بودلير ، الشاعر الفرنسي المعروف ، يعتبر المتبع الذي منه نشأت أغلب المذاهب الشعرية في الغرب في العصر الحديث ، وعلى الأخص المذهب الرمزي منها .
فبالرغم من أن هذا التناغم ينتمى إلى المدرسة الرومانتيكية من ناحية عنايته بالفن والشكل، إلا أنه يقترب من المدرسة الواقعية بسبب كرهه المبالغة في وصف العواطف والتصورات .
إنه لا يتعلق برسم اضطرابات الحواس ومناظر الحياة الخارجية ؛ بل هو يبحث أولا في أعماق النفس من الحياة الداخلية بصبوتها الغامضة وخلجاتها المتلاحقة.
وهو لا يصف عنه الأشياء ، وإنما يحاول إثارتها في نفس القارئ باستخدام الألفاظ والتعبيرات ذات القيم الرمزية القوية .
وفيما يلي نماذج من أشعاره تعبر عن بعض ميوله واتجاهاته ، ترجمها لنا الأستاذان ماهر مينا و م . ع م .
يا صغيرتي وشقيقة روحي
هل فكرت في الرحيل
إلى حيث نحيا معا
ونعشق ونموت؟
في البلد الذي يشبهك في طبيعته :
حيث الشمس المبللة ،
والسماء الملبدة
تفتن عقلي ،
كما فتنتي عينك الغادرة
خلال دمعك الساري . .
فهناك كل شىء روعة وفتنة . .
سحر وجمال . . ورغبة ؟ .
فوق البحيرات والوديان . فوق الجبال والغابات والسحب
والبحار . .
وراء الشمس وأجواز الفضاء ،
وراء حدود العوالم والنجوم . .
تتحرك أنت ، يا عقلي . في حفة .
وتشق بمرح أعماق اللانهائية ، في لذة غريبة قوية .
كأنك السباح البارع ، تطرب نفسه لخوض المياه
الباردة ...
تسامي ، أى عقلي . بعيدا عن هذه الأجواء الدنيا ،
الفاسدة الميتة . .
وتطهر في الأجواء العليا . .
وانهل من النار المصفاة التي تملأ الفضاء
كأنها خمر إلهية غير مدنسة .
ما أسعد الذي يستطيع أن ينطلق بجناح خفاق قوي ،
نحو حقول الضياء والصفاء
نحو الآفاق الواسعة الممتدة وراء الأشجان والألام . .
تلك الآلام التي تشقي بثقلها الحياة الغامضة .
وما أسعد الذي تسمو أفكاره حرة طليقة ، كالطيور ،
في كل صباح ،
نحو عالم السماوات . .
والذي يحلق بفكره فوق الحياة ،
ويفهم دون عناء
لغة الزهور والأشياء الصامتة ...
أيتها الروح الصماء القاسية ،
أيتها الثمرة المعبودة ذات الدلال .
هلا جئت بجوار قلبي ؟ .
كم تتوق أصابعي المرتجفة
إلى أن تعبث في ثنايا شعرك المنسدل . .
أريد أن ادفن رأسى المتوجع
في ثنايا ردائك المعبق بشذا صدرك
وأن استنشق
مثل الزهرة الدابلة
رائحة حبي الفقيد . .
إني لا يخمد نحيبي وشجني .
فالنسيان الرائع يقطن في ثغرك ،
ودوائي من قبلاتك بغيض!..
الطبيعة معبد ، به أعمدة حية ترسل أحيانا كلمات غامضة . .
والإنسان يمر فيه بين غابات من الرموز تنظر إليه بعين أليفة ...
والروائح والألوان والأصوات تتجاوب ، كالأصداء
الطويلة تختلط من بعيد في وحدة مظلمة عميقة ، فسيحة
كأنها الليل ، أو كأنها الضياء . .
هناك روائح رطبة منعشة كبشرة الوليد ، هادئة كأنغام
العود ، خضراء كلون المراعي . .
وهناك روائح فاسدة ، زاخرة ، منتصرة ، تنتشر انتشار
الأشياء اللانهائية . .
فمنها العنبر والمسك واللبان والبخور . .
وهذه الروائح تتغني بإنفعالات النفس والحواس . .

