لشعر الثورة مقام خاص بين أبواب الأدب العربي . فقد شاهد هذا الأدب بمختلف عصوره وأدواره ألوانا كثيرة من الشعر تختلف في القوة والضعف والغاية والأسلوب ، ظلت هذه موضع العناية والدرس . ولكن هذا النوع لم ينل إلا حظا يسيرا من الدرس والشرح ، فقلما تطرق إليه الباحثون قديما وحديثا . وهم في الغالب يحشرونه في باب الهجاء أو التخلع أو التصملك ، فلم يخصوه من عنايتهم بشيء فبقي هذا النوع من الأدب مهملا ونقبت نزعات أصحابه وأفكارهم في طي النسيان . وإن أبطال التمرد موجودون في كل أمة وعند كل شعب وفي كل زمان منذ أن عرف الإنسان الشعر والأدب واستطاع أن يعبر عن شعوره وعواطفه وإحساساته . وأدب الثورة ملازم لوجود المجتمع . فليس كل ما يقع في المجتمع مهما كان مصدره مرضيا لدي جميع أفراده . فلا بد من وجود طبقة تسخط وتتذمر لا سيما وأن أفراد المجتمع الواحد يختلفون في النزعات والأهواء والرغائب ، فما يرضي فردا لا يرضي الآخر وهكذا . وما دامت المجتمعات البشرية تتخبط في دياجير الظلم والعسف ، ومادام الحيف والغبن يلحق كثيرا من الطبقات والأفراد ، فليس من الغريب أن تشحذ أدمغتهم كثيرا من بوادر النقمة فتطفح على ألسنة الشعراء منهم تلك القصائد والمقطوعات التي يتخللها الشئ الكثير من الثورة وعدم الرضى عن الأوضاع السائدة سواء أكان ذلك عن نظام المجتمع أم شكل الحكم القائم وأصحاب السلطة فيه . ولم يكن لهذه الروح الثورية مجال لأن تظهر بشكل صريح واضح ، وإنما تتخذ مظهرا آخر يسترها عن عيون السلطان ويدفع عنها طائلة العقاب ، فسلك الشعراء طرقا
متعددة بقصد التنديد بالسياسة العامة وبسياسة الدولة ، وكان أقرب هذه الطرق طريق الهجاء لأن بواسطته يستطيع الشاعر أن يجد في الأشخاص منفدا ينفد منه إلى التنديد والتعرض بالمبادئ العامة كما سنري ، وهذا يعطينا صورا كثيرة من الشعر السياسي في عصوره المختلفة .
والأمثلة على هذا النوع من الشعر كثيرة سأكتفي بواحد منها أعتقد أنه كاف للإلمام بشئ من هذا الباب ، وذلك هو الهجاء عند ( دعبل الخزاعي (١) ) لأن في الهجاء تتجلى جميع مميزات هذا النوع من الشعر ولأن دعبلا بروحه المتمردة الصاخبة يعد بحق شيخ هذه الطريقة ولعل من الأفضل أن نستقرئ أفكار الشاعر وآراءه من قصائده التي كان لها دوي هائل في عصر وأفلقت خليفتين من أقوي خلفاء بني العباس هما المأمون والمعتصم ، فقد كان دعيل يمتاز بهذا اللسان اللاذع السليط . وقل أن أستطرد في الحديث عن هذه الناحية أحب ان أشير إلى تلك العوامل التي دفعت بالشاعر إلى الاتجاه بكليته إلى هذا الهجاء الذي بلغ من حبه له أنه كان يعد قصائد في الهجاء قبل أن يجد من بقولها فيهم ، فإن سئل عن ذلك أجاب : ( ما استحقه أحد بعينه بعد (٢))
ولمعرفة البيئة التي عاش بها هذا الشاعر المتمرد نرجع إلى كتب تواريخ الأدب وهذه تقول إن دعبلا ما كاد أن يترعرع ويشتد ساعده حتى صحب الشطار في الكوفة وعاشر جماعات المتمردين على السلطان وعاش عيشة متقلبة كلها أسفار وهرب دائم متصل فتجشم المصاعب وركب الأخطار وهذا ما يتأيد لقارئ شعره :
نفسي تنازعني في كل مكرمة
إلي المعالي ولو خالفتها أبت
وكم زحمت طريق الموت معترضا
بالسيف ضيقا فأداني إلي السعة
وقوله :
حللت محلا بقصر البرق دونه
ويعجز عنه الطيف أن يتجشما
ولقد كان لا يقيم للحياة وزنا فهو ( يحمل خشبته على كتقه خمسين عاما ولا يجد من يصلبه عليها(١) ). ولقد ثار في وجه الدولة العباسية فسلط قوارصه على الخلفاء والوزراء والأمراء فوتر أناسا كثيرين . ولذلك مال كثير من قدامى المؤرخين ومحدثيهم إلي انتقاصه والإسراف في ذمه فتناسوا العوامل التي أحاطت به فدفعته إلي الهجاء والتمرد ، العوامل التي كان لها المكان الأول في مقاييسه والأثر العظيم في نفسيته وصبها في هذا القالب المتمرد ، فقد نشأ في الكوفة حيث البيئة الحصبة للمنازعات والمشاحنات السياسية والمسرح الملائم للفتن والقلاقل . هذا من جهة ومن الجهة الثانية نشأته في أوساط علوية تدين بالعدل الاجتماعي وتسعي جهدها لإسعاد أكبر مجموعة من أفراد المجتمع ، وهذه الأوساط لا تري في السلطة العباسية أهلا للقيام بهذه المهمة وهي ليست المثلة الحقيقية للمثل والمبادئ الإسلامية الصحيحة . هذا بالإضافة إلى خيبة الأمل التي نتجت عن تصرف خلفاء بني العباس وسلوكهم الناقض لما دعوا إليه من تحقيق هذا العدل الذي كانت تتوق إليه الأمة بمختلف طبقاتها وخصوصا تلك التي نالها الكثير من الحيف أيام الحكم الأموي ، فلم يربط هؤلاء بالسلطة القائمة رابطة الولاء فخرجوا عليها أفرادا وجماعات كان من بينهم دعبل الخزاعي وكان هذا من أشدهم خطرا وأكثرهم فتكا في الناحية المعنوية والتأثير في سواد الأمة فشنع على العباسيين أشد التشيع معلنا أنهم ظلمة سفاكون خدعوا الشعب واغتصبوا الحكم . فلا حكم لقضائهم ولا أمر لسلطانهم . وليس من الغريب أن يقوم
دعبل بتوجيه قوارصه إلى ولاة الأمور الذين فسدوا ففسدت معهم الرعية ونهجوا منهجا سيئا للناس فتغير الناس وفسدت طبائعهم وغشت نياتهم فما عادوا يستحقون المدح ولا هم أهل للثناء ، أكثرهم لا ينتفع بهم وعيوبهم أكثر من محاسنهم فهو يجيب من بلومه على الهجاء :
( وجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة ، ولا يبالي بالشاعر إن كان مجيدا إذا لم يخف شره . ولن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك بتشريفه . وعيوب الناس أكثر من محاسنتهم وليس كل من شرفته شرف ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك فإذا رآك قد أوجت عرض غيره وفضحته اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر . وإن الهجاء الفرع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضر ع (١) . فالشاعر إذا يرى أن الهجاء وسيلة للإرشاد والإصلاح لأن عن طريقه يتناول الأشخاص اولا ثم يتعرض للسياسة العامة تعرضا قويا مبينا مفاسدها ونقائصها ساخطا منها فيقول :
قتل وأسر وتحريق ومنهبة
فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إذ قتلوا
ولا أري لبني العباس من عذر
أري أمية
ثم يتعدي إلي اكثر من ذلك فيهاجم ولاية العهد ونظام الخلافة فيقول :
أني يكون وليس ذاك بكائن
يرث الخلافة فاسق عن فاسق
وعنده أن الطريقة التي اتبعت في تعيين الخليفة ليست صائبة لأن هذا لا يقع إلا على الأقارب فيؤدي إلى اعتلاء أفراد ليسوا من الجدارة والصلاح في شئ . فهو يخاطب الخليفة المعتصم :
وقام إمام لم يكن ذا هداية فليس له دين وليس له لب
وإن تسلم هؤلاء الخلفاء دفة الأمر لم يكن عن ارادة الأمة او بمشيئتها ولا هو في صلاحها ومنفعتها ؛ فمجيء الخليفة الجديد حدث لا تبتهج الأمة إليه ، وموت السابق أمر لا تأسف عليه ، لأن التجارب وتعاقب الخلفاء علمتها أن هؤلاء لم يقبضوا على زمام الأمور إلا وتعمل الأهواء والرغبات عملها في سلطة الخليفة المطلقة وتسييرها حسب الشهوات وحب الذات :
خليفة مات لم يحزن له أحد وآخر قام لم يفرح به أحد
ولا ينكر أن دعبل هذا اتصل بالخلفاء العباسبين بادىء ذي بدء ، وكان أول من اتصل به منهم الرشيد على أثر سماعه قصيدته :
لا تعجبي ياسلم من رجل ضحك المشببب برأسه فبكى
ثم اتصل بأبنه المأمون من بعده وكان اتصاله وثيقا إلا أنه لم يدم طويلا حيث هجا الشاعر المأمون وأباه وشتمهما شتما قارصا . ويظهر ان روح السخط والحنق كانت عاملا قويا في انفصاله عن المأمون حمله على هجائه كما
أن علويته كان لها الأثر القوي في ذلك . فتجد أن في القصيدة التى يهحو بها الخليفتين ويندد بالعباسيين تنديدا قويا يقف باكيا الإمام علي بن موسي الرضا ومترحما علي العلوين ، وليس من شك أن موت هذا الإمام المفاجيء هو الذي أيقظ علويته وحمله على مقاطعة العباسيين وإعلان سخطه عليهم فيقول :
أربع بطوس على القبر الزكي إذا
ما كنت تربع من دين إلي وطر
قبران في طوس خير الناس كلهم
وقبر شرهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكى ولا
على الزكى بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت
له بداء فخذ ما شئت أو قدر
( وهذان القبران هما قبر الإمام على بن موسي الرضا وقبر هارون الرشيد ) . ( لها بقية )

