مقدمة
" بعد أن مكث سيدنا موسى وقومه أربعين سنة بشبه جزيرة سيناء حاول الدخول إلي فلسطين أرض الميعاد - من الجهة الجنوبية عن طريق وادي العربة - ولكنه اصطدم بمقاومة شديدة من ملك آدوم فتراجع جنوبا إلى آيلة ( العقبة ) وفي أثناء تراجعه مات أخوه هارون ودفن في جبل هور ( جبل هارون ) ومن العقبة حاول سيدنا موسى الوصول إلى فلسطين من الجهة الشرقية عن طريق شرقي الأردن ، فسار من أيلة الى وادي اليم إلي معان ، ومنها سار شمالا ملونيا عدم الاشتباك بملوك آدوم أو مؤاب أو عمون . ثم دارت بينه وبين الأموريين معركة في مكان يدعي جهاز بالقرب من بلدة صوبلح شمال غربي عمان ، وانتصر فيها . ثم سار غربا إلى شاطئ نهر الأردن وعبره إلى أرض مؤاب ولكنه مات قبل أن يصل إلى فلسطين محط آماله وآمال قومه " .
ومدينة أيلة التي على خرائبها قامت بلدة العلية ، هي مدينة قديمة العهد جدا ، وقد ورد ذكرها كثيرا في التوراة فقد جاء في سفر الملوك الأول في الكلام عن الملك سليمان الحكيم سنة ١٠١٥- ٩٧5 قبل الميلاد ما يأتي : وعمل الملك سليمان سلما في عصبون
حاير التي بجانب أيلة على شاطئ بحر سوف في أرض آدوم - وأما بلدة العلية الحالية فإنها حديثة العهد وبها الآن نحو مائة منزل وسكانها نحو ٣5٠ نجا معظهم من متخلفى العساكر ممن كانت ترسلهم مصر لحماية القلعة . وأما القلعة فهي من المباني التي أقامها السلطان قانصوه الغوري سنة ١٥٠١-١٥١٦ م ، ثم رممها السلطان مراد الثالث العثماني سنة ١٥٧٤ .
وقال المقريزي في نهايته : " ذكر ابن حبيب أقال وادي أيلة ، وأيلة مدينة على شاطيء البحر فيما بين مصر ومكة ، سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم " .
وقال الأميرالاي صادق بك(1)في وصف العقبة عند مروره بها سنة ١٨٨٠ م ما يأتي ؛ وسكان هذه البقعة يبلغون مائة شخص ويأتي إليها العربان في موسم الحج للتجارة بالفواكه مثل الخوخ والرمان والعنب من معان ، وأما البامية والخضروات فتزرع بها - وهناك نخيل ومياه عذبة ، ويحفرون مطائر بجانب البحر المالح فتنبع منها مياه أعذب من ماء البئر التي في اليمامة " .
ومما قاله في وصف القلعة : " وهي قلعة مبنية بالحجر النحت علي ثلثمائة متر من الشاطئ طولها ٦٣ مترا ، وعرضها ٦٣ مترا ، وحوشها طوله ٤5 مترا ، فيه بئر معين عذب عمق ٢٠ مترا ، ومسجد صغير للصلاة ، وحواصل للزخائر . وفي القلعة محافظ يوزباشي جهادي طوبجي وأربعة مدافع ، وبها ٣٣ عسكريا بادة ، وسبعة طوبجية وبجوارها بيوت صغيرة وعشش ، وهي أكبر قلاع الحاح " وفي إبريل سنة ١٩٣٣ مررنا بالعقبة في رحلتنا إلي عمان سائرين في نفس الطريق الذي سلكه سيدنا موسى إلى أرض الميعاد ، فاخترقنا وادي اليم إلى معان ، ومن معان إلي عمان على حافة الصحراء مسافة ٤00 كيلو متر .
من العقبة إلى عمان - أبريل سنة ١٩٣٣ :
لقد تلكأنا طويلا في القيام من العقبة ، فدفؤها وحسن موقعها على الخليج أغريا الرفاق بالمراوغة والإبطاء طلبا للراحة والاستمتاع بالدفء ، خصوصا بعد الذي عانوه في الليلة السابقة من البرد القارس في " نخل " ومر الظهر وأوشك أن يحل العصر ، ولا زال الرفاق متفرقين شراذم هنا وهناك ؛ ففريق في القلعة القديمة يتلهي بتصوير خرائبها ، وفريق في الميناء يلعب في الماء ويعبث بقوارب الصيادين ، وفريق في القرية يتسكع في الأزقة يلهو بمعاكسة الأطفال والجري وراء الخراف وخطف المحار وأطباق الخوص من أيدي الباعة المساكين .
لقد كان سلوك الرفاق في العقبة ، وكلهم من الكبار ، ضربا من عبث الصغار . إنهم لمعزورون ، لقد كانوا يؤملون ان يجدوا في العقبة بعد تلك الرحلة الطويلة الشاقة في جبال
سيناء بعض ما اعتادوه في المدن من أسباب الترفيه ، ولكن خاب أملهم ؛ فالعقبة بلد صغير فقير ليس فيه مطعم ولا " قهوة " ولا شئ غير البحر والرمل والنخيل وبعض البساتين .
ولم نكد نجمع الشمل ونركب السيارات ونستعد للرحيل حتى فوجئنا بتمرد السائقين ، فوقف نور البربري ليخطب فيهم كجاري عادته في كل مناسبة وغير مناسبة . وبعد أن حمد الله وأثني على نبيه الكريم قال : تـذكرروا أيها الإخوان أن الطريق إلي (معان) يخترق جبال الحجاز وسنلتقي في الوديان بجنود ابن السعود ؛ وسيسألوننا ونجيب ، ولن يتركونا من غير حساب ، وسيكون الحساب عسيراً والعقاب شديداً ، إن ذنوبكم كثيرة وقائمة سوابقكم طويلة ، فوويل لكم من سيوف ابن السعود . فهل فيكم من يرغب في أن يعود إلي بيته من هذه الرحلة وهو أكتع وأعرج وأعمي ومجدوع الأنف ؟ فأجابوا جميعاً بالنفي . ثم التفت إلينا وقال : أيها السادة ألا ترون أن نختصر الطريق ونعود من هنا سالمين . فما معان والعقبة ونخل إلا كلها سواء - رمل وزلط وجبال - فاتقوا الله فينا ، وحسبنا ما شريناه من " الغلب " في سيناء .
تحرج الموقف بعد هذا الكلام وتعقد . والعنف في مثل هذه الحالة لا ينفع ، واللين كذلك لا ينفع ، والكلام المعقول كغير المعقول لا يجدي . وقد علمتنا التجارب أن نتدرع عند الأزمات بالصبر ونعالج الجموح بالتريث والحيلة ، ونداوي العصيان بقلة الاكتراث ، ونستعين بالنكتة ولين الكلام على تلطيف الحدة وصرف الشر عن النفوس . وبينما نحن مجتمعون نحاول الوصول إلي حل ، والسائقون جلوس علي الشاطئ في انتظار النتيجة ، إذ بنا تسمع صراخا مروعا يدوي عاليا في الفضاء ، وإذا بالسائقين يتفرقون مـذعورين ويهرعون إلي السيارات ، وإذا بنا نتابعهم فنركب السيارات كذلك ، وإذا بالسيارات تدفع إلي الأمام في الطريق المرسوم الذي يؤدي إلي معان .
جري كل ذلك في لحظات ولم نتبين السر فيما حدث ، فلزمنا الصمت وتحاشينا الكلام . وكما تعكر الجو فجأة من غير سابق إندار صفا كذلك فجأة على غير انتظار وسرعان ما هدأت النفوس وزالت حالة التوتر ، ونسينا ما ساورنا من أسباب الغضب ، وعدنا إلي ما كنا فيه من صفاء وحبور ، وفي الطريق قص علينا حسن السوداني سائق سيارتنا ما حصل علي الشاطئ ، فقال : إنه بينما نور ينكش بيده في شق خرج من الشق أبو جلمبو كبير وارتمي على صدره وتعلق بطيات ملابسه ، ثم اندس بين جسمه وقميصه ، فارتاع المسكين وصرخ ، وأخذ يقفز في الهواء ويدور علي نفسه ويلطم جسمه بكلتا يديه كالمجنون ، وتولانا نحن رعب
شديد ، فجرينا من غير وعي . مسكين نور إنه بارع في الكلام ولكنه رعبيب يخاف من ظله . يا سيدي : " الحق أن سيوف ابن السعود ولا كلابات أبو جلمبو " .
دخلنا وادي اليتم (1) وقت الأصيل ، ثم أقبل الليل وأظلم الوادي ، وعصفت الريح ، واشتد البرد ، وبدت الجبال قائمة موحشة ؛ وكان طريقنا في مسالك الوادي صعباً مجهداً ، ولم نصل (كويرنا) ( 2) إلا قبيل منتصف الليل - فنصبنا خيامنا على سفح الجبل أمام مخفر البوليس ، ولم يتسع لنا الوقت لطهي الخروف الذي كنا قد أعددناه في العقبة لعشائنا ، فعلقناه في الهواء الطلق لفطور الصباح وأوينا إلي الخيام . وعبثاً حاولنا النوم فالجوع والتعب والبرد وصلابة الأرض من تحتنا حالت دون ذلك - وقمنا في الصباح نبحث عن الخروف فإذا بالذئاب قد سعلت عليه أثناء الليل وهربت به إلى الجبال .
غادرنا كويرة بعد الفجر ، وارتقينا جبال الشراة عند الضحى ، وبدت مناظر الجبال والقمم والوديان من رأس النقب عظيمة بديعة - وقبيل الظهر ظهرت معان بمنازلها
البيضاء على حدود الصحراء ، وسط بقعة جرداء لا نخيل حولها ولا زرع .
كانت معان لا تزال في بهجة العيد يموج الكبير بالناس من حضر وأعراب من جميع الأعمار رائحين غادين ، فرحين مستبشرين ، مرتدين حللا براقة جميلة من المشاهي الشامى ، والحرير الدمشقي ، والعباءات الأردنية الحمراء ، وعلى رءوسهم العقال الأسود والقصب ، والكوفيات من الحرير الزاهي ، بيضاء وحمراء وخضراء وصفراء ،
كان سوق المدينة معطلا بسبب العيد ، فدخلتنا حيرة شديدة لنفاد مؤونتنا من بنزين وطعام ؟ وجلسنا علي" قهوة " وأدرك " القهوجي " حيرتنا فتطوع مختاراً لقضاء حاجتنا من البنزين . وإذ عرف مصريتنا خرج وعاد ومعه رهط من أعيان المدينة ، أقبلوا علينا مرحبين مسلمين ودعانا الأستاذ (1) لتناول الغداء بمنزله وألح في ذلك وصمم . والتقينا هناك بجماعة كبيرة من وجهاء المدينة ؛ وفي وسط
مجالي الحفاوة والإكرام دار الحديث عن علاقات المودة والإخاء التي تربط القطرين الشقيقين مصر وشرق الأردن من قديم الزمان .
طريق سيدنا موسى بين معان وعمان يقع على هامش بادية الشام في صحراء جرداء قليلة العمران ، يتغطي سطحها بالكلأ القليل في موضع الأمطار .
والطريق طويلة تقطعها السيارات في سبع ساعات ، وتسير في كثير من أجزائها موازية للسكة الحديدية الحجازية ، التي لا تزال سليمة متينة تروح عليها القطارات وتغدو بين عمان ومعان ثلاث مرات في الأسبوع ، ناقلة الركاب وحاصلات البلاد بين شمالي شرقي الأردن وجنوبية
وصلنا محطة القطراني بعد الغروب بقليل ، ثم حاد بنا الطريق نحو الغرب ، وأخذنا نرتقي منطقة الجبال وسط زوبعة هوجاء ، والتجأنا إلي قرية مادبا القدعة وهي على الطريق إلي عمان ، واحتمينا بها . وبعد العشاء هدأت العاصفة فاستأنفنا السير ، ووصانا عمان قبيل منتصف الليل ، ونزلنا بها بفندق فيلادلفيا (1) الجديدة .

