الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 388 الرجوع إلى "الثقافة"

من شعر الثورة، في الأدب العربي، - ٢ -

Share

وقد حاول المأمون أن يقربه ويصطنمه ولكن لم يفلح في كسب ولائه ، إذ سرعان ما يعود الشاعر لهجائه والتشفي منه . ويروي صاحب الأغاني أن المأمون حينما سمع منه هجاءه فيه وفي عمه ومنافسه ابراهيم بن المهدى في القصيدة التي يقول فيها :

كان ابراهيم مضطلعا بها

           فلتصلحن من بعده لمخارق(١)

ضحك الخليفة وقال : " قد صفحت عن كل ما هجانا به إذ قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة " . على أن قوارصه في المأمون لم تكن قليلة الشأن تافهة الخطر فهي من الجرأة والصراحة بمكان ، ففي الوقت الذي يهجوه فيه يهدده ويذكره بالكيفية التي توصل فيها إلى الحكم وأنه لم يأت إلا بعد مصرع أخيه وخاتمته المحزنة ولم يتسلم كرسي الخلافة إلا على رأسه ، فيقول في القصيدة التي مطلعها ) أخذ المشيب من الشباب الأغيد ... ... )

أيسومني المأمون خطة عاجز

                   أو ما رأي بالأمس رأس محمد

إني من القوم الذين سيوفهم

                       قتلت أخاك وشرفتك بمقعد

رفعوا محلك بعد طول خموله

                  واستنقذوك من الحضيض الأوهد

ويظهر أن المأمون كان كثير التسامح معه فهو يجيب أبا سعد المخرومي عندما طلب منه أن يأذن له بقتله قائلا : ( هذا رجل نخر علينا فالخر عليه كما نقر علينا . أما قتله

بلا حجة فلا ) . ولكن عندما مات المأمون كان المعتصم شديد النقمة علية ، طارده حينا من الزمن وأراد قتله فهرب دعبل إلى الجبل وأخذ بنظام القصائد في هجائه وبندب حظ الإسلام في عهده :

وقام إمام لم يكن ذا هداية

             فليس له دين وليس له اب

وما كانت الأنباء تأتي بمثله

            يملك يوما أو تدين له العرب

ولكن كما قال الذين تتابعوا

      من السلف الماضيين إذ عظم الخطب

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

              خيار إذا عدوا وثامنهم كلب

وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة

               لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم

            وصيف وأشناس وقد عظم الكرب

فالخليفة المعتصم في نظر الشاعر كلب ولم يكن كلبا بريئا وإنما هو كلب ذو ذنب ، وأقد ضاع ملك الإسلام حينما تولي أمرهم أشناس ووصيف قواد الخليفة وأصحاب السلطة الفعلية في زمانه . هذا الهجاء المفذع للخليفة عندما كان على قيد الحياة ، ولم يكن الموت يشفع لأحد عند الشاعر ، فما كاد دعبل يسمع بموت الخليفة حتى هجاه أشنع الهجاء فهو يقول في هجائه :

الحمد لله لا سير ولا جلد

           ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحد

              وآخر قام لم يفرح به أحد

وهو يعارض محمد بن عبد الملك حينما قال رائيا الخليفة :

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

             في خير قبر لخير مدفون

لن يجير الله أمة فقدت

          مثلك إلا بمثل هارون

فيجيب دعبل معارضا :

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

         في شر قبر لشر مدفون

اذهب إلى النار والعذاب فما

         خلتك إلا من الشياطين

ما زلت حتي عقدت بيعة من

            أضر  بالمسلمين  والدين

وبعد ذلك هجا المتوكل بقصيدة مقدمة يرميه فيها بالأبنة فيقول في مطلعها :

ولست بقائل قذفا ولكن

           لأمر ما تعبدك العبيد

أما القسم الآخر في هجائه وهو الذي قاله في مهجويه من غير الخلفاء ومن كبار رجال الدولة من وزراء وولاة وأمراء وكتاب ، فهو كثير كثرة هائلة ، ومنه نتعرف على مميزات أسلوبه السهل الرقيق الذي يجري مع الطبع وكأن الشاعر يتوخي فيه الصنعة فينظمه على الأوزان السهلة ، فلذلك يشيع ويحفظ وينتشر بين الناس ، مضافا إلى هذه السهولة أنه يمتاز بهذه السخرية اللاذعة والتنديد البعض الذي قضى بسرعة على الهجو ، وقد يتضمن هذا الهجاء سبا وفحشا ، ولكن السخرية شائعة شيوعا كبيرا علي شعره . من أمثلة ذلك قوله في أبي عباد كاتب المأمون ومعتمده ومحل ثقته :

أولى الأمور بضيعة وفساد

          أمر يدبرة أبو عباد

وكأنه من دير هرقل مفلت

        حرد يجر سلاسل الأقياد

خرق على جلسائه فكأنهم

            حضروا لملحمة ويوم جلاد

فاشدد أمير المؤمنين وثاقه

               فأصح منه بقيمة الحداد(١)

وقوله في هجاء المطلب والي مصر في زمن الشاعر :

تلعق مصر بك المخزيات

          وتبصق في وجهك الموصل

ومن هذه السخرية اللاذعة التي تبعث على الضحك قوله في جملة من أمراء الدولة ورجالها ، وهم الحسن بن سهل والحسن بن رجاء وابنه ودينار بن عبد الله ويحيى بن أكثم :

ألا فاشتروا مني ملوك المخزم

           أبع حسنا وأبني رجاء بدرهم

وأعطي رجاء فوق ذاك زيادة

            وأسمع بدينار بغير تندم

فان رد من عيب على جميعهم

       فليس يرد العيب يحيي بن أكثم

ورغبة في عدم التوسع أقتصر على هذا المثال من عيون شعر الثورة في الأدب العربي . ولعل الله يوفقني في الحديث عن غيره من الأمثلة في المستقبل القريب .

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية