مقدمة:
من نحو شهرين وقع في يدي اتفاقا رسالة صغيرة محتواها مشعل المحتمل بأزائها الغيرلانى محمد صادق بيك والذى كان أمينا للعسرة في طلعة الحج سنة 1297 هجرية
والرسالة تحتوي علي وصف مطول للطريق الذي سلكه المحمل من القاهرة الى الحجاز فى تلك السنه مع ذكر أسماء المدن والمحطات التى ينزل بها فى كل منها والرسالة في جملتها مقتضية التزم مؤلفها في كتابتها بالطريقة العسكرية من حيث الضابة بوصف السلاح . وتدوين أطوال الطرق واتجاهاتها ، وساعة القيام وساعة الوصول ولم يتعرض إلا قليلا للوصف الجغرافى
ويقول صادق ببلد إن فاتهم فى الذهاب كانت مؤلفة من ١١٠٣ نفسا ، و ٢٢٤٧ مصيدا ٢٨٨ جملا ، ١٠٠حمار وانهم قامو من العباسيه يوم الخميس٣٠ سبتمبر سنة ١٨٨٠ ووصلو بالسويس يوم الاحد ٣ أكتوبر ونخلا يوم ٧ أكتوبر وسطح العلبه ١٠ أكتوبر ونزلو ونزلو من تمن العلبه يوم ١١ أكتوبر ووصلو الطلبه فى نفس اليوم أى انهم ابلغو المسافه بين العباسيه والعقبه فى نحو اثنى عشر يوما
وفي مارس سنة ١٩٣٤ سافرنا بالسيارات في نفس الطريق فى رحلة الى عمان عاصمة شرقى الاردن ومع أنه كان قد مر على رحلة صادق بيان حوالي خمسين عاما فإن معالم الطريق كانت
لا تزال كما رآها ووصفها ولا عيب في ذلك فان طريق السيارات من مصر الى السويس ومن السويس الى نخل ومن نخل الى العقبة تتفق في كثير من اجزائها مع الدرب السلطاني القديم الذي كان يحترق هضبة شبه جزيرة سيناء من الشرق الى الغرب وهذا الجنوب كانت تسلكه قوافل التجارة وحملات الغزو بين مصر والحجاز وجنوبي فلسطين وهو ايضا طريق الجبل المصري في ذهابه الى مكة وعودته منها زهاء ستة قرون وذلك في المدة ما بين سنتي ١٢٦٧ و ١٨٨٥ وفي السنة الاخيرة ابطل الطريق البري واتخذ المحمل طرق البحر الى جدة في ولاية الهدير وتوفيق
من القاهرة الى العقبة فى ثلاثة أيام
تغادرنا القاهرة مساء يوم ٢٠ مارس سنة ١٩٣٤ وبتنا في نقطة الشط على الشاطي الشرقى لقناة السويس ، وفي
اليوم التالي تابعنا السير فطوينا المسافة بين الشط وتحل في خمس ساعات ، قطعنا خلالها منطقة الرمال وارتقينا لعب مثلا وانحدرنا إلي وادي الحاج ، ثم إعتلينا هضبة سينا ، عند جيل صدر الحيطان ، ووصلنا نخلا ( قبيل الظهر ، ونزلنا بجوار استراحة مصلحة الحدود
وتقع نخل علي حافة وادي العريش اطول وديان سينا وأشدها خصبا ، وكان لنخل في العصر القديم أهمية كثيرة نظرا لوقوعها عند ملتقي طرف القوافل ، وبها بئر كبيرة مطوية ماؤها معدني مقبول
وفي العهد العماني اتخذها الاتراك عاصمة لسيناء ، وشيدوا فيها قلعة كبيرة لا تزال مبانيها المخربة قائمة إلي الآن
وفقدت نخل أهميتها منذ أن تحولت التجارة إلي الطريق البحري كما أنها أقفرت بعد الحرب العالية الماضية لنزوح السكان والتجار إلي العريش ، العاصمة الجديدة ، ولم يبق بها إلا نقطة بوليس ومسجد خرب ومنازل خالية وبقايا القلعة والبئر وبعض الأفراد من الأهالي وقد قال لنا احدهم إنه من سلالة الحاشية المغربية التي كانت تقيم في القلعة أثناء الحكم التركي لتأمين الطريق وحفظ السلام بين السكان
يقول صادق بك في وصف نخل ما يأتي :
بعد الحروب بمصر إنه في يوم ٧ أكتوبر وصل الركب التي قلعة نخل . وهي قلعة مربعة الشكل مبنية بالحجر اللبن وأقل طول كل ضلع منها ٢٨ مترا و ما عدا الأبراج التي في زواياها ، وقطر كل منها تسعة امتار وهذه القلعة متراميه عن سطح الاكمة إلتى هى عليها بنحو سبعة امتار والأكمة مرتفعة عن أرض الوادي بخمسة امتار ، وداخل التسعة فواصل معده لتساير الحجاج والمستخدمين وبها محافظ يوزباشى وملازم فرنجى وبلوكباني وستة وعشرون عسكريا يدق طراز قديم الشكل
وسنة طريقية ومدفع واحد نحاس طراز قديم برى وفي اسفل البرج الشرق البحري حافية ماؤها فيسونى عمقها ٢٢مترا يعبرها ثوران فيصل ماؤها على خارج القلعة التي ثلاثة احواض مبنية معددة للحجاج والقوافل ، أحدها طوله ١٤ مترا فى ٢٨ بعمق ثلاثة امتار خرب من منذ سنتين والأجرار كل منهما طوله عشرة في تسعه أحدهما ملآن والآخر يملأ عند رجوع الحجاج ،وبخاصة هذه الاحواض
أحواض صغيره مستطيلة تملأ لتشرب الدواب وفي كل عام قبل طلوع الحاج بشهر البري بأربعة أثوار مع لوازم الساقية لادارتها منذ طلوع ونزول الحجاج ثم ترجع الاثوار الى مصر مع الحج المصرى
وخارج كلمة ساقية خربة وبئر مبنية عمقها ١٦ مترا قليلة المياه - وهناك عشش لسكنى العساكر وبالقرب من الجهة الشرقية القبلية للقلعة مقام لشيخ يسمى الشيخ المنطق . باحة سميت السلمة والقلعة وفي أوان الحج يوجد هناك البطيخ والبلح والتين العلي والجبن والدخان انتهى .
لم نمكث طويلا بنخل واستأنفنا السير بعد العصر ، ووصلنا بئر التمد (١) قبيل الغروب وتزودنا من مائه العذب وأنفق عند دخولنا وادي التمد وصول اسراب كثيرة من طائر أبيض كبير الحجم ، يشبه البحر ، اخذت أفواجه تهبط في الوادي وهي تصيح بأصوات قبيحة ثم تختفي بين الشجيرات وهبط واحد منها على سطح إحدي السيارات وبقي جاثما فوقه حتي تركنا الوادي ؛ والظاهر أنها من الطيور المهاجرة التي تمر بسيناء في عودتها إلي الأصقاع الشمالية
ثم وصلنا مفترق الطريق عند نقطة الكنتلا(2) بعد العشاء ؛ وكان القمر في ارج نوره ساطعا يملا الصحراء ضياء ومهجة ، فارفقنا السيارات ، وانطلقت واحد الرفاق نرتاد الوديان عن استراحة مصلحة الحدود ، وبعد
بحث طويلا الاستراحة على قمة ربوة عالية مشرفة علي زاد فسيح ، ولكن كان قد سبقنا في النزول فيها نفر من ضباط الإنجليز ، فعدنا أدراجنا ميتئسين اسفين لحرماننا من نوم صريح هي في تلك الليلة الباردة - وفي العودة شللنا الطريق السنوي ، واخذنا نتخبط في الوادي خبط عشواء ، فاقتحمنا حديقة وهدمنا جزءا من سورها الطيني ، ثم ارتطمنا بحاجز بئر وكادت سيارتنا تسقط فيه ، وهكذا لم نعد لمعسكرنا إلا قبيل منتصف الليل ، فوجدنا الرفاق
مستغرفين في نوم عميق متكدسين هم ومتاعهم في الخيمة من غير نظام أو ترتيب ثم قصدنا صندوق الطعام لتناول العشاء فوجدناه فارغا التهم الرفاق كل ما كان فيه مما أعددناه للعشاء والفطور تأثرنا وشتمنا ولعنا ولكن اين من يسمع أو يجيب ؟ وقد كان ان قضينا ليلتنا خاويين ، وحاولنا زحزحة الرفاق قليلا لنحظي بمكان في الخيمة فلم تفلح فأرتمينا علي الرمل من شدة الإعياء وتمددنا في العراء ، واستسلمنا للنعاس فنمنا حتي قبيل الفجر ، واستيقظنا ونحن نرتجف ونرتعد من طل الليل وشدة القر
وتابعنا السير في الصباح ، واخترفنا جبال الحمراء ووصلنا نقب العقة (1) بعد ساعتين ، وجلسنا عند
رأس النقب علي حافة الهضبة لنستريح ونمتع النظر بمشهد فريد بديع يجمع بين الجمال والروعة والجلال ، فأمامنا رؤوس الجبال الجرانيتية الحمراء منتصبة كالحراب ، متراصة في صفوف ، متراجعة نحو الشرق ، ومن ورائها وادي العربة العظيم منحدرا نحو الخليج في اتساع وانبساط ، ومن خلفه جبال الحجاز وشرقي الأردن قائمة كالسد تتضاءل في الارتفاع نحو الشرق والجنوب حتي تختفي وراء الأفق البعيد . وعن يميننا خليج العقبة مبسوط
كشريط أزرق تحت أقدام الجبال ، وعن يسارنا بساط الصحراء تتلاحق على أطرافه ربا التلال كالقطار ، ومن تحتنا طريق النزول منقور في الصخر يتلوي كالتعبان بين القلاع والأخاديد والمهاوي والسفوح مسافة خمسة كيلو مترات ، ونحن فوق الهضبة جلوس على ارتفاع ستمائة وخمسين مترا مأخوذين صامتين ، شعرنا اشعة الشمس المشرقة وينعشنا نسم بارد لطيف . ثم تأدي العريف بالقيام ، فأخذنا في النزول إلي الوادي بحذر شديد ، واجتزنا العقبة
بسلام ، ووصلنا شاطئ الخليج عند الظهر ، واستقبل الرفاق البحر بالصياح والنهليل ، وسرعان ما تعروا من ملابسهم ، وارتموا في الماء يسبحون ويستحمون ويخرجون منه ويعودون ، وكرروا هذا واطالوا وتمادوا ، ولم يتركوا البحر و يستأنفوا السير إلا بعد أن عضهم الجوع .
وعند منحني الطريق في مدخل وادي العربية استقبلنا رجال الدرك الفلسطيني في مخيمهم بالترحيب ولم يسمحوا لنا بالمرور إلا بعد أن أطعمونا سمكا شهيا فاخرا ،
وسقونا قهوة معطرة من بن يمني أصيل . ثم تابعنا السير ولقينا صعوبة كبيرة في قطع وادي العربية لرخوة الأرض وتوالي كثبان الرمال ولم تصل بلدة العقبة إلا عند العصر ، واستقبلنا بمقامها في دار المحافظة بمبادرة وتكريم ، وشربنا معه القهوة والشاى مثني وثلاث بمراسم خاصة . وبالغ في إكرامنا فما أخذ من رسوم التأشير علي جوازت السفر ، ثم دعانا للعشاء معه اعتزاز وتكريما وقضينا في العقبة ليلة سعيدة هنيئة علي شاطئ الخليج
