الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 594الرجوع إلى "الثقافة"

من روائع الفن المصري، تماثيل الانسان من الحجر، في عصور مصر الأولى

Share

طرق المثالون في نحت التماثيل من الحجر في أوائل عهد الأسرات بابا جديدا ، كان له أكبر الآثار في فن النحت في كافة عهود مصر القديمة ، وقد اتخذ بعضهم من الأوضاع والقواعد ما التزمه المثالون في العهود التالية . .

يرجع أقدم ما حفظ من قطع منحوتة من الحجر على شكل الإنسان إلى عهد قادة الأولى . وهي قطع صغيرة من

حجر جيري أسمر أو من الحجر الصفيح ( الأردواز ) أو حجر الدهن ( steatite ) وتقتصر على تمثيل الجزء الأعلى من جسم رجل بوجه عريض ولحية مدببة غالبا ، ولعلها بذلك كانت أشبه بالتمائم ، على نحو بعض القطع المنحوتة من العاج أو العظام . وكانت العينان ، وفي بعض الأحيان الحاجبان والثديان تطعم بمادة اخري ( شكل ١ ). ومنذ أواخر ما قبل الأسرات عمد

المثال المصري إلى صناعة التماثيل الكاملة للإنسان من الحجر . ففي إحدي المقابر في " طرخان " عثر على تمثال صغير من الحجر الجيري لشخص يركع على ساقه اليمني وينصب ساقه اليسري . وفي " أبو صير الملق " كشف عن تمثال صغير من حجر مائل للسواد ، لا يزيد طوله على ٧ ره سنتيمتر ، ويظن أنه لامرأة ( شكل ٢ ) . وهو يمثلها برأس كبير ، ووجه عريض من أعلي ودقيق من أسفل ، ويداها على صدرها وساقها مقوستان بينهما ثقب . وقد عثر أيضا على حصاة طويلة ، يبدو أنها وضعت إلى جانب جثة الميت

لمشابهتها في خطوطها الخارجية لجسم إنسان بذراعين تتدليان على الجانبين ( شكل ٣ ) . ومن العلماء من يذهب إلى أنه

ربما كانت الاحجار الطبيعية المماثلة قد أوحت إلي الإنسان بعمل التماثيل من الحجر ، غير أن في قلة ما وجد في مصر منها وتطور فن النحت فيها ما لا يؤيد مثل هذا الرأي بالنسبة للمصريين على الأقل .

على أن أهم تماثيل أواخر ما قبل الأسرات تمثالان في متحف الأشموليان ، يمتاز أحدهما بمادته الثمينة وهي اللازورد وقد عثر عليه في الكوم الأحمر

( هيراكونبولس ) ، وهو يمثل امرأة عارية بشعر على شكل خصل صغيرة مجعدة ، على نحو شعور بعض صور الأشخاص على السلايات ، ويداها على صدرها وقد مثلت جميع أصابع اليدين ( شكل ٤ ) . وكانت العينان من مادة أخرى ، وليس من شك في أنهما كانتا تضفيان على الوجه حياة ، مما يعتبر من مآثر الفنان المصري الذي أدرك ما للعينين من أهمية في تمثيل الإنسان . ومن الممكن ترسم بداية اهتمام الفنان المصري بالعينين في كثير من تماثيل العاج منذ حضارة البداري وفي صور الأشخاص على بعض السلايات ، وقد

بلغ ذلك غايته من الكمال في كثير من تماثيل الدولة القديمة . أما التمثال الثاني فهو من حجر أسود قاتم وطوله ٤٠ سنتيمترا ، وهو يمثل رجلا واقفا وذراعاه إلى جانبيه ويداه

مبسوطتان وساقاه جنبا إلى جنب لا يفصلهما غير جزء طويل من أمام ومن خلف ( شكل ٥ ) . والعينان واسعتان والأذنان كبيرتان ، تبرزان كثيرا من جانبي الرأس على نحو كثير من تماثيل الإنسان من العاج والحجر . ويبدو الرأس كأنه تشمله قلنسوة ملساء محبوكة تمتد على صفحتي الوجه

وتحيط باللحية ؛ على أنه ربما كان ذلك يرجع إلي طريقة المثال في تمثيل شعر الرأس واللحية وخاصة إذا لاحظنا عنايته بصقل سطوح هذا التمثال ، مما يدل على تقديره للمادة التي صاغه منها وعلى شعوره بجمالها . وفي رشاقة القامة وحسن استدارة الكتفين وجمال انحدارهما . وفي بساطة خطوط الجسم وبساطة تمثيل السطوح المختلفة بما يتفق وصلابة الحجر ، ما ينبئ أيضا عن براعة المثال ومهارته ، كما أن

على أن صوره وتماثيله في العصور التالية تمثله دائما رافعا ذراعه اليمنى ؛ وعلى هذا يبدو أن السبب في تدلي الذراع اليمني في هذه التماثيل إنما يرجع إلى طبيعة الحجر ورغبة المثال في ألا يتعرض بعض أجزاء التمثال للتلف السريع . وهي تمثله عاريا إلا من حزام يلتف حول الجسم عدة مرات ، بحيث يتدلي أحد طرفيه على الجانب الأيمن . وقد نقشت عليه صور ورموز مختلفة تدل على مهارة فنية كبيرة ( شكل ٧ ) . ومع هذا تبدو هذه التماثيل أشبه بأساطين طويلة من الحجر ، شكلت فيها تفاصيل الجسم باقتضاب ، فالذراعان لا تكادان تبرزان من الجسم إلا قليلا ، ولا يفصل الساقين غير حز طويل ، كما أن عظام الركبة لم تمثل بوضوح ، وهي أشبه بمثلث ذي خطوط بارزة جافية . وفي تمثيل هذا الإله بقامة

في تمثيل أظفار اليدين وعظام الركبة ما يشير إلى محاولته تمثيل الطبيعة في شئ من الصدق والإخلاص . ولم يقتصر المثال على صناعة التماثيل الصغيرة من الأحجار . وإنما عمد ايضا في كثير من الأحيان إلى نحت التماثيل الكبيرة . فقد عثر في فقط على ثلاثة تماثيل من الحجر الجيري للاله " مين " ، تمثله واقفا وساقاه جنبا إلى جنب وذراعه اليمنى جانبه وقبضة اليد مثقوبة ، مما يدل على أنها كانت تقبض على المذبة أو السوط من مادة أخرى ( شكل ٦ ) .

أطول كثيرا من القامة الطبيعية ما يكشف عن رغبة المثال في تمثيله في شكل يفوق كثيرا مقاييس الإنسان ، بما يعبر عما كان له من عظمة وجلال .

ومما يشبه تماثيل الإله " مين " في بساطة تشكيلها وقلة تفاصيلها تمثال من الحجر الجيري كشف عنه في معبد الكوم الأحمر وينقصه الرأس والقدمان . وهو يمثل شخصا واقفا يضع يده اليسري على صدره بينما تتدلي ذراعه اليمنى الي جانبه ، وقد أفرغت قبضة اليد اليمي بما يدل على أنها كانت تقبض على إحدي أمارات الشرف . وتبدو الساق اليسري متقدمة قليلا إلى الأمام ، أما الركبتان فقد مثلتا في غير عناية ، ويحيط بالجسم رداء طويل يصل إلى الركبتين تقريبا ويترك صفحة الكتف اليمني عارية .

وفي معبد الكوم الأحمر كشف أيضا عن تمثالين من الحجر الجيري ، وجد أحدهما فى حالة سيئة ، حتى انه لم يمكن نقله من مكانه . أما التمثال الثاني فهو الآن في متحف القاهرة ، وهو يمثل صاحبه في حجم طبيعي جالسا على ساقه اليسري وناصبا ساقه اليمني ويداه مبسوطتان على ركبتيه . ووجهه ممتليء يحيط به شعر مستعار قصير يغطي الأذنين ويصل حتى الكتفين . والشفتان غليظتان وعلى الشفة العليا شريط

بارز يمثل الشاربين كما في بعض التماثيل في العصور التالية . ويحيط بالجسم حزام تتدلي منه أهداب بين الساقين على نحو ما يبدو في صور بعض الأشخاص على صلابة نعرمر وفي بعض نقوش الدولة القديمة . وفي خطوط التمثال رخاوة واستدارة ، بما يمثل تفاصيل الجسم في اقتضاب كثير ، ويكاد الرأس يستقر على الكتفين ، وبذلك يبدو التمثال مكنزا متداخلا . عدا هذا لقد عثر أيضا في هذا المعبد على رأس لتمثال صغير من حجر جيري هش ، يمثل صاحبه بوجه مسنون ، وأنف أجيد تشكيله ، وشفتين بارزتين ، وشعر مستعار ، يتألف من خصل قصيرة مجعدة في صفوف رتيبة _ شكل ٨ ) . وكانت العينان مطعمتين بمادة أخرى ، وتدل خطوط الوجه على تقدم ملحوظ يبشر بما سيكون عليه فن النحت في الحجر . وقد عثر أيضا على عتبة باب من حجر صلد قائم ، نحتت على شكل اسير قيدت ذراعاه خلف ظهره ، وذلك في خطوط بسيطة تتفق والغرض المعماري الذي صنعت من أجله . ومع هذا فقد عولجت ملامح الوجه في شئ

من التفصيل كما يتضح من العينين والأنف والشفتين البارزتين . وفي تمثيل الأسير على هذا النحو ما يثير ذكري ما جاء في كتاب الموتى عن سحق الأعداء تحت أعقاب أبواب الجحيم .

وفي متحف كلية الجامعة في لندن تمثالان جالسان من الحجر الجيري قيل عنهما إنهما أيضا من معبد الكوم الأحمر وإنهما يمثلان ملكا وملكة . وتمثال الملك يمثله برداء طويل ويده اليسري على صدره واليمتى على ركبته ، وعلى رأسه قلنسوة تشبه القلنسوة الملكية في العصور التالية . والعينان واسعتان وأشفارهما بارزة ، ولم تمثل ملامح الوجه بعناية .

ويبدو من تمثال الملكة أنه يمثلها جالسة أيضا ، وعلى ذلك يعتبر هذان التمثالان أقدم التماثيل الجالسة ، وقد وجد هذا الوضع سبيله إلى كثير من تماثيل الملوك والأفراد .

وتمثال الملكة يمثلها وقد جمعت شعرها في ضفيرتين تتدليان على صدرها . على أنه امكن لمتحف القاهرة حديثا اقتناء تمثال يدل نحته على عناية أوفى بتمثيل ملامح الوجه وعلى الرأس شعر مستعار بشبه كثيرا الشعر في تماثيل الإلهة حاتحور وتماثيل بعض ملكات الدولة المتوسطة .

يتضح من هذا كله أنه على كثرة ما كشف عنه حتى الآن من مختلف آثار ما قبل الأسرات ، فإن ما حفظ في القطع المنحوته من الحجر على شكل الإنسان لا يعدو بضع قطع قليلة ، وقد كانت في بداية الأمر من حجم ضئيل وشكل بداني ، مما يدل على أنه لم يكن للحجر إذ ذاك شأن يذكر في فن النحت . ومنذ أواخر ما قبل الأسرات أخذ المثال يتحسس طريقه إلى استخدام الحجر في صناعة التماثيل الكاملة للإنسان ، تغريه بذلك صلابة مادته ورغبته في متانة التمثال وكبر حجمه ، مما يرضي غايات عصره ومطالب العقائد السائدة . على أنه وإن كانت هذه التماثيل تمتاز ببساطة سطوحها وأشكالها ، إلا أنها في مجموعها تبدو غليظة نابية ، فالرءوس تؤود الكتفين بثقلها ولا تكاد تخلص منها ، كما أن أجزاء الجسم يتداخل بعضها في بعض بحيث لا تكاد الأعضاء تتجرد عن الجسد .

وقد أدى هذا إلى القول بأن المثال لم يكن قد وفق بعد إلى حل مرضي المصاعب الصناعية في نحت الحجر . غير أنه مما يضعف هذا الرأي ما تدل عليه الأواني من الأحجار من قبل الأسرات وبداية عهد الأسرات من مهارة فائقة وقدرة كبيرة على صناعة الأحجار الصلدة ، وخبرة وافية بطبيعتها . فإذا قيل على سبيل الافتراض إن المصاعب الصناعية في صناعة الأواني من الحجر تختلف عنها في نحت التماثيل ، فإنه يلاحظ أن ما حفظ من تماثيل الحيوان من هذه العهود يدل على كفاءة صناعية كبيرة في نحت الحجر الصلد . ولا مجال للظن بأن القدرة الصناعية التى يقتضيها نحت الحجر تختلف في تماثيل الإنسان عنها في تماثيل الحيوان . ولعله مما يعين على استكناء الأسباب الحقيقية ما يتجلي في تماثيل الإنسان من الأحجار ، وخاصة ما كان منها من حجم كبير ، من حذر

شديد وحرص قوي على ألا يتعرض بعض أجزاء التمثال للكسر ويؤيد هذا ما يلاحظ من أن تماثيل الإنسان من الأحجار الصلدة أكثر اتقانا من أغلب تماثيل الإنسان من الحجر الجيري الرخو ، فهي على رخاوة مادتها تبدو في خطوطها العامة أكثر بداوة ، حيث لا تكاد تتخلص من كتلة الحجر التى صيغت منها إلا قليلا

وكما أنه لا يصح الاعتماد على هذه التماثيل للحكم على المقدرة الصناعية للمثال ، فإنه لا يصح الاعتماد عليها كذلك في تقدير كفاءته الفنية دون حساب لظروفه وأغراضه فتماثيل الإنسان من العاج في ذلك العهد تدل على كفاءة فنية ممتازة ، وما نظن أنه قد اختص بصناعتها فريق دون غيره من المثالين . ومهما يكن من أمر فقد طرق المثالون في تحت التماثيل من الحجر في أوائل عهد الأسرات بابا جديدا كان له أكبر الآثار في فن النحت في كافة عصور مصر القديمة ، وقد اتخذ بعضهم من الأوضاع والقواعد ما التزمه المثالون في العهود التالية ، ومنهم من خطا بفن النحت في الحجر خطوات موفقة تبشر بما سيكون عليه فيما بعد نحت التماثيل من الحجر .

اشترك في نشرتنا البريدية