى فى الغرفة فرأيته يطل على داخلها ، فاحتبست الصرخة فى نفسى واستحلفته أن يعود وإلا شكوته ثالث مرة للقس ، ولكنه أظهر عدم اكتراث بك ورماك بالنقائص ، واستمر يغازلنى وأنا أصده عنى واستحلفته أن يرحل فرحل بعد جهد طويل .
- سأرى ذلك وسأطرد هذا اللعين من قريتنا الطاهرة وقام القس لساعته وتوجه إلى المصنع الذى يعمل فيه ( روبرتو ) وابتدره بالزجر والتأنيب وطلب إليه مغادرة القرية وإلا جر على نفسه سخط الأهالى .
- ولكنى لم أفعل شيئا يا أبى ، ولكن صبرا هى تذكر أنى تسلقت السور والشجرة أمس الساعة التاسعة ، - نعم واستخففت بى وبأوامرى . - أعدك يا أبى بأن أمنع هذه الشكوى بعد ذلك . - ولكنك ماجن عابث . - ستري يا أبى ،
وفى المساء ذهب روبرتو إلى منزل راشيل وتسلق السور فى تمام التاسعة ثم تسلق الشجرة وكانت الغرفة مضيئة ووجد راشيل تنتظره . فدلف إلى الغرفة ووجد نفسه بين ذراعيها .
- ولكن زوجك ! !
واحتبست الألفاظ تحت موجة من العناق والقبل العنيفة . وفى الصباح كانت أجراس الكنيسة تدق وروبرتو متأبط ذراع راشيل إلى الهيكل المقدس .
إسكندرية

