الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 230الرجوع إلى "الثقافة"

من سير الرحلات :، إلى دير الأنبا أنطونيوس

Share

ساد مصر في القرنين الرابع والخامس للميلاد عصر تمسك ورغب فريق من أهل البلاد في حياة العزلة والتقشف ، فهجروا المدن واعتزلوا العالم وحلوا إلي الوحدة للعبادة والتأمل ، فسكنوا الجهات الثنائية من الصحراء وشيدوا فيها مع الزمن المعابد والأديرة - ومن أقدم هذه الأديرة بمصر دير الأنبا أنطونيوس . ويقوم هنا الدير في بقعة ثانية مجهولة غير مطروقة . في وادي العربة العظيم وسط الصحراء الشرقية ، على سفح جبل شامخ

يرفرف عليه السكون . ويحيط سور طويل عريض . تطل من خلفه اشجار السرو والنخيل والزيتون . وابراج الكنائس . وقباب الصوامع ووادي العربية يحصره جبلان عاليان هما القلالة البحرية في الشمال والقلالة القبلية في الجنوب . ويقع في طرف دلتاه على خليج السويس رأس الزعفرانة ، حيث يوجد في الوقت الحاضر فنار الزعفرانة المعروف .

وقد قمنا في شهر ديسمبر سنة ١٩٣٢ برحلة إلي الدير . ولا أدري الآن وقد انقضي علي قيامنا بهذه الرحلة عشر سنوات كاملة كيف أمكننا الوصول إليه سالمين - كما لا أدري كذلك لماذا خالفنا نصيحة الرجل الطيب

المجرب صول الهجانة بنقطة المعصرة في ذلك الوقت ، فقد قال وهو يحذرنا عقبة هذه المجازفة إنكم لقادمون على رحلة طويلة شاقة ، فالمنطقة بين حلوان والدير صحراء جرداء ، يغطي سطحها رمال تغوص فيها عجلات السيارات وترتفع في أرجائها سلاسل من جبال وتلال تذهب طولا وعرضا في جميع الجهات يخترقها وديان واخاديد لا حصر لها ، يضل في مسالكها الهجان الخبير ، وستعوق تقدمكم كثبان الرمال ، ورخاوة الأرض في بطون الوديان

والصحراء بعد بلدة الكريمات غير ممسوحة ، ومعالمها غير معروفة ، والطريق فيها غير مرسومة فالخرط لا تنفعكم - ووادي العربية نادر الماء ، شديد الحرارة كثير المنعطفات والحرون ، مجهد للسيارات - والدير تحجبه مشارف التلالة القبلية ويدق على النظر البعيد ، فالأهتداء إليه عسير - ونصيحتي إليكم ألا تغامروا بأنفسكم وسياراتكم في هذا التبه العظيم

قال لنا الصول هذا الكلام وأكثر منه ، ولكن من الغريب ان يكون لتحذيره هذا في نفوسنا نتيجة عكسية ، فبدلا من التقاعس والتروي اندفعنا في إعداد الرحلة بحماس وشوق شديدين ، وكان وادي العربة - هذا النبه العظيم - قد استهوانا فبقينا دائبين على إتمام الرحلة غير عائبين بنذير أو تحذير

خرجنا من حلوان والساعة نصف الليل ، نشق طريقنا وسط ظلام دامس ، وضباب كثيف كان مخيما على أرجاء الوادي ، وكنا خمسة في سيارتين ، وبعد قليل وصلنا الطريق الزراعي المؤدي إلي بلدة الصف جنوبي حلوان - وقبيل الفجر وصلنا بلدة الكريمات - ثم مال بنا الطريق نحو الشرق ودخلنا منطقة الرمال ، ثم أخذنا نرتقي هضبة المقطم - ثم أشرقت الشمس وانقشع الضباب وانكشفت الصحراء - وعند الضحى ظهرت جبال القلالة القبلية في الأفق البعيد ، جهة الجنوب

الغربي - ثم انحدرنا إلي واد عميق .

كان كل شئ حتى الساعة يسير وفق المرام ولكن لم نكد ندخل الوادي ونتقدم فيه حتي قامت امامنا العراقيل ، وتوالت المشقات والمتاعب ، وأصبحنا لا نخرج من مأزق إلا لنقع في غيره أشد منه وأصعب فغرزت منا السيارات عدة مرات ، واحتاج إخراجها في كل مرة إلى مجهود وإضاعة وقت ، وإسراف في البنزين والماء ،

ثم دخلنا منطقة من الوهاد والهضاب والنجاد والتلال وكثبان الرمال بقينا نضرب فيها طولا وعرضا على غير هدى مدة ساعتين ، واخيرا انتهينا إلي جرف ضيق تعذر على السيارات المرور فوقه ، فحاولنا الرجوع ، ولكن تعذر ذلك أيضا ، وكدنا في هذه المحاولة أن تسقط في الهاوية .

كان قد أنهكنا التعب وأضنانا الجهد ، فارتمينا على الأرض بجانب السيارات خائري القوي ، مصدعي الرءوس ، شاحبي الوجوه ، غائري العيون من شدة الإعياء - وكان حال السيارات كحالنا قد أجهدها السير الطويل الشاق أيما إجهاد ، فحديدها ساخن يطقطق ، ومقدمها جائس يزفر ، وجسمها يرتجف كالمحموم .

أصبح التقدم بعد ذلك مستحيلا - والتراجع كذلك مستحيلا ، واستنفذنا نصف ما كان معنا من البنزين - وضاع معظم الماء في مبردات السيارات - وانتصف النهار ، وأضنانا التعب - ولا ندري أين نحن في هذه القيافي والقفار - ونهار الشتاء قصير ومكاننا مجهول - والدير في ثنايا الوادي مستور - والصحراء قاسية ، والحياة غالية ، واليأس قاتل ، ولكن عابر الصحراء كراكب البحر ، متوكل على الله ، ملحوظ برعاية الرحمن ، فتهدي العناية من روعه إذا اضطرب جنابه ، وحاق به الكرب وتلهمه سداد الرأي إذا ما دخلته

الحيرة ، واختلط عليه الأمر ، ونقوده في سبيل السلامة إذا ما ضل الطريق ، وانقطع به حبل الرجاء وتبعث فيه القوة إذا ما خارت عزيمته ، واستولي عليه القنوط فلم تكن إلا دقائق معدودات حتى صاح بنا العريف يا رفاق - الحركة بركة ، والقعود خور ، والنكوص هزيمة فهيا إلي العمل - فتفرقنا في الوديان نبحث ونستكشف ،

ثم عدنا بعد ساعة ، وقد انتعش الرجاء . وانفرج الأمل . وتوطد العزم على تخليص السيارتين . ومواصلة السير مهما كلفنا الأمر . كان لا بد لتخليص السيارتين من إدلائهما إلي الوادي إدلا ، من ارتفاع خمسين مترا أو يزيد - فجثنا بحبل متين كان معنا . وربطنا طرفه بمؤخر إحدي السيارتين ، ثم ركبها أمهرنا قيادة ، ودفعنا بها إلي المنحدر على جانب الجبل . فأخذت تترنح ذات اليمين وذات الشمال - ومرة تنزلق . ومرة تنحدر . ومرة تهوي .

ونحن من خلفها متشبتين بالصخر ، ممسكين بالحبل . بعزم شديد ، بين جذب وشد مرة نذكر على وجوهنا . ومرة ننتصب وافقين . ومرة ننسحب على ظهورنا - ودام الحال هكذا مدة نصف ساعة حتى وصلت السيارة ووصلنا معها إلي قاع الوادي سالمين ، وقد تسلخت ايدينا وسواعدنا وأرجلنا وتمزقت ملابسنا . وتقرحت أعضاؤنا . ثم عدنا إلي السيارة الآخرى ، ففعلنا بها مثل ما فعلنا بالسيارة الأولى .

شاءت الأقدار بعد هذا الحرج أن تنصلح الأمور ، فنصل مجرى الوادي الكبير من غير كبير عناء : وتعثر على الدرب اتفاقا وينكشف لنا الدير فجأة على غير انتظار ، ونهتدي إلى الطريق المؤدي إليه بأسر ع مما توقعنا .

وصلنا الدير في الأصيل بعد خمس عشرة ساعة كانت من اشق ساعات العمر واصعبها فرحين بالسلامة وبالوصول إلي الغاية واستقبلنا عند الباب رجال الدير

بالحفاوة ثم تقدمونا في دهليز مكشوف يخترق حديقة الدير وينتهي بأزقة ضيقة متعرجة تقوم على جوانبها أبنية الكنائس والصوامع من عهود مختلفة وأزمنة بعيدة وتفرجنا على كنيسة القديس انطونيوس وهي من أقدم مباني الدير ، بها نقوش وصور دينية تعتبر من الناحيتين الدينية  والأثرية عظيمة الشأن غالية القيمة -

وخرجنا على الجوسق ( الحصن ) والقلابات ونبع الماء في بطن الجبل والمكتبة والحديقة وهي كبيرة غنية بأشجار الفاكهة وأنواع الخضروات - ثم صمدنا إلي السطح ووقفنا في شرفة الدير امام قصر الضيوف ونرتشف عصير البرتقال - ووقف أمامنا رئيس الدير متكئا على السور العتيق ينظر إلينا في حنو والمطاف تعلو وجهه الشاحب ابتسامة رقيقة - يحدثنا في صوت هادي ، رزين عن حياة الدير فقال

أيها الأحباب - وجدنا الحياة الدنيا سرابا خادعا فنميمها زائل ، وحقها باطل ، وجدها لهو ، قويها ضعيف-  وعالمها جاهل وغنيها فقير ، رفيعها وضيع ، ومستكبرها ذليل ، وغافلها احمق ، وحكيمها أخرق  فاستصغرنا شأن هذه الحياة وزهدنا فيها فنبذنا الأهل والولد واعتزلنا الناس ، وهجرنا البيت والبلد ،

وسكنا هذه البرية وسط هذه الصحراء ، بمجد الرب ونبغي رضاء ، فوجدنا فيها النعيم والجنان ، وراحة القلب والاطمئنان

أيها الأحباب - انظروا إلي الوادي أمامكم أنه عظيم الإتساع منبسط الأرجاء وإلي الجبل فوقكم إنه شامخ عظيم الارتفاع - وإلي الخليج عن يمينكم بأن ماءه يتألق كالنضار في شفق الغروب وإلي الفضاء حولكم إنه دائم الصفاء - وإلي الهواء الذي يهب عليكم إنه عليل يشفي الصدور ويبريء الأسقام .

أيها الأحباب - إن الدير ملاذنا - والسماء أملنا والوحدة أنيسنا والطبيعة خليلنا - والتراب فراشنا والأرض مثوانا .

إننا نعيش هنا أحبابا أصفياء تكتسي من ثوب واحد ونأكل من رغيف واحد - ونشرب من ماء واحد . والدير مفتوح الأبواب لكل لاجئ أو عابر - بعتصم به الإنسان إذا طاردته الأقدار - ويسكن إليه إذا ضلت بصيرته وطلب الأمان نعيش هنا في وئام - يربطنا بهذه البقعة المباركه حنين - فمن أرضها أجسامنا وإليها تعود - ومن سمائها أرواحنا وإليها تؤوب .

أيها الأحباب - أنظروا إلي الينبوع في الجبل إنه دائم الجريان وإلي الحديقة تحتكم إنها دائمة الاخضرار ففي ظل هذه الأشجار نقضي النهار - نفلح البستان ونرعي النبات ، ونشهد تفتح الأزهار . ثم ذبولها والإنزواء - فإذا غابت الشمس وأبهم الليل - وانتشر الظلام واختفت معالم الجبال - وساد السكون وأوحش الدير - نزلنا إلي الصوامع نقضي فيها الليل نصلي خالق الوجود - في استكانة الوحدة ، ورهبة العزلة ، وصفو الخلوة ، وخشوع الإيمان .

أيها الأحباب - هلموا إلي ساحة الخلود ، نسير الهوينا في موكب الحياة - تظللنا ألوية السلام وترمقنا عين الرحمن - نغني نشيد الشوق - ونعزف الحان الوجد نهتدي بنور الحبيب - باريء النسمات - مبدع الكائنات .

ثم تقدمنا وسرنا خلفه في صفوف - مطرقي الرؤوس ، يغمرنا فيض من مشاعر وتأملات - حتي إذا اجترنا الدهليز ، ووصلنا إلي الباب الكبير ودعناه وودعنا - وكما دخلناه خرجنا إلي الوادي الفسيح

اشترك في نشرتنا البريدية