الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

من سير الخالدين, عبرة من حياة مليونير

Share

سيرة جون د . روكفلر ) ١٨٣٩-١٩٣٧ ( الثري الأمريكي ، الذي أحبته الجماهير بقدر ما أنقضته !

هذه قصة جون د . روكفار الذي فنن بجمع المال وتكديه حتى أوشك اللعب أن يستعبده وحتى أصبحت حياته كفاحا ميرا في سبيل الثراء واستنباط الوسائل الجهنية مشروعة وغير مشروعة لزيادة رصيده في البنوك ، حتى لقد زعموا أنه كان " يبكي " أمر البكاء ويمرض " في الحال ١ " إذا علم غسارة حاقت ، لذا كان من أشق الأمور على حاشيته أن يتهوا إليه نبأ فشل صفقة عقدها ، بينما كان السرور والطرب يستخفانه إذا مجحت إحدي صفقاه فيرق وبغني ويلقي بقيمته على الأرض .

نعم ، فقد كان روكفار يعبد المال ولم يكن في الحياة شئ يشجبه ويطربه ويهبه القوة غير رؤية الأصفر الرنان لك أن تقول إن جمع المال عنده كان حاسة سادسة .

والحق أن التوفيق الذي لازمه في صفقاته لم يكن وليد المصادفات ، ولكنه كان عن خبرة تامة ومعرفة واسمة شاملة : ذلك أن الحياة عركته من صغره حتى مرن مرانا طويلا شاقا على اكتساب المال ، فقد ولد لأبوين فقيرين رقيقي الحال ،

فكان عليه وهو ما زال طالبا صغيرا ان يكسب ما يقيم أوده .

وإنك لتعجب إذ تعلم أنه كان من صغره يبدي شغفا فائقا بمسائل التجارة وقد تعود أن يحتفظ بنوتة صغيرة كان يسميها دفترا للحسابات الجارية ، يرصد فيه كل قرش يدخل جيبه وكل قرش ينفقه

وقد مارس أولى عملياته التجارية وهو في سن السابعة . فقد منحوه عددا من بيض الدجاج الهندي فاعتني به حتى فقس وما زال يواصل عنايته ) بالكتا كيت ( الصغار ويقوم بتغذيتها على الفضلات حتى سمنت وكبرت فباع الفراخ بمبلغ كبير ، سارع برصده في دفتره .

وقد أتم تعليمه الثانوي في سن السادسة عشرة ، ولم تكن طاقة أسرته المالية لتسمح بإرساله إلى الجامعة ، فالتحق بمدرسة تجارية لمدة أشهر مضي بعدها يذرع شوارع كليفلاند - حيث استقرت أسرته - بحثا عن عمل حتى وفق في النهاية إلى وظيفة مساعد كاتب حسابات في محزن بضائع شركة White EeTuttle

وفي نهاية الأشهر الثلاثة الأولى منحوه خمسين دولارا . ثم رتبوا له بعد ذلك خمسة وعشرين دولارا شهريا واستطاع بهمته ونشاطه أن يكسب ثقة رؤسائه ، فلما استقال كاتب الحسابات جعلوه خلفا له بمرتب سنوي قدره خمسمائة دولار ، وهو - حينئذ مرتب كبير لشاب في السابعة عشرة .

على أنه استقال بعد عام وبدأ يعمل لحسابه الخاص ، فكون مع انجليزي يدعي كلارك شركة تجارية صغيرة ) ١٨٥٨ ( تشتري البضائع السهلة التوزيع كالملح والسمك والجبس والغلال . . الخ وتقوم ببيعها لقاء ربح هين .

ونجحت الشركة الصغيرة . وكان روكفلر يجوب البلاد للدعاية لشركته ، وكسب الزبائن لها ، وكان يقترض من

اليوتات المالية آلاف الدولارات ليتمكن من تنفيذ مشروعاته .

على أن نقطة التحول في حياته ، هي اتجاهه إلى حقول البترول ، ففي سنة ١٨٥٩ نجح الكولونيل دويك في حفر بئر للبترول بولاية بقسلفانيا ، في المنطقة التى سميت فيما بعد " أويل كريك " .

وكان روكفلر في ذلك الوقت في العشرين من العمر ، فأخذ يقرأ ويدرس كل ما يكتب ويقال عن صناعة البترول ، ثم كون هو وشريكه شركة لاستخراج البترول مع استمرار شركتهما الأولى في عملها ونشاطها

وفي عام ١٨٦٥ انفصل روكفلر عن شريكه ، واستقل مع شركاء آخرين بالعمل في صناعة البترول وحدها ، ونجحت أعماله الجديدة وتدفق المال إلى جيوبه وجيوب شركائه ، ولكنه في عام ١٨٧٠ أعاد تكوين شركته بحيث أصبح الرئيس المتصرف في شئونها ، برأس مال قدره مليون دولار ، وهي الشركة التي عرفت باسم " ستاندرد أويل كومباني " واستمر نجاح الشركة في عهدها الجديد وإدارتها الجديدة التى تجمعت في يدجون د . روكفلر . وتستطيع أن تدرك صورة هذا النجاح ، إذا علمت أن الشركة ارتفع رأس مالها في فترة عامين إلى مليونين ونصف من الدولارات ، ثم عاد وارتفع في عام ١٨٧٤ إلى ثلاثة ملايين ونصف من الدولارات .

ولكن روكفلر لم يقنع بهذه الثروة الضخمة ، كان كلما ازداد تدفق المال في جيوبه ، ازدادت أطماعه وتضخمت ، وبدأ يصبو إلى مزيد من الثراء والقوة . . وأخذ يحلم بالسيطرة الكاملة التامة على سوق البترول . . وأهمه التفكير في هذا الشأن طويلا ، ثم خطر بباله حوالى عام ١٨٨٢ فكرة شيطانية جريئة لم يتوان عن تنفيذها ، وهي أن يستفيد من نظام في القانون الإنجليزي يعرف بالترست Trust  وبموجبه يمكن لشخص أن يدير أملاك شخص آخر ويضع يده عليها . . وكانت صناعة البترول يستغلها حينذاك نحو سنين شركة مساهمة مستقلة ، فما زال بطائفة منها يقنعها بفكرته ويخوفها من عواقب التنافس ، ويبين لهم مزايا مشروعه وفوائده حتى استمالهم ، ووافقوا على فكرته ، وهي تفضي إنشاء " نقابة مالية " يتنازل إليها مساهمو الشركات ) التي قبلت الدخول في مشروعه ( عن أسهمهم ويعطونها

لأعضاء النقابة ، على أن يتسلموا بدل الأسهم شهادات إيداع ، وهذه الشهادات تعطيهم الحق في الحصول على الأرباح ، ولكنها تسلبهم حق التدخل في إدارة الشركة التى ستصبح من نصيب النقابة المالية . وهذه بدورها ستخضع لأقوي أعضائها نفوذا وثراء وشخصية . . .

ومكن هذا النظام روكفلر أن يجمع في قبضته الجزء الأكبر من صناعة البترول .

وورع منتجو البترول في أنحاء أمريكا حينما سمعوا بتكوين " ترست روكفلر " لانه كان خطرا داهما سيؤدي إلى اكتساحهم من سوق هذه الصناعة ، فإن شركة روكفلر بتكوينها الجديد أصبحت قادرة على تذليل كثير من العقبات التى كانت تقف في سبيلها ، فاستطاعت تقليل نفقات الإنتاج ، ثم تغلبت على صعوبات النقل بعد توافر الأموال لديها ، فمدت أنابيب البترول على مسافة قدرها ١٥٠٠٠٠٠ ك . م فحققت بذلك اقتصادا كبيرا في نفقات النقل بلغ نحوا من ستين في المائة . . . كما استطاعت أن تتحكم في أثمان البترول ، وبالتالي في المستهلكين .

ثم عمد روكفلر لتحقيق أطماعه إلى ما هو أدهي من ذلك ، فأنشأ شبكة من الجاسوسية تترصد أنباء الشركات المنافسة ، فإذا علم بأن شركة ما سترسل كمية من البترول إلى جهة ما أسرع الترست فأمر بإرسال كمية أكبر إلى ذلك المكان حتى تفضي على منافسها . . وإذا علم بأن شركة ما حددت سعرا معينا للبيع في جهة ما ، تعمد الترست إلى تخفيض الأسعار التي تبيع بها في هذه الجهة . . وهكذا .

وبذلك أمكن لركفلر أن يحتكر سوق البترول ، وأن ينصب نفسه ملكا على صناعته ، حتى لقد تراوحت ثروته عام ١٨٩٢ بين خمسمائة مليون وألف مليون دولار !

وجلس روكفلر على عرشه يخير الشركات المزاحمة المسكينة بين أمرين : إما الاندماج في شركته أو الموت بالمنافسة ، ولم تكن تأخذه على أعدائه ومنافسيه ذرة من الشفقة أو العطف . . كان شعاره حطم أعداءك قبل أن يحطموك . . فسلك في سبيل ذلك كل وسيلة شريفة وغير شريفة ، حتى إنه لم يتورع عن تقديم الرشوة إلى بعض أعضاء البرلمان الأمريكي الساخطين عليه ، حين علم بأنهم قد بدأوا يتحركون ضده . . فقد كان جمع المال همه الأكبر ، فلم يتحرك قلبه للمساكين الذين خربت بيوتهم ، والعمال الذين تشردوا

في الآفاق بعد إغلاق مصانعهم ، والمستهلكين العزل الذين فرض عليهم الأسعار التي توافقه وتوافق مصالحه ومصالح جيبه

وضح الناس بالشكوي من هذا المجير الذي لا يرحم ، وفاضت انهار الصحف بالمقالات التي تهاجمه وتقدح فيه . ووصفوه باللص والمحتال وسفاك الدماء وأخذ يتلقي فيضا من رسائل التهديد بالقتل حتى لقد اضطر لاستئجار حراس أشداء لحراسته

كما تحركت الحكومة الأمريكية تحت ضغط الرأي العام ، وضغط الحالقين عليه وقدمته للمحاكمة بتهمة الاحتكار الذي يحرمه القانون الأمريكي . وقد استمر عرض قضيته أمام القضاء خمس سنوات كاملة ليقول فيها كلمته . والتي وصفت روكفلر بالاحتيال والنصب والاحتكار

وتهاوي الشيخ المحتال - وكان قد نيف على الخمسين - أمام هذه الضربات المتلاحقة ، وبدأ يحس بالخوف والقلق يعصفان بحياته ويحولان سعادته وطمأنينته وهما وسرابا ، فمرض مرضا طويلا . وأصيب بتساقط شعر الرأس وعسر الهضم ، وأصبح غذاؤه - وهو المليونير العريض الثراء - لا يعدو مقدارا من اللبن وقليلا من قطع البسكويت . . ودق جسمه ونحف حتى بدا وكأنه هيكل عظمي مغلف بالجلد

وخيره أطباؤه بين الموت أو اعتزال كل عمل إداري أو فكري أو جسماني . وقد فضل الاعتزال فاستقال من رياسة شركاته وأخلد إلى الراحة التامة .

وكانت هذه العزلة خيرا  و بركة على روكفار ، وعلى العالم أيضا . . ففي هذه العزلة حدث لروكفار أغرب تحول يمكن أن يحدث لإنسان . . فقد انقلبت آراؤه وأفكاره وتطورت تطورا غريبا غير متوقع وانقشع عن ذهنه هذا الكابوس الزائف ، الذي اقض مضجعه وأفسد حياته ، وملأ الدنيا حوله مقتا وعداوة وبغضاء وأعني به كابوس الذهب . . لقد بدأ يدرك أن السعادة لا تشتري بالمال . . وأن صحة البدن وراحة البال والضمير خير وأبقي . . فقرر منذ ذلك الحين أن يكف إلى الأبد عن التفكير في كيفية زيادة رصيدة أ . وخرج على العالم من عزلته بأغرب اختراع فريد في نوعه . . ألا وهو جمعية للبر تتولى إنفاق أمواله على وجوه الخير .

ومع ذلك فقد أوجس للناس - ولهم الحق - خيفة

من هذا المشروع ، وظنوه حيلة من حيل الشيخ المريض لاستدرار عطف الناس عليه ، ولكنهم كانوا جميعا مخطئين ، فإن الشيخ قد تطور حقا ففي سنة ١٩٠١ أسس " معهد روكفار للأبحاث الطبية وقد انفق في إنشائه حوالى ستين مليون دولار ، وغرضه إجراء الأبحاث العلمية لوقاية العالم عائلة الأمراض الخطرة والأوبئة الفتاكة ، كالسل والحمى الشوكية والأنفلونزا  والملاريا . . الخ ، ولا تزال هذه المؤسسة قائمة إلى الآن . وقد انتشرت فروعها في كافة أنحاء الدنيا ، تنشر الصحة والسلامة لملايين البشر وتقدم لهم خير العقاقير كالأعجوبة التي ذاع صيتها أخيرا : البنسلين .

وفي عام ١٩٠٢ أنشأ روكفار " مجلس التعليم العام " لترقية التعليم في كافة أنحاء الولايات المتحدة دون تفريق في الجنس أو اللون أو الدين ، وقد كلفه خمسين مليون دولار .

وفي عام ١٩١٣ أسس " مكتب الصحة الاجتماعية " الذي كلفه ثلاثين مليونا ونصف مليون من الدولارات وكذلك ) مؤسسة روكفار " التي جعل شعارها ) العمل على رفاهية البشر في كافة انحاء العالم ( والتي كلفته وحدها ما ينيف على ١٨٢ مليونا من الدولارات .

*  ولما ماتت زوجته أقام في ذكراها معهدا لرعاية أحوال الأطفال والنساء الاجتماعية والصحية والتعليمية ، وكلفه إنشاؤه ٧٥ مليون دولار ، كما أعان جامعة شيكاغو بمبلغ ٢٣ مليون دولار . . الخ

وايست هذه الأرقام أرقاما خيالية ؛ فهي حقيقة واقعة ، وهي تعطينا فكرة صادقة عن الانقلاب المبارك في حياة المليونير الكبير

أما ركفار فقد عاش في أمان وسلام ، وأحس برد الراحة والطمأنينة ، واسترد صحته ، وذهب عنه التوجس والخوف اللذان أفسدا حياته ، ومد الله في عمره فعاش ثمانيا وتسعين عاما ، فلما استجاب لداعي ربه بكنه الملايين في أمريكا وانحاء العالم .

ألا ما أكثر العبر التي تستفاد من سيرة جون د . روكفار ، ولكن لعل أجلها وأعظمها أن سعادة المال وهم باطل ، وان متاع الحياة في راحة النفس والصحة وفعل الخير .

اشترك في نشرتنا البريدية