لا يزال من أمتع السمر عند الناس ذلك الذي يدور فيه الحديث تحول " الأجال " وحدودها . وكيف انه إذا جاء أجل قوم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون .
ولست أذكر مرة فتحت فيه أبواب هذا الحديث في مجلس حضرته إلا سمعت فيه العجب .
ولا يمكن لأي كان أن ينظر بعين الاعتبار إلي ما يجري حوله من الحوادث أو إلى ما يستمع من أحاديث الناس في هذا الموضوع دون أن يمتليء يقينا بأنه - حقيقة لكل أجل كتاب .
ولعله ما من أحد إلا سمع بحديث ذلك الرجل الذي قدر عليه أن يموت تحت عجلات الترام ، فلما جاء أجله وهو يسير آمنا على إفريز الطريق وسط عشرات الناس الذين
يسيرون حوله ، خرج له الترام عن ( شريطه ) وصعد إلي الأفريز . ودهمه هناك في مأمنه - دون غيره - فقضي عليه
أو ذلك الذي جلس بين يدي حلاقه ينعم بذروره وبمطوره داخل ( صالون ) فخم عليه أبواب وستائر . فلم يمنعه شئ من ذلك ولا نغمه كل ذلك حين حق عليه أن يموت في تلك الساعة نفسها تحت إحدى السيارات ، فان " السيارة الموعودة " ، اقتحمت عليه " صالونه " ، فهشمت أبوابه ثم أجهزت عليه وهو فوق كرسيه يدير لحلاقة خده الأيسر بعد أن فرغ من خده الأيمن !
وكذلك سمعنا العجب - من الجانب الآخر - حين يفر المرء من الهلاك المحقق . وحين بنجو بعمره ويخرج سالما من بين أنياب عزرائيل .
ولعل من أغرب ما يتناقله الناس في هذا الصدد حديث ذلك الخادم الذي وقف في شرفة عالية ومعه حشية ثقيلة ينفضها بعصاءه فوق سور الشرفة . وبينما هو يقلبها بين بديه لينفض منها جانبا غير الذي نفضه إذا به يختل توازنه وتوازن الحشية ، فتسقط من فوق الشرفة العالية وتجذبه معها إلي أعماق الطريق . ويشاء القدر المحتوم أن تسقط الحشية فوق رجل آمن كان يسير في تلك اللحظة مطمئنا تحت الشرفة فتكتم أنفاسه . أما الخادم المحظوظ فإنه يقع من هذا الحالق راكبا حشيته الوثيرة . فينزل إلي الأرض سالما . ويترجل عن مطيته كأنما ينزل عن " بساط الريح " !
ولقد ضمتنا منذ ليال ندرة جرى فيها ذكر هذه الأحاديث ، فقص علينا بعض الحاضرين حديثا عجبا مؤاده ان له صهرا تاجرا يتجر في الحناء . وانه نظرا لرواج هذه البضاعة في أسواق الريف فإن عملاءه متفرقون في مديريات القطر بحريها وقبليها . وانه من أجل ذلك اتخذ لنفسه
محصلا نشيطا كان ينحصر عمله في ذرع هذه المديريات من أقصاها إلي أقصاها للمطالبة والتحصيل .
وحدث ذات يوم أن قصد هذا المحصل إلي مديرية الفيوم ، وكان يركب سيارة صغيرة مع أربعة من الركاب الآخرين . ثم بدا له وهو في السيارة أن لا يضيع وقته في تقليب عينيه ذات اليمين وذات الشمال . ورأى ان يستغل الساعتين التين سيقطع فيهما طريقه في مراجعة بعض حساباته وفواتيره . فوضع حقيبته فوق ركبتيه وأخرج منها بعض دفاترة وشرع بفحص بعض ( كشوفه ) .
ولكنه لم يمض في ذلك إلا قليلا . فان هبة قوية من الريح هبقت بأوراقه المنثورة أمامه فجعلتها تتطاير من النافذة التي كان يجلس بجوارها كما لو كانت سربا من الحمام الزاجل فتحت أمامه أبواب أقفاصه . وكان لابد للمسكين من النزول . وكان لابد للسيارة المضي بركابها المتعجلين . وأخيرا تم الاتفاق على أن ينزل هو لجمع أوراقه التي شتتها الهواء العاصف في كل جانب من جوانب الصحراء التي كانت تجتازها السيارة ، وعلي أن يتابع بقية الركب طريقه ، لا سيما وأنه لم يبق على مكان وصوله هو إلا كيلومتران أو ثلاثة .
ونزل الرجل وجعل يتعقب اوراقه واحدة واحدة حتي إذا ظفر بإحداها اتجه نحو الأخرى يطاردها وتروغ منه حتى وفق آخر الأمر إلي جمعها كلها . فعاد إلي الطريق يلتمس سيارة أخرى تذهب إلي حيث كان يريد . ولم يطل انتظاره ، فان سيارة من سيارات ذلك ( الخط ) ما لبثت أن أهلت عليه فركبها وهو يسخط في نفسه على ذلك الحظ العاثر الذي صادفه في وجه يومه ذاك وكيف أنه أراد أن يدخر لحظة من وقته أو لحظتين فأضاع ساعة أو ساعتين . وبينما هو جالس في مكانه يبدى في امثال هذه الخواطر وبعيد ،
إذ رأى سيارته تخفف من سرعتها ورأى أنظار الركاب تتطلع في قلق إلي حادث وقع على جانب الطريق . فنظر
هو الآخر حيث ينظرون ، فإذا سيارته الأولى مقلوبة في منحدر وعر . وقد اجتمعت من حولها سيارات أخرى . وتبادل بعض الركاب مع شهود الحادث كلمات يستفسرون فيها عما وقع . وانجلي الحديث من أن سائق تلك السيارة كان يقودها بسرعة جنونية . وأنه لما بلغ ذلك المنحدر لم يستطع ضبط عجلته فتردى هو ومن معه ولم يبقى منهم أحد على قيد الحياة !
تلك كانت قصة زميلنا الأول . ولعلها أثارت في نفس زميل آخر ذكرى قصة شبية بها . والحديث في أمثال هذه الشئون شجون . فقال الثاني :
- لقد وقعت فوق " جسر طلخا " واقعة لعلها ابلغ في دلالتها من قصة " طريق الفيوم " .
فاشرأبت أعناقنا نحوه نستطلع منه ذلك الذي جرى فوق جسر طلخا . ومن المعروف عن هذا الجسر أنه قنطرة تربط طلخا بمدينة المنصورة . وأن وسطها معد لقطارات السكة الحديدية ، أما جوانبها الضيقة فإنها خصصت لمرور الناس والسيارات والدواب وما إلى ذلك .
قال صاحبنا : كان يركب القطار إلي المنصورة في ذلك اليوم سيد كبير وكان معه تابع يركب في نفس القطار ولكن في الدرجة الثالثة . فلما أصبح القطار فوق الجسر ولم يبق بينه وبين دخول محطة المنصورة إلا لحظات هب التابع من مكانه يريد أن يكون إلى جوار سيده في مركبات الدرجة الأولى إذا وقف القطار في محطة وصولهما ، ولكنه ما كاد يخرج من عربته لينتقل منها إلى العربة التي قبلها حتى زلت قدمه فهوى بين العربتين ، والقضبان التي يجري عليها القطار فوق الجسر لا تحملها إلا ( فلنكات ) من الخشب متباعدة بعضها عن بعضها ، وماء النهر يجري من تحتها دافقا عاليا ، إذ لم تكن للجسر في هذا الموضع المخصص للقطارات ( أرضية ) تفصله عن النهر كما في المكان الآخر
المعد لمرور الناس والعربات . فلما سقط الرجل بين العربتين صادف سقوطه تلك الثغرة المفتوحة بين كل ( فلنكتين ) فهوى من بينهما إلى النهر وكأنما كان مقدرا عليه أن يموت غرقاً في ماء النهر . فنجا من السقوط تحت القطار ونجا من الوقوع تحت عجلاته ليلقى منيته في قاع النهر ! على أن كتاب أجله لم يكن قد حان بعد ، فإنه عند وقوعه إلى النهر التقطه زورق كان يمر تحت الجسر في نفس الموضع الذي كان سقوطه فيه فتلقفه كما لو كان على موعد قديم . " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت ! " وهكذا أمكن للتابع أن يدرك سيده قبل أن يستشيط غضبا لإهماله شئونه . ولتركه ينزل وحده في المحطة دون ان يكون في شرف استقباله !
وهنا رأيت زميلا ثالثا يتحرك تهيؤاً لحديث آخر فقلت :
- بعض هذه البالغات أيها الإخوان ! فإن الإنسان ليوشك من تكرارها أن يصدقها .
فرد أحد الحاضرين بأنه شخصياً كان من رواد مجالس الإمام الكبير الشيخ محمد عبده وأنه كثيرا ما سمعه بنفسه يردد حديثا قريبا جدا من حديث ( جسر طلخا ) هذا في مجالسه كما أراد أن يستشهد على أن الإنسان لن يصيبه إلا ما قسم الله له !
فانتقلنا بأبصارنا إلي زميلنا الثالث نستمع إلي حديثه فقال :
- أذكر أني قرأت في بعض الصحف حديثا عجيبا لعله أعجب ما يمكن أن يروى في أمثال هذا المقام .
كان ذلك على ما أذكر حوالي سنة ١٩٣٠ . وقرأت في الصحيفة عنوانا غريبا يقول : " اليوم يموت آخر رجل من ثلاثين الفاً " فمضيت أقرأ المقال ، فإذا هو يروي قصة مدهشة عن ذلك الرجل وعن الآلوف الثلاثين الآخرى
الذين سبقوه . وإذا القصة قصة بركان " كراك كاتوا " الشهيرة .
" وكرا كاتوا " هذه جزيرة صغيرة تقع في بوغاز " سندا " بين جزيرتي جاوة وسوماطرة من جزائر الهند الشرقية التابعة لهولندا . وهي في طولها تبلغ خمسة اميال وفي عرضها أكثر من ثلاثة بقليل . وكان على شاطئ الجزيرة الجنوبي جبل منيف يخرج برأسه العالي كأنه مارد هائل يريد أن ينطح السماء . وكان الناس يعرفون من هذا الجبل أنه رأس بركان قديم وكانوا يعدون البركان في قائمة البراكين الخامدة . ولكنه كان في علم الله وحده من البراكين الحية وإن كان في سبات عميق .
وفي السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة ١٨٨٣ هب الراقد مذعورا من نومته الطويلة العميقة كأنما ألهيته سباط الجن . وشهد العالم من عربدة هذا المستيقظ المذعور أضخم ثورة بركانية تعيها بطون التاريخ ، فان الجبل انشق انشقاقا من مفرق رأسه إلى طرف قدمه وطار في الفضاء من وجه الجزيرة نحو ثلثيها . ولم يلبث الثلث الباقي أن طفح عليه البركان فأغرقه تحت فذائفه وحمه ، وبلغت كثافة هذا الطفح في بعض المواضع مائة قدم أو يزيد ، واستحال سطح الجزيرة إلى فلاة بشعة بعد ان كان بستانا زاهراً يعج بصنوف الحياة النباتية والحيوانات المختلفة .
قال زميلنا : - وقرأت في تلك الصحيفة أن عدد سكان تلك الجزيرة في ذلك الحين كان يقدر بحوالي ثلاثين الفا عرف منهم أنهم هلكوا جميعا لأن الثوران كان من الحدة بحيث لم يدع أي أمل في بقاء أي نوع من أنواع الحياة على البقية الباقية التي لم تنسف منها ، ولذلك احجمت البلاد المجاورة عن أن تفكر في تقديم آية معونة للجزيرة أو من فيها ، إذ لم يكن يتصور العقل أن يعيش في هذه الجحيم حتى زبانيتها !
وبعد أيام خفت الأصوات وهدأت حدة الصواعق ،
وأخذ بنجاب عن السماء ما غشاها وعاد المارد رويداً رويداً إلي رقدته الاولي . فانسد حلفه المسجور وذهبت سورته . واطمأنت مناكبه . وتعطلت أنفاسه ويرز العلماء من أنحاء الأرض يقصدون ساحته لينقبوا في أرجائها لعلهم يعرفون جديدا ، أو يكشفون سرا ثم يعرفوه من قبل .
وبينها كانت إحدي البعثات تنقب في جانب من جوانب الجبل ، إذا بأفرادها يخيل إليهم أنهم يسمعون طرقاً من مكان بعيد . فأنصتوا فإذا الطرق حقيقة ماثلة . فأسرعوا نحو مصدره يحاولون الوقوف على سره . وبعد تنقيب قليل وصلوا إلي سرداب طويل ، رأوا في طرفه رجلا آدمياً لا يزال على قيد الحياة . فعنوا به ، ونقلوه إلي مكان أمين ، وعالجوه بالطعام والشراب حتى استرد قواه .
وبسؤاله بعد ذلك عن امره حدثهم بحديثه فاذا هو رجل كان قد حوكم ، وصدر الحكم عليه بالإعدام قبل ثورة البركان بقليل . وكان قد تحدد لإعدامه صباح يوم الثوران ، فلما وقعت الواقعة ، ذهب القضاة ، واندكت محاكمهم ، وقضي الجلادون ، وتحطمت اسلحتهم . وبقي هذا المذنب وحده ليشهد مصرع القوم ، ويروي للخلف قصتهم ، وقد حكى الرجل أنه عند وقوع الكارثة كانت لا تزال أمامه بقية من طعام وشراب ، وادرك من هول الدكة التي أحسها أنه سوف يطول مقامه في حفرته التى سجنوه فيها . فدفعه تملقه بالحياة إلى أن يقتصد في هذه البقية الباقية من طعامه وشرابه ؛ فكان يكتفي في إطفاء ظمثه بأن يلعق الماء الباقي عنده بلسانه لعقا - وقد تحقق امله في رؤية الضوء من جديد ، وانتشلته تلك البعثة باعتباره الحي الباقي الوحيد بعد تلك النكبة الشاملة التى سبقت عصر القنبلة الذرية بأكثر من نصف قرن من الزمان
ولم يكن عثور تلك البعثة على ذلك اللقيط المجيب آخر ما في تاريخ هذا الرجل من الجانب . فان بعض العلماء
أشار بضرورة " التحفظ " عليه لمخابرة الدولة الهولندية في شأنه لعلها تري في أمره رأياً يهمها .
ولكن الأقدار التي لطفت به وقدرت له النجاة من البركان وثورته ، أبت إلا أن تصدر الدولة عفوها عنه ، ليس تذكارا حيا لذلك الحادث المروع . وظل الرجل بعد ذلك حيا حتى وفاه أجله في تلك السنة الى نشرت عنه الصحف فيها ما نشرت لتعلن للعالم وفاة ذلك الحي الذي عاش بعد نكبة تخطفت من حوله ثلاثين ألفا من الناس !
