الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

من شعر بودلير, ١ - دعوة إلى الرحيل, ٢- سمو.., ٣- دواء, ١ - تجاوب . .

Share

بودلير ، الشاعر الفرنسي المعروف ، يعتبر المتبع الذي منه نشأت أغلب المذاهب الشعرية في الغرب في العصر الحديث ، وعلى الأخص المذهب الرمزي منها .

فبالرغم من أن هذا التناغم ينتمى إلى المدرسة الرومانتيكية من ناحية عنايته بالفن والشكل، إلا أنه يقترب من المدرسة الواقعية بسبب كرهه المبالغة في وصف العواطف والتصورات .

إنه لا يتعلق برسم اضطرابات الحواس ومناظر الحياة الخارجية ؛ بل هو يبحث أولا في أعماق النفس من الحياة الداخلية بصبوتها الغامضة وخلجاتها المتلاحقة.

وهو لا يصف عنه الأشياء ، وإنما يحاول إثارتها في نفس القارئ باستخدام الألفاظ والتعبيرات ذات القيم الرمزية القوية .

وفيما يلي نماذج من أشعاره تعبر عن بعض ميوله واتجاهاته ، ترجمها لنا الأستاذان ماهر مينا و م . ع م .

يا صغيرتي وشقيقة روحي

هل فكرت في الرحيل

إلى حيث نحيا معا

ونعشق ونموت؟

في البلد الذي يشبهك في طبيعته :

حيث الشمس المبللة ،

والسماء الملبدة

تفتن عقلي ،

كما فتنتي عينك الغادرة

خلال دمعك الساري . .

فهناك كل شىء روعة وفتنة . .

سحر وجمال . . ورغبة ؟ .

فوق البحيرات والوديان . فوق الجبال والغابات والسحب

والبحار . .

وراء الشمس وأجواز الفضاء ،

وراء حدود العوالم والنجوم . .

تتحرك أنت ، يا عقلي . في حفة .

وتشق بمرح أعماق اللانهائية ، في لذة غريبة قوية .

كأنك السباح البارع ، تطرب نفسه لخوض المياه

الباردة ...

تسامي ، أى عقلي . بعيدا عن هذه الأجواء الدنيا ،

الفاسدة الميتة . .

وتطهر في الأجواء العليا . .

وانهل من النار المصفاة التي تملأ الفضاء

كأنها خمر إلهية غير مدنسة .

ما أسعد الذي يستطيع أن ينطلق بجناح خفاق قوي ،

نحو حقول الضياء والصفاء

نحو الآفاق الواسعة الممتدة وراء الأشجان والألام . .

تلك الآلام التي تشقي بثقلها الحياة الغامضة .

وما أسعد الذي تسمو أفكاره حرة طليقة ، كالطيور ،

في كل صباح ،

نحو عالم السماوات . .

والذي يحلق بفكره فوق الحياة ،

ويفهم دون عناء

لغة الزهور والأشياء الصامتة ...

أيتها الروح الصماء القاسية ،

أيتها الثمرة المعبودة ذات الدلال .

هلا جئت بجوار قلبي ؟ .

كم تتوق أصابعي المرتجفة

إلى أن تعبث في ثنايا شعرك المنسدل . .

أريد أن ادفن رأسى المتوجع

في ثنايا ردائك المعبق بشذا صدرك

وأن استنشق

مثل الزهرة الدابلة

رائحة حبي الفقيد . .

إني لا يخمد نحيبي وشجني .

فالنسيان الرائع يقطن في ثغرك ،

ودوائي من قبلاتك بغيض!..

الطبيعة معبد ، به أعمدة حية ترسل أحيانا كلمات غامضة . .

والإنسان يمر فيه بين غابات من الرموز تنظر إليه بعين أليفة ...

والروائح والألوان والأصوات تتجاوب ، كالأصداء

الطويلة تختلط من بعيد في وحدة مظلمة عميقة ، فسيحة

كأنها الليل ، أو كأنها الضياء . .

هناك روائح رطبة منعشة كبشرة الوليد ، هادئة كأنغام

العود ، خضراء كلون المراعي . .

وهناك روائح فاسدة ، زاخرة ، منتصرة ، تنتشر انتشار

الأشياء اللانهائية . .

فمنها العنبر والمسك واللبان والبخور . .

وهذه الروائح تتغني بإنفعالات النفس والحواس . .

اشترك في نشرتنا البريدية