من المسلم به أن كتابات فولتير وجان جاك روسو تعتبر الدقات الأولى للمعاول التى هدمت صرح الملكية الاستبدادية في فرنسا ومهدت الطريق إلى عهد الحرية والإرخاء ، والمساواة كما سمى عهد الثورة الفرنسية .
وقد عاصر فولتير روسو ، بل إنهما ماتا في عام واحد وإن كان الأول قد سبق الثاني إلى الدنيا بنحو ثمانية عشر عاما ، ومع اتحاد أهدافهما في مقاومة الظلم والعدوان فلم تكن العلاقات بينهما على ما يرام ، وليس هنا مجال الدخول في تفصيلات هذا الخلاف المؤسف ، ولكن جدير بنا أن نذكر ان الكاتبين العظيمين كانا على طرفي نقيض ؛ فروسو كان شخصا حييا خجولا يميل إلى العزلة والوحدة ، في حين كان فولتير جريئا اجتماعيا كثير الأصدقاء
ولعل وجه الشبه الوحيد بينهما - إن اعتبر كذلك - هو ذلك القلق الدائم والخوف المستمر الذي لازم حياتهما واستبد بهما فقد عاشا في عصر ينكر عليهما التفكير السليم والنقد النزيه ، ويطلب منهما أن يكفا أفلامهما ، وبقضا أبصارهما عن المظالم والمساوئ . ويجعل ضريبة الشجاعة الأدبية والتفكير الحر : الاعتقال والاضطهاد والسجن والنفي .
لذلك عاش أدبيانا الكبيران في قلق وخوف مقيمين ، فلم يستقر لهما قرار . حتى لقد ظل روسو ( ١ ) ينتقل من بلد إلي بلد ومن حام إلى حام ، كذلك فصل فولتير - كما سنري - حتى لقد ظل ستين عاما من حياته يسكن بيوت غيره ؛ لا يكاد يشعر بالأمان والسلام ، على أنه إذا كان قد اقتقد الأمان والسلام ، فإنه قد جعل حياة أعدائه جحيما لا يطاق باوازعه وسخرياته التي كانت تنهال على رءوسهم كوابل من المطر ؛
نعم ! فقد جعل مهمته - مدى نصف قرن من الزمان - ان يمزق بالفكاهة والسخرية ، الخرافات والأقنعة الزائفة التى كانت تستر النظم السياسية والاجتماعية السائدة في عصره .
سمع ذات يوم أن الوصي على عرش فرنسا باع نصف الجياد في اصطبلات الملك ، فعلق على الخبر ساخرا "كان أفضل لو عزل نصف الحمير الذين يملأون البلاط الملكي ! "
وقد بدأ هذا الساخر الأكبر حياته بمزحة . فقد ولد نصف مائت وقدر له الأطباء أربعة أيام في الحياة ، ولكنه سخر منهم وعاش أربعة وثمانين عاما !
وختمها بمزحة ، فحينما كان على سرير الموت جاءوه يقس ليعترف له ، فسأله ؛ من أرسلك ياسيدي الأب ؟ فأجابه رجل الدين : "الله يامسيو فولتير" فرد عليه : " آه . يا سيدي العزيز ، وابن هي أوراق اعتمادك ! "
كان نحيفا كأنما هو هيكل بشري ، طويل الأنف ، وبوجهه آثار جدري وله عيون ساخرة ، دقيقة كالخرز ، وهو على العموم قبيح الشكل ، وبرغم أنه كان عليلا ودائم الشكوى من صحته فقد كانت له قوة احتمال فائقة .. وقد كان إلى جانب حيويته النفسية والجسمانية شديد الذكاء فقد استطاع وهو في الثالثة من عمره أن يحفظ عن ظهر قلب ، خرافات لافونتين وقصيدة "الموسويات" وسيكون لهذه القصيدة التى تعرضت بالسخرية والذمة لكافة الأديان أثر كبير على أفكار فولتير الدينية .
وكان والده الروحي ( بالتعميد ) الأب شانونف كثير الفخرية ؛ دائم التنويه بذكائه ، فذكره لصديقته العجوز تيتون دي لنكاو وهي غانية في الثمانين من العمر ، فطلبت منه أن يقدمه إليها ، وقد أوصت له عند وفاتها بمبلغ من المال ليشتري به كتبا .
وفي العاشرة ألحقه والده بمدرسة يسوعية هي مدرسة لويس لجراند louis le grand حيث ادهش أساتذته بسرعة خاطره وذكائه المفرط . وكان عمله المدرسي موقفا على أحسن ما يتمني والد لولده .
ولما بلغ الثانية عشرة كان يفرض الشعر بسهولة وبغير عناء وكان والده سعيدا بنجاح ولده فخورا بذكائة ، لذلك شعر - وكان مسجل عقود شهير - بخيبة أمل مرة عندما أعلنه صغيرة أنه يريد أن يكون كاتبا .. فقد كان يري "أن مهنة الأدب لاطائل وراءها ، وتؤدي بصاحبها إلى الموت جوعا " .
لذلك ارسله عقب تخرجه من مدرسة لويس لجراند وكان في السادسة عشرة إلى مدرسة للقانون على أمل أن يثنيه عن عزمه ويصبح من رجال القانون ، ولكنه أهمل دروسه وخصص أوقاته لفرض الشعر والمطالعة والحب .
وكمحاولة أخيرة من والده اشتري له منصبا قضائيا ، ولكنه رفضه بإصرار : "لا أريد لنفس مهنة غير مهنة الأديب ".
وفي أواخر عام ١٧١٣ اختبر الأب شانونوف ممثلا لفرنسا في هولندا فاختاره ليكون وصيفا ضمن حاشيته .
وبدأ فولتير حياته في الخارج بأن أصبح عاشقا ! إذ التقى في لاهاى بفتاة جميلة تدعي أولمب . وهي ابنة سيدة أفاقة تحترف بيع الكتب والصحافة .
غير أن الأم لم توافق على هذا الحب . ففولتير كان انذاك رقيق الحال ، وهي ترغب لفتاتها عاشقا ثريا ، فبذلت جهدها للتفريق بينهما ، واشتكته للسفير ، الذي اضطر أمام تهديداتها إلى إعادته إلى باريس .
وفي عام ١٧١٥ توفي لويس الرابع عشر وتولي الوصاية على العرش الدوق فيليب دورليان . فاستبشر الناس بالعهد الجديد خيرا ، فقد كان المعروف عن الوصى الجديد أنه رجل طيب القلب يحب الحرية حبا عظيما ، وشمر الشاب فولتير عن ساعده وكتب قصيدة نقد لأذع في الوصي الحر ؛ فكان جزاؤه أحد عشر شهرا في سجن الباستيل .
وفي السجن اتخذ اسم فولتير ، وفيه كتب أولى أعماله الأدبية : المنرباد وهي قصيدة قصصية طويلة عن هنري الرابع النافري .
وكانت العادة حينذاك أن يتبع السجن بالإبعاد عن
باريس فترة من الزمن ، فدعاء الدوق دي بثين bethene إلى قصره بسولى ، فقبل الدعوة على الفور ، فإن السجن قد هد صحته وأضعفها على ضعفها الأول ، وشعر أنه في حاجة إلي هواء الريف النقي .
وفي سولى التقي بمدموازيل دي ليفري ، وهي فتاة تعد نفسها للمسرح ، فأحبها وأصبح عشيقها وقد كتب لها طائفة من المسرحيات لتمثلها .
وفي فترة نفيه عن باريس أخرجت مسرحيته "أوديب " وقد استمر عرضها أكثر من أربع وخمسين ليلة متتالية ، وهو نصر لم تعرفه مسارح باريس حتى أيام راسين وكورني .
على أن هذا النجاح الكبير لم يكن راجعا إلى المسرحية ذاتها ، ولكنها الأحداث التي أحاطت باسم فولتير من سجن ونفي وما شاع على الألسنة من أن هذه المسرحية ، إنما كتبت تحريضا بالوصي الفاضل الذي قيل إنه زل مع ابنته .
على أية حال فقد لاقت أوديب - التي تجرأ قولتير وأهداها إلي زوجة الوصي! - إقبالا منقطع النظير وأكسبته صيتا ومجدا وشهرة .
ولا شئ ينجح كالنجاح ، فقد عفا عنه الدوق ومنحه نوطا ورتب له معاشا .
ثم مات والده أرويه مخلفا له ثروة كبيرة لم يلبث أن بددها في مشروعات خيالية ، لذلك فكر في نشر "الهنرياد" وطلب الإذن بالنشر ، ولكن الطلب رفض لأنها تعرضت لمسائل دينية رقيقة ، فطبعها سرا في روان ١٧٢٣ وأشرف بنفسه على إخراجها . وفي أثناء ذلك مرض بالجدري واشتد مرضه حتى أوشك الموت ان يطرق بابه ولكنه عوفي ، وإن كان المرض قد ترك آثاره على وجهه .
ثم وجد فولتير نفسه مرة أخرى في الباستيل ، فقد تشاجر مع الشيفاليه دي روهان في دار الأوبرا لسبب غير معلوم على وجه الدقة .
وذات يوم وكان في ضيافة الدوق دي سوللي استدعي إلى الخارج فإذا به يفاجأ بخدم دي روهان ينهالون عليه ضربا فاستشاط فولتير غضبا ودعا غريمه إلى المبارزة ، وفي اليوم الذي كان محددا للمبارزة قبض عليه وأودع السجن . لقد خشي دي روهان أن يكون سيف فولتير حادا حدة لسانه فطالب بحماية مدير البوليس .
ومكث في السجن أسبوعين ثم أفرج عنه بناء على طلبه على أن يغادر فرنسا ، وغادرها فعلا إلى انجلترا ووصلها عشية الاحتفال بعيد ميلاد الملك .
وفي انجلترا وجدت عبقريته متنفسا ، وقد استطاع أن يتعلم اللغة الانجليزية بسرعة ولم يمض عليه عالم وبعض عام حتى امتلك ناصية آدابها واستطاع أن يتفهمها ويتذوقها . وقد أعاد نشر المحتويات خلال ) إقامته في انجلترا وكسب من ذلك مالا طائلا وقد أهدى هذه الطبعة إلى الملكة كارولين ملكة انجلترا .
وفتن فولتير بالحرية الفكرية السائدة في هذه البلاد ، حتى لقد فكر في إقامة دائمة بها . كتب إلي أحد أصدقائه الفرنسيين يقول : " في هذا البلد يستطيع الإنسان أن يستخدم عقله بحرية ودون خوف . ولو أني استجبت لعواطنى لأقمت هنا ، على الأقل لأتعلم كيف أفكر . "
وفي انجلترا تعرف فولتير بجوناثان سويفت مؤلف رحلات جلفر ، وقد اعجب به فولتير وأحبه وكان يسميه " رابليه انجلترا " وعندما ظهرت قصته جلفر شغل بنقلها إلى الفرنسية ، ومن المعروف أن قصة فولتير micromegam (الضئيل الكبير ) مستلهمة من قصة سويفت.
وفي انجلترا أيضا كتب كتابيه : تاريخ شارل الثاني عشر ، والرسائل الانجليزية أو الفلسفية . وفي هذه الرسائل حاول أن يقابل الحرية الانجليزية بالعبودية السائدة في فرنسا في قالب من السخرية والفكاهة . فأبان حكمة النظام الإنجليزي "الذي يترك الملك كامل السلطة لفعل الخير ولكنه يغل يده عن اقتراف الشر " ، وأثنى على مجلس العموم وامتدح نظام الضرائب " كل شخص يدفع ، ليس تبعا لطبقته الاجتماعية بلي تبعا لدخله " وأبدي اهتماما بالحالة السعيدة التي عليها الفلاحون البريطانيون بالمقارنة إلى زملائهم المساكين من الفلاحين الفرنسيين : " إن أقدام الفلاح الإنجليزي . ليست مرضوضة من جراء الحذاء الخشبى ، فهو يأكل خبزا أبيض ويرتدي هنداما لا ئقا ، ولا يتردد في تغطية سطح منزله بالقرميد ، خشية أن يرفع حياة الضرائب ما يدفعه في العام القادم ! " وامتدح فولتير فوق هذا حرية القول السائدة : " لأي شخص الحق في أن يتكلم جهرا وعلانية ... أو أن يطبع آراءه في المسائل العامة".
ولكنه برغم إعجابة بانجلترا فإنه شعر بالسعادة عندما ألقي أمر نفيه وسمح له بالعودة إلى فرنسا ، فإن الضباب اللندنى تسرب
إلى عظامه ، وكان مشوقاً إلى مد أطرافه الذاوية فى دفء الشمس الباريسية : "إنى أحب انجلترا ولكني مع ذلك أود أن أعيش في باريس".
وعاد فولتير إلى فرنسا في عام ١٧٢٩ وأقام في سان جرمان بعض الوقت ، ومنها كتب إلي الوزير موريا يرجو منه أن يسمح له " بجر اغلاله إلي باريس " .
وهكذا عاد فولتير إلي باريس بعد غيبة ثلاثة أعوام ، ولكن إقامته لم تطل فيها ، فلم يلبث أن وجد نفسه يغوص من جديد في مشكلات ، فقد توفيت في عام ١٧٣١ الممثلة العظيمة " أدرين ليكوفرير " وكان فولتير شديد الإعجاب بها ، فلما رفضت الكنيسة أن تقام لها الطقوس الدينية المعتادة ، استشاط غضبا ، ونظم قصيدة قدح وهجاء ، اعتبرتها الكنيسة كفرا وإلحادا ، فاضطر إلى الفرار إلى روان ، وهناك باشر سرا نشر رسائله عن الإنجليز ، ولكن إحدى النسخ وقعت في يد مسئول حكومي فتألبت عليه قوات البوليس وصادرت الكتاب ، وقرر البرلمان في العاشر من شهر يونيه ١٧٣٤ إحراقه وقبض على الناشر وأودع سجن الباستيل وصدر أمر بإلقاء القبض على فولتير .
ولم تكن لدي فولتير أدنى رغبة في العودة إلي الباستيل ، فالتجأ إلى قصر مدام دي شاتليه في سيري ، وهي بلدة على الحدود على مقربة من دوقية اللورين . وقد تعرف فولتير بها في عام ١٧٣٣ ، وهي ليست من ذوات الجمال الطاغي - بل إن هناك من وصفها بالقبح - ولكنها كانت ذات شخصية رائعة ومثقفة ثقافة علمية عالية راقبة شديدة الشغف بالعلوم التجريبية وخاصة الطبيعة .
وكانت ذات طبيعة شهوانية حادة ، ومزاج ناري عنيف . تقضي أغلب أوقاتها في حجرة مكتبها وأصابعها ملوثة بالمداد . مؤتزرة ( بفوطة ) قديمة سواء مما يلبس لوقاية الثياب ، تنقب عن أسرار الكيمياء والطبيعة والفلسفة ، والرياضيات . وكثيرا ما تمضى الليالي بطولها ترقب السماء خلال تلسكوبها . أما أوقات فراغها فكانت تشغلها بترجمة كتاب نيوتن principia وقصيدة الإنيادة لفرجيل .
وكانت المركيزة دي شاتليه حين دخل فولتير حياتها زوجة وأما لثلاثة أولاد وفي السابعة والعشرين ، بينها كان هو يكبرها بأحد عشر عاما ، أما زوجها فكان بعيدا عن قصره مع فرقته في الميدان .
وقد عاش فولتير في كنف المركيزة أربعة عشر عاما كان فيها سيد القصر وعشيق ربته .. .
وقد جرى فولتير وعشيقته خلال عشرتهما الطويلة على نظام دقيق ، فهما ينهضان في ساعة مبكرة من الصباح ، حيث يعملان كل في غرفة مكتبه حتى ينتصف النهار ، فيتناولان طعام الافطار ثم يعودان إلى عملهما حتى وقت الغداء. وبعده يدعو فولتير ضيوفه إلى بعض محادثات عابرة في الرواق المؤدي إلى مكتبه لمدة نصف ساعة ، ينهض بعدها وينحني لهم إيذانا بالإنصراف فيعودون إلى غرفهم ، وهم - أي الضيوف - مطلقو الحرية بعد ذلك في تسلية أنفسهم كيفما يشاءون .
أما فولتير والمركيزة فلا يظهران بعد ذلك إلا وقت العشاء فيجلسان إليه مع ضيوفهما ، وقد استطالت شهرة هذه الجلسات التى كان فولتير روحها وتجمها ، يرسلهم في عواصف من الضحك المتصل بطرائفه ولواذعه وأقاصيصه الساخرة وتمثيلياته الضاحكة
وقد طابت لفواتير عزلته في سيري ، حتى إنه وعي في عام ١٧٤٠ إلى بلاط فردريك الاكبر ملك بروسيا ولكنه رفض . وفي سيري كتب مسرحيته أليز ومسرحية محدو وهي مسرحية سوقية تافهة مليئة بالمطاعن على النبي الكريم وهي التي أهداها إلى البابا ، ذلك أنه كان دائب السعي للحصول على عضوية المجمع الفرنسي ، ولكن الأساقفة والأتقياء من الأعضاء كانوا يقفون في سبيل لأحاجبه المقزعة في الدين ، فلم يجد ما يطيب به خاطرهم إلا أن يكتب هذه المسرحية ... وقد أرسلها رأسا إلي البابا الذي كتب له بإعجابه وحث له بالغفران والبركة البابوية ... وهكذا لم يجد المجمع بدا من تعينه في المكان الذي خلا بوفاة الكردينال توري ( في ٩ مايو ١٧٤٦ ) .
وفي هذه الفترة من حياته كتب طائعة من القصص الرائعة المسلية ؛ ممنون ، سكر منتارو ، البريء ، زاديج ، العالم كما يسير ، ميكروميجاس ، كما وضع مسرحيته ميروب وكتب جانبا كبيرا من رسالته من الأخلاق وتاريخه عن عصر لويس الرابع عشر ، واشترك مع مدام دي شاتليه في وضع رسالة عن نظام نيوتن .
وقد استطاعت المركيزة بنفوذها ومعونة أصدقائها أن تصغي ما كان بينه وبين البلاط . وان تحصل له على عفو منه ، وبذا استطاع فولتير أن يعود إلى باريس ، ثم اصبح بمساعدة مدام دى بمبادور محظية الملك لويس الخامس عشر ، المؤرخ الرسمي للبلاط (١٧٤٥ ) .
وذات مساء دخل فولتير علي مدام دي شاتلية دون ان يعلنها بقدومه ، فوجدها في احضان شاب يدعي سان لامبير ، وهو ضابط وسيم تعرفا به في بلاط حاكم المورين ، فخرج حانقا غاضبا وفي نيته أن يغادرها إلى الأبد ، ولكنها لحقت به واعتذرت له وطبيت خاطره وذكرت له انها لا تزال مقيمة على حبه ، ولكنه أى فولتير أصبح الآن ضيف الصحة ولم يعد قادرا علي القيام "بواجباته نحوها" وعلى ذلك فلا يحق له أن يغضب إذا تولى عنه أحد أصدقائة "هذه المهمة" ، والغريب أن فولتير اقتنع بهذه الحجة "الوجيهة ! " وصفت نفسه ، ولم يمض زمن طويل حتى أعلنته حبيبته أنها حامل وأبدت جزعها للملك ( إذ كانت حينئذ في الرابعة والأربعين ) .
وقد حدث ما كانت تخشاه وتوفيت في اليوم السادس من ولادة الطفل ( ١٧١٩ ) وكانت وفاتها صدمة قاسية لفولتير ، الذي طار جنانه وصوابه لعقدها ، فبكى بكاء مرا طويلا وتملكه اليأس وحطمه الأسي .. وبقي أياما لا يكاد يصدق أنها ماتت ، وانها بعد هذه العشرة الطويلة الرائعة ستختفي من حياته .. وطاردته الذكريات وهو يتجول في أنحاء القصر الذي ضمه وضمها أربعة عشر عاما ، فقرر أن يفر من ذكرياته إلى باريس .. ولكن شيئا هائلا كان يدوي في أعماق نفسه ، لقد كانت وفاة مدام دي شاتلية نقطة تحول هامة في أفكاره وارائه ، وبدأت نظرته المرحة إلى الحياة تتبدل وتميل إلى الكآبة .
فلما جاءت الأنباء عام ١٧٥٥ بأخبار الهزة الأرضية في لتبونة ، وبوفاة نحو من ثلاثين ألف شخص في هذه الكارثة ، فاضت نظرته قتامة وامتلأت نفسه تشاؤما ، وبدأ يدرك أن الحياة أكثر من أن تكون موضوعا لنكتة جميلة أو ضحكة ساخرة .
وبينما كانت هذه الثورة الفكرية تجري في ذهنه ، ظلت حياته على قلقها ، فقد عاود فردريك دعوته إلى بروسيا فرحل إليها في ١٥ يونيه ١٧٥٠ وامتدت إقامته هناك ثلاث سنوات لم تكن موقفة من كافة الوجوه ، فإن فولتير لم يشأ أن يقنع بمركزه كمثقف لعقل مولاه ، بل اشتغل بالتجارة وعمد إلى جمع ثروة كبيرة بوسائل كانت في بعض الأحيان غير شريفة ، كذلك حاول أن يتدخل في الشئون السياسية للبلد ، حتى انتهى الأمر بين الصديقين بالقطيعة ؛ ورحل
فولتير علي ألمانيا نهائيا في ٣٦ مارس ١٧٥٣ متوجها إلي سويسرا حيث اشترى دارا في لوزان وأخرى في جنييف دعاها دليس delice ( أي النعيم ) ثم قصرا ثالثا في فيرني ( ١٧٥٨ ) على التخوم الفرنسية السويسرية .
وهكذا لأول مرة في حياته يسكن دورا يمتلكها ! وهو الآن في الستين بريد أن يعيش بقية أيامه في عزلة هادئة ، ورفاهية كاملة ، فأثث قصوره تأثيثا فاخرا ، واستدعي ابنتى أخته للاقامة معه .
ولكن أي عزلة هادئة ! إن حياته في فيرني التي امتدت نحوا من عشرين عاما لم تعرف خمودا ولا راحة ، بل كانت شيئا عجبا ، فإن فولتير في ذلك الوقت قد أصبح بإنتاجه الوفير ، صحفيا بغير جريدة ، فقد نشر طوفانا من الرسائل والكتب والمقطوعات والنشرات ، وجميعها موجهة ضد كافة أنواع المظالم الاجتماعية والتعصب الديني الأجوف ، وكان يتفنن في إذاعتها على الناس بكافة الطرق والوسائل .
وأصبح قصره في فيرني معقل الدعوة للحرية ومركز الدفاع عن المظلومين ، ليس في فرنسا فحسب ، بل في العالم أجمع . وحسبنا أن نشير إلى قضية كالاس وهو والد بروتستانتي انهم ظلما يقتل ولده لأنه أراد اعتناق الكاثوليكية ، وكان الاتهام ظاهر التلفيق . ولكن القضاة حكموا عليه بالموت .. ووصل فولتير خبر القضية فتوفر علي دراستها ، ولما تيقن من براءته نهض للدفاع عنه وظل يكتب في إصرار وعناد ويهاجم القضاة القساة حتى آثار عليهم الرأي العام ، وكان أن أعيدت المحاكمة وألغي الحكم في ٩ مارس سنة ١٧٦٦
وكان هذا النصر بالغ التأثير في نفوس الجماهير الذين أخذوا ينظرون إلى فولتير كحاميهم ومنقذهم ، وتوجهوا بأبصارهم إلى فيرتى حيث يقيم فيلسوفهم كإله على عرشه يقرءون ما يكتب ويذيعون ما يقول .. لقد أصبح زعيما ..
ولم يقف نشاطه في فيرتى عد هذا الحد ، بل شيد مصنعا للجوارب الحريرية والدنتلة ومصنعا لصناعة الساعات ، وكان يشرف بنفسه على أعماله التجارية ، وقد حول جزءا ضخما من مكاسبه إلى عماله ، فبني لهم منازل مثالية وأصلح أراضهم وشيد لهم كنيسة نقش عليها هذه العبارة " بناها فولتير لله" لأنه رغم ارائه في الأديان كان مؤمنا بمنح
الآخرين حرية العبادة .. حتى أصبحت فيرني - في أيامه - بلدة غنية سعيدة .
وفي فيرتي أتم رسالته عن الأخلاق وتاريخ بطرس الأ كبر وأعد قاموسه الفلسفي .. كما كتب طائفة من القصص الواقعية العميقة كأميرة بابيلون . وجانو وكولان ، والثور الأبيض .. وكتابه الخالد كانديد (١٧٥٩ ) الذي يمثل قمة أعماله الفكرية .. وفيه تليدي نظرته الجديدة إلى الحياة . ويتبين الانقلاب الخطير الذي أشرنا إليه ، فهو في كانديد متشائم متطير ، وهو يبرهن في كتابه أن العالم الذي نعيش فيه هو أشد العوالم سوءا .. وما أظلمه من موضوع لقصة ساخرة .. لقد فارقه تفاؤله ..
ومات لويس الخامس عشر وهو لا يزال يعيش في فيرتي ، واشتد شوقه إلى زيارة باريس ، خاصة وأنها كانت تستعد لإخراج مسرحيه إيرين ٤irene (١٧٧٧) آخر أمجاده الأدبية .
ففي الخامس عشر من فبراير ١٧٧٨ غادر فبرتي ، فلم يكد الناس يعلمون خبر قدومه حتى سرت موجة من الفرح الطاغي في أنحاء باريس ، فلما خرج لشهود مسرحته استقبله الناس استقبال الفاتحين وتكالبوا من كل فج على رؤيته وازدحمت الشوارع بجمهور غفير اتي من انحاء باريس لتحيته ، ولما دخل المسرح استقبله دوي هائل من التصفيق ، ثم أصرت الجماهير على تتويجه فارتفع الستار في السرح عن تمثال له ، ثم تقدم إليه الممثلون يضمون واحدا بعد الآخر أكالليل من الغار على رأسه ، والجمهور يصبح في كل مرة " الشعب يقدمها لك يا فولتير " .
وفي خروجه من المسرح حملته النساء والرجال على أكتافهم إلى القصر الذي ينزل فيه ... فلم يكن هذا نصرا بل كان غزوا .
وظل أسابيع يطوف بالمدينة وقد أنسته حماسة النصر ، ضعف صحته ، فأبدي نشاطا لا يناسب شيخا في الرابعة والثمانين .. وكان لهذا أثره فمرض مرضا موجعا قصيرا ، وفي ٣٠ مايو ١٧٧٨ غابت شمسه .
