قد تعتري الإنسان في بعض أوقاته حال يصير قلبه فيها إلي الخلو من كل حركة ، حتى ليخيل إليه أن ذلك القلب قد امتلأ خلوا . ولست أدري كيف يمتليء الشئ بالخلو ، ولكن هذا ما احسه في بعض الاحيان ولا استطيع له فهما . ولقد اعتدت ان يعترينى شئ من هذا الامتلاء السلبي بين حين وحين ، وكنت اضيق به ضيقا شديدا ، وكنت أحاول أن أفهم له سببا فيما حولي أو فيما هو في داخلي ، ولكني كنت دائما اعجز عن إدراك ذلك السر الخفي من نفسي ، بل إنني كنت أشعر بثقل الحركة على عقلي وكلما هممت أن أتدسس في أعماق صدري لعلني اهتدي إلي ما هنالك من علة غلبني الفتور على امري ، فاستسلمت للأمر الواقع ، وقنعت بالركود الذي يشملني ، وصبرت حتى يمن الله
على بالفرج . ثم يمضي حين فإذا بي في ساعة من الساعات أحس فجأة بحركة وقلق فأنبعث من ركودى إلي شئ يشبه الثورة ، فما ازال حتى أضيق بأزدحام المعاني في صدري ، واضطراب الشجون في نفسى وهكذا يقضي مثلي حياته بين ضيق من الخلو حينا ، وضيق من الرحمة حينا اخر ؛ كأن الأقدار قد حتمت على بعض هذا الخلق ان يجهل معني التمتع بالحياة هذا سر افضى به إلى من يقرأ هذه الكلمات ، مع أنه سر من أسرار المهنة التي لا يفضي به الإنسان إلا إلي أعز الأعزاء عليه
والمهم بعد هذا ان افضي إلي القارئ العزيز بسر آخر ، وهو اننى كنت إذا شعرت بخلو قلبي وضقت به ذرعا ، عمدت إلي حيل شتي لتحريك افكاري ؛ فكلما رايت منظرا في طريق وقفت عنده اتأمله لعلي اجد فيه ما يثيرني ؛ وإذا سمعت ضجة في جهة من الجهات اسرعت نحوها لعل في
صخبها ما يحرك ركودي ؛ وإذا طلعت الشمس اسرعت لأري منظر شروقها لعل جماله يهزني ، وإذا هدأ الليل جلست تحت النجوم لعل وميضها السرمدي يبعث إلي قبسا من وحي الحكمة ؛ ثم أكثر من القراءة لعلي اعثر في قراءتي على ما استطيع أن أردده ، وأكثر من مخالطة الناس لعل أحاديثهم تفتق في ذهني منافذ للنور ، ولكن هذا كله كان لا يجديني شيئا ، فأعود من كل محاولة من هذه أكثر إظلاما مما كنت وأشد إفقارا
ولقد اعترتني حال من هذه الحالات في الأيام أو الشهور المنصرمة ، واشتد على وقعها ، ولم استطع في امرها احتيالا مع مداومة الاحتيال في امرها ، فسلمت أمري إلي الله ، وخضعت لما لا قدرة لي على التخلص منه ، ووطنت نفسي علي الاطمئنان إلي ما أرادت بي المقادير ؛ بل لقد جعلت اعزي نفسى وأقنعها بأن هذه الحال لطف من الله بي ، لأنها تذهلني عن التفكير فيما حولي ، وقد يكون الذهول أحيانا من نعم الله على البؤساء .
وكنت ذات صباح منذ أيام اقرأ ) الأهرام ! على عادتي . فبدأت القراءة من أول حرف في اعلي الصفحة الأولى فوق هامش العنوان ، وما زلت حتى قرأت آخر حرف من حروف النعي في الصفحة الأخيرة . كل ذلك وانا فاتر هاديء لا أكاد أحس لقلبى دقا . ثم أحسست الصحو فجأة ، فإذا بي انتفض انتفاضا ، وأثب قائما على قدمي ، ويمتلىء قلبي بالاشجان والمعاني حتي اضطرب بي الأمر ، ولم أدر ماذا أفعل بكل الأفكار المتزاحمة التي هبت على فجاة مثلما هب الإعصار الثائر . اندفعت الأفكار أندفاعا شديدا بشبه تدفق الماء إلي القناة الصغيرة الجافة إذا فتح الفلاح ثقبا صغيرا يوصل إليها الماء من الترعة المجاورة فلو كان لي أربعة ألسن عند ذلك ، وكان إلي جواري اربعة من اسرع الكاتبين ، لاستطعت أن اكتب للناس أربعة كتب في كل ساعة من الساعات ما دامت هذه الشجون الثائرة
تجيش في قلبي فلينظر القراء لي كتابا في إثر كتاب من هذا الفيض العجيب الذي تدفق في صدري ، وليترقبوا ظهور هذه السلسلة الذهبية الجديدة تحت عنوان " من وحي الأهرام " هذا سر آخر من أسرار المهنة .
وبعد ، فقد نسيت أن اذكر السبب الذي احدث في كل هذا الأثر العظيم هي ضربة معول جاءت عفوا فانفجرت من تحتها العين الفوارة ، هو مجنون يتكلم ، وقد كان لحديث المجانين في عالم الأدب شأن عظيم في كل العصور فالمجنون إذا تكلم نطق بالحق سافرا بغير تغطية ولا تجمل ، لأنه لا يدرك قيمة مداراة الناس ، ولا يعبأ بما يظنون فيه أليس هو مجنونا عندهم ؟ وماذا بعد الجنون من تهمة يحرص المرء على دفعها بالتقية والمحاسنة ؟ فالمجانين والأطفال وحدهم يستطيعون ان ينطقوا بالحق . ولا شك ان الجميع يعرفون القصة القديمة التي زعم مؤلفها أن ملكا من الملوك أحب أن يكشف نفاق المحيطين به فزعم لهم أن سيلبس ثوبا لايراه إلا المخلصون له ، ثم تعري من ثيابه جميعا ، وظهر لهم كما ولدته امه ، فتسابق من حوله إلي وصف الثوب البديع الذي يغطي جسمه ، وتفننوا في تعديد محاسنه - وهو يضحك من نفاقهم طبعا في سره - حتى أتي طفل فصرخ في وجه الملك بالحق قائلا له : " إنك إنما تسير عاريا "
والشاهد من كل هذا أنني قرأت في الأهرام قصة مجنون قيل إنه أجرم لأنه اشترك في معرفة فرع من فروع البنك الآهلي الزاخرة بالمال . ولا شك في انه مجرم خطير ، لأنه مجنون أطاع خياله طاعة عمياء ، فمثل مع إخوان له من خريجي مستشفى المجانين قصة سينمائية ، وبرهن على ان السنما درس له اثر بالغ في التعليم وعلي ذكر السنما أذكر أني كنت منذ زمن أراقب السنما ، فرأيت فلما لم يعجبني لسوء اثره في الناس ، فحاولت منعه خوفا من ان يكون درسا سيئا لناشئة الامة من شبان وشابات ، ولكن بطل الفلم المغني البارع استطاع ان يهزمني شر هزيمة ، وعرض
الفلم على رغم أنفي ، ولا شك أن ذلك كان درسا قوي الاثر في نفسى وفي نفس المغني العظيم ، فما زال منذ ذلك الحين دائبا على تسميم العقول والنفوس بسخافاته
ما علينا ! اراني اضطرب في الاستطراد مع افكاري المندفعة أما ذلك المجرم المجنون فقد أتم جريمته في براعة ، وذهب لينفق بعض ما حصل عليه من المال الوفير كما ينبغي للمجنون ان يفعل ، لان المال في نظر المجانين إنما هو وسيلة للانفاق . وجعل يتغني في اثناء إنفاقه للجنيهات بمباهج الغني وينعى على الفقراء فقرهم ، ويوجه إليهم قوارص الكلمات ، حتى لقد آلمني قوله لأنني ولا فخر من هؤلاء المساكين الذين لم يستطيعوا ان يسرقوا شيئا من المال . فأنا أكسب بعرق جبيني ونتيجة كدي في طوال الأيام والليالي ، ثم لا أكاد أجد ما يكفيني ومن اعول لعيش كفاف فيه مروءة . قال ذلك المجنون فيما قال : " لم تأكل الطعمية مع أن الفراخ موجودة ؟ ! " فأذكرني قوله قول اللص القديم إذ قال :
ولن أسأل المرء اللئيم بعيره وبعران ربي في البلاد كثير
وإنه لرأي خطير يجهر به ذلك المجنون في غير تقية ، وما أظنه نطق به إلا لما رآه حوله من تقديس المال في كل مكان ، والسعي إليه بكل وسيلة من الوسائل بغير تجمل ولا تعفف . ولعل له عذرا في الوقع في هذا الخطأ الشنيع ، لأنه مجنون لا يعرف المداراة ، ويري الأشياء على حقيقتها مجردة . أليس مثله في سرقته للوصول إلى المال وإلي نعيم هذه الحياة الدنيا مثل إخوانه من اللصوص الذين يسيرون في الطرق وتزدان بهم المحافل الباهرة الأضواء ؟ أليس صاحب المتجر سارقا إذا هو ابتز من الناس فوق حقه المباح في الربح ؟ أليس صاحب المصنع سارقا إذا هو قذف إلي الاسواق سلعة من صنعه ليس فيها فائدة ، كزجاجة مصباح تسيل وتنكسر إذا وضعت فوق مصباحها ، أو ( عدة ) وابور
تتصدع في أول مرة تستعمل فيها ؟ أليس التاجر المثري سارقا إذا هو احتال على اقتناص الربح بالتهريب او البيع في السوق السوداء ، أو بوسيلة اخري من وسائل اختلاس الأموال ؟ أليسوا هؤلاء جميعا لصوصا مثل ذلك اللص المجنون الصريح ، يريدون جميعا الوصول إلي المال بأية طريق من الطرق ، لا يعبأون إذا كانت حراما أو حلالا لكي يستطيعوا أن يأكلوا الدجاج وما هو اعظم من الدجاج ، ويجتنبوا الطعمية والفول وما إليها ، ويلبسوا الحرير ويتمتعوا بسائر اللذاذات ؟
ولقد كان المجنون ساخرا أمر السخرية من المجتمع بقصد أو بغير قصد ، عندما ما حاول أن يدفع التهمة الخطيرة عن نفسه بأن ادعي أن المال الذي وجد معه إنما هو مما يدره عليه تهريب المخدرات . نعم أما هذا فلا بأس به ! ولم يكن حرص صاحبنا علي المال من أجل أكل الفراخ والحمام وحدهما ، بل لقد كان يطمع في أن يصبح من الأعيان الذين يشار إليهم بالبنان ، فقد قال له شريكه اليوناني برطانته ما معناه : ستصبح غدا بيكا " هذا علي الأقل ، فإن المال يستطيع كل شئ والقاعدة على ما قيل إن المالك لا يسأل من أين ملك . فإذا صار المال في يد رجل فإنه يستطيع أن يتوصل بطريقة من الطرق إلي أن يصبح في عداد البكوات كأن يتبرع بالالوف من الجنيهات في أعمال البر ، وكأن يصبح من كبار رجال الأعمال ، وكأن وكأن . نعم فالمال هو المطية إلي السؤدد في كل العصور قديما وحديثا ) ورحم الله الجاحظ وأبا العلاء ، وبلل القطر تربة محمد عبده وعبد العزيز البشري ، فإنهم جميعا عاشوا وماتوا وهم شيوخ لم ينل أحد منهم لقب صاحب أو مقر " أو " بيك " ولطف الله بكاتب هذه السطور وأمثاله من المساكين ، فقد عاش إلي الآن وهو أفندي بسيط ، لأن الدنانير كانت دائما تهرب منه
