الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 550 الرجوع إلى "الرسالة"

من روائع الرسول

Share

يمر الزمن  وتزداد عظمة  الرسول وضوحاً  وجلاء، وكلما  تعمقنا في دراسة  روائعه وجوامع  كلمة تجلى صفاء  المعنى وسمو المرمى  والحكمة الزاخرة  والحق المبين وحين نستعرض

بعض روائعه نجتلي محاسن أغراسها، ونمتع النفس بنفائس  أزهارها، ونغذي الروح بما فيها من حكمة وخير وجمال - أقول  حين نستعرض هذه نجد أن من الأحاديث ما يعبر أروع تعبير  عن حقيقة الظواهر الكونية وعن القوانين الطبيعية التي تسيطر  على هذا العالم، فهي وإن قلت عدد كلمات، فقد حوت من  الحكم والمعاني ما يبهر العقل والقلب والعاطفة؛ يهتدي بها الضال  في الفلوات، ويرنو إليها الخابط في الظلمات، تنير الفكر  وتهدي إلى الغاية، كما ترشد إلى الحقيقة الخالدة. فيها الهدى،  وفيها الموعظة، وفيها العبرة.

كان إبراهيم قرة عين الرسول يسر بمداعبته ويطمئن إلى  رؤيته، يرمقه بعطف ليس بعده عطف، ويخلع عليه ألواناً من  الحب والحنان تتمثل فيها الرحمة الأبوية في أقوى صورها،  والعاطفة الإنسانية في أسمى معانيها. لقد فقد محمد أبناؤه وبناته ولم يبق له غير فاطمة وإبراهيم.

لهذا لا عجب إذا طفح بشراً عند مشاهدتهما، وامتلأ غبطة  وسروراً في لقياهما، ولكن شاءت الحكمة الإلهية أن لا تطول  تلك الغبطة وذلك السرور، أن يفجع النبي في ولده إبراهيم،  وهنا (انطفأ بموته ذلك الذي تفتحت له نفس زمنا وزادت عينا  محمد تهتانا وهو يقول: يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق  وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك بأشد من هذا. . .)

كسفت الشمس في يوم الوفاة، ورأى المسلمون في ذلك  كرامة. فقال بعضهم: لقد انكسفت الشمس لموته. وهم على  ما يظهر على حق فيما يقولون؛ فلقد وافق موت إبراهيم كسوف  الشمس؛ فلماذا لا يرى بعضهم في هذا معجزة؟ أليس الله بقادر على كل شيء؟ أليس الرسول كريماً عند مولاه؟ لقد حسبوا أن الله أراد أن يكون في هذه الظاهرة العزاء  والسلوى لنبيه الكريم. . .

وهنا. . . يتجلى في محمد - على فرط حبه لإبراهيم وشدة  حزنه عليه وجزعه لموته - إخلاصه للرسالة، ويرى في القول  خروجاً على الدعوة التي بعث من أجلها، ولا يرضى أن يرى  الناس في هذا معجزة فينسى أن إبراهيم، ولده وينسى أن إبراهيم  كان رجاءه وأمله، وينسى أن إبراهيم مات ولما تتفتح نفسه له. . .  وينسى فجيعته وهذا الهول الذي نزل به، ويقف خطيباً ويقول:

(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت  أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي) صلى الله عليك. . . وهل بعد هذا من عظمة؟ ففي أحرج  المواقف، في أدقها، لم تنس رسالتك، ولم تغفل عن الحق الذي  أتيت به، وأبيت إلا أن تكون مخلصاً لدعوتك ولحقائق الوجود،  وجئت بدستور كوني وضع حداً لسخافات المنجمين وأقوالهم،  ولاعتقادات الناس في الظواهر الطبيعية والكونية، وبأن  ما يجري في الكون لا يتقيد بأحد، ولا يسير إرضاء لبشر،  بل إن هناك قوانين تسيرها، وأنظمة تسيطر على حركاتها، أوجدها  الخالق منذ الأزل لا تحيد عن الطريق الذي رسمها، وقد تزهها  عن الشذوذ والتناقض

ومن يبحث في هذا الكون ويسع في الوقوف على أنظمته  والقوانين التي تسيطر عليه يجد أن لا شيء فيه إلا يسير ضمن  دائرة من القوانين لا يتعداها، وأن ما يسيطر على أصغر وأجزاء  المادة يسيطر على أكبرها، وأن الكون متسق في نظامه،  متناسق في أجزائه، متشابه في تركيبه، وأن النظام الموجود في  السيارات والشموس هو بعينه في الجوهر الفرد، في الكهارب  وفي النوايا. ومن الغريب أن الإنسان كلما تقدم في الكشف  عن القوانين الطبيعية وكلما حاول تفهم أسرارها، رأى نفسه أمام  أسئلة عديدة لا يستطيع الإجابة عنها، وقد زاد اعتقاداً  بضآلته وجهله، وبأنه لم يكشف شيئاً، وأنه لا يزال في فجر يقظته  العقلية وفي مراحل التفكير الأولى في الوقوف على أسرار  الوجود. وكلما قلب بصره في هذا الفضاء وزاد معرفة به شعر  بأن الوداعة تقترب منه، وأن من الواجب عليه أن يكون في  الذروة من التواضع وسمو الخلق. ولا عجب، فحسبه أن يعرف  أن الأرض إزاء الأجرام السماوية التي لا عد لها أشكالاً وأنواعاً  كذروة من الغبار سائرة إلى الفناء لا تأبه للحياة. . . ولقد ربط  مبدع هذا الكون أجزاءه بعضها ببعض ربطاً وثيقاً لا يستغني  أحدها عن الآخر ولا يستطيع أي جزء أن يسير دون غيره،  فالإنسان مرتبط بالإنسان، وهذه كرته التي يعيش عليها وما فيها  من حيوان ونبات وجماد لها علاقة مباشرة وغير مباشرة مع  غيرها من الكواكب والنجوم، فلولا الشمس لما عاش النبات  والحيوان والإنسان، ولولا القمر لا ختل نظام التجارة، ولولا  الكواكب والنجوم وجذب بعضها لبعض لما استطاع أن يحفظ  كل نجم أو كوكب مركزه في هذا الوجود ولسادت الفوضى  وعم البلاء

وعلى هذا فالعالم مترابطة أجزاؤه تسيطر عليها أنظمة  وتتولاها قوانين لا تتعداها ولا تشذ عنها: والذي لا ريب فيه  أن هذا الكون لم يوجد من تلقاء نفسه إذ لو كان كذلك  لما رأينا فيه هذا النظام وهذا التنسيق. بل إن هناك  قوة (خارقة) منسقة منظمة لا يحيط بها عقلنا، بل هي تحيط بنا  وبهذا الوجود من جميع نواحيه فلا تتحرك هباوة في  الأرض والسماء من جماد أو نبات أو حيوان، ولا فلك ولا نجم

ولا كوكب إلا والله هو محركها والمسير لها في دائرة من  النواميس تشهد على عظمته وحكمته وبديع أمره في خلقه،  وتنطق بكمال علمه ونفاذ مشيئته، وتدل على قدرته وجلاله  وكبريائه. ومهمتنا نحن البشر أن نزيد معارفنا عن هذه النواميس  ونبحث في أصولها. وكلما زدنا معرفة بها زدنا اعتقاداً بقدرة الله  الخارقة المنظمة وإيماناً بقوة إبداعه، وظهر لنا بجلاء أن هذا  الكون لم يخلق باطلاً

هذا الاعتقاد وهذا الإيمان، إذا رسخا عن طريق الدرس  والبحث والتفكير في آيات الله فإنهما يسموان بالإنسان إلى عالم  أسمى من عالمنا، وفي هذا لذة روحية ومتاع فكري ليس بعدهما  لذة أو متاع. وهذا ما جعل الرسول المفكر يقول عند  حدوث الظواهر الكونية: اذكروا الله وتفكروا في آلائه  وعجائب صنعته، ففي هذا آيات لأولي الألباب، وفي هذا عبادة  هي أسمى العبادات وأفضلها

(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى  جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت  هذا باطلاً سبحانك) (نابلس)

اشترك في نشرتنا البريدية