صَدقني أيها الصديق، الكبير في أدبه، الكبير في خلقه، الكبير في أثره، أستاذنا الزيات، أنني معجب بما تفضلتم بنشره في مجلتنا الشرقية المحبوبة (الرسالة) مما دبجته براعة الصديق الزميل، البحاثة الدءوب، الكاتب العالم الوديع، الأديب عبد الوهاب عزام، خاصاً بما لاحظه - مشكوراً مني ومن المستفيدين بنقده وعلمه، مأجوراً من ربي وربه - على ما فات علينا جماعة (دار المأمون) أولا وقبل كل شيء، ومن عاوننا في الطبع والإخراج من وراقين وطابعين آخراً
ومهما يكن من إيماني بصدق قول يحيى بن خالد: (لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يصنف كتاباً) بيد أني ارتحت الارتياح كله إلى أن فاضلاً أديباً كأخي الأستاذ عبد الوهاب عزام تجشم المتاعب والصعاب، وأفنى الليل والصحة والجهد، في القراءة والمقابلة، والمطالعة والمقارنة، والتصحيح والاستقراء، في سبيل إقامة الأوّد، وإحقاق الحق؛ فله الحمد والثناء على ذلك، ما أبلى وأجاد، وبحث وأفاد. . ولست بقائل له إنني ألحقت بالجزء الثالث ما يفيد ويرشد، وفي الرابع ما ينصف ويحمد. ولست بمتألم لما كان من مبادرته بما تداركناه، لأن الكرم العلمي، والسخاء الأدبي لا يعدوان صنيعه. بيد أني - وهو الأستاذ الحجة - ناقل له هنا كلمات متواضعة أرجح أن علمه الوفير سيسيغها، وعطفه الفسيح سيسعها، وأدبه الجم سيبررها
وكم كان يحلو لي أن أتحدث طويلاً عن النقد وحقيقته، علماً وفناً، وتاريخاً وتطوراً، وما له من أثر عميق يعتد به في توجيه نهضتنا التجديدية إلى الإنتاج والبقاء، والتشييد وحسن الأداء، والتقدم والنماء؛ وكم كان يحلو لي أن أستفيض معك في القول في هذا الباب، وأميط لك اللثام عما لنصفه النقدَة من
سداد تزجية، وحكيم توجيه، وحسن إبانة، وفضل على الصناعة، ومنن في عنق التأليف، ورواج للكتب والتصنيف، وإصابة للنصاحة، وإعانة على الفصاحة؛ وكم كان يحلو لي أن أُزاملك في جولة في تلخيص كتاب (سالسبوري) في علم النقد، وأن أرافقك في سياحة في أسفار (ماكولي) وما كان له من إرشاد إلى الحقائق، في شكر للناشر، وثناء على المؤلف، في غير افتئات ولا إعنات، وفي نأي عن الحقد والشحناء، والجدل والمراء، والإقذاع والهجاء. كم كان يحلو لي ذلك كله وما في سلكه ونظامه، لولا أن النية منصرفة، إذا مد الله في سني العمر، وأطال في حبل الحياة، إلى أن أفرد لك كتاباً في هذا، وأن أشرح لك فيه ما له صلات بالأدب والعالم، وأعرج لك فيه على مضار الخصومات والاتهام بالزندقة، والتشكيك في العقيدة، لأن العلم يجب أن يكون للحق خالصاً، والأدب يجب أن يُخلق للفن محضاً، والفن يجب أن يتجه للجمال صرفا، والجمال يجب تحليته لرفاهة الحس، ومتعة العين، وصقل الذوق، مستساغاً حلواً)
(وهذه فصول لعمرك تتطلب الدرس والتقرِّي، والفرْي والتقصي؛ ولكن قصارى ما نثبته لك هنا، التوجه إليك بالنصيحة، أن تجعل الدين السمح بينك وبين ربك، وأن تتخذ من هديه تهذيب نفسك، وتقويم عوجك، وتغذية روحك، وأن تتنكب ما في وسعك لها مزالق الفتن، واغترارات التردي، ومجاهل التدسي في الخصومات التي تقوم بين العلم والدين، وبين القديم والحديث، وبين الحق والأضلولة، وبين الموعظة والأحبولة، وبين الوجدان والسخيمة، وبين السليمة والسقيمة، وبين الصدق والمين، وبين القصد والسرف، وبين الافتيات والإرشاد، وبين الإعوجاج والسداد، وبين الحلكة والنور، وبين الإفادة والغرور، وبين الرقة واللطف، والشدة والعنف، وبين التعليم والتجريح، وبين الإبهام والتوضيح، وبين الملتوي والصحيح، وبين اللفظ والمبنى، وبين العبارة والمعنى، وبين الإجحاف والإنصاف، وبين الإصلاح والإتلاف، وبين المعدلة والتحيف، وبين الإفادة والتعسف، وبين الإجادة والتحرف، وبين العقل والشهوة، وبين الزبد والرغوة، وبين الهدى والتدني، وبين الجني والتجني، وبين
الشفاء والتشفي، وبين الورع والغاية، وبين البداية والنهاية.)
(ولكن ذلك كله لا يحول بيننا وبين أن نجتزئ لك القول، بأن النقد هو المرشد البريء، والمعلم المؤدب، والظهير المعين، الذي يقدر متاعبك في التأليف، ويشيد بأوجه إحسانك، ويجلي لك مواطن الضعف، في أدب ولباقة، مع تحليل الموضوع، شخصاً كان أو عصراً، إلى ما له من عناصر ومقومات، وأثر بيئة ووسط، ووراثة ودم، ومنبت ومنجم، ومزاج نحيزة، وطبيعة إقليم، إلى ما يلابس عصرك من علوم وفنون، وحقائق وبداية، ونظريات وأسس، ومدارس تفكير، وقواعد جدل، وأصول نقد، ومعايير منطق، ومقاييس مقارنة، وأوجه موازنة، وتناسب مقدمات، واستخلاص نتائج، وفهم لطريقة (ديكارت) ، وتعرف لمناهج (كولريدج) ، واستيعاب لتاريخ (سالسبوري) ، وانتهال من مقولات (ماكولي) ، وقفة على أطلال مذهب (بوالو) ، في استشراف إلى ناحية الجمال والخير من كل شيء، ودرس للطبيعة المركبة في كل شيء، لذاتها لا لأشخاصها، ووصف للصفات الإنسانية العامة، والفضائل البشرية العامة، والطبائع الاجتماعية العامة، كمدرسة القرن التاسع عشر التي كان في طليعة كماتها (كورني) (وموليير) و (راسين) وأترابهم وأشباههم، وانتقال إلى أصحاب المذهب الإيجابي، وهم (أوجست كنت) و (أرنست رينان) ورائدهم (تين) الذين يتوخون البرهنة العلمية في كل شيء، ويرجعون مقومات الرجل إلى الجنس والبيئة والطبيعة والزمن وما إلى ذلك، مع إلمامنا بمذهب (فرديناند برونتير) ، في التدرج والانتقال، المبني على فلسفة (دارون) في النشوء والارتقاء، من تقسيم الآداب العامة، من وجدانية واجتماعية، وشعرية ونثرية، إلى وحدات وفصائل، مما ليس هذا موضع الإسهاب فيه، والشرح له، مع أخذنا بأساليب العرب، وتذوق لمعنى الجمال، في صفاء روح، ومضاء عزيمة، ونفس طُلَعة، ورفاهة إحساس، للموازنة والإفادة، واضطلاع بقدسية العلم، وأمانة البحث، وحرمة العقول، واستكناه لهدى الجدل المترفق الوئيد، وتحرر من ربقة التعنت العتيد، ونزول على سياسة التسهيل والتعبيد، والتأسيس والتشييد، وأن تكون الروح الحاكمة على
سلطان النقد الحافزة إلى الارتصاد له والتبسط فيه الأخذ بصفو المؤلف لا إهدار جهده، والمضي في الإعانة له لا التقحم لانتقاص أثره، والتقدم إلى شد أزره، لا التهانف بذكره، وإجلال صنيعه، في ذوب نفسه، واعتصار ذهنه، وسهر ليله، ومتاعب تحصيله، ودءوب إكبابه، ومضنى إمضائه، وعناء كتابه، بديلاً من سياسة السخرية والتكذيب، والهدم والتخريب، واللوم والتثريب، في غير هدى ولا تعقيب)
أما بعد: فلست يا سيدي الجليل بمنتحل كتاب ياقوت، إلى شخصي الضعيف، لاسيما وقد أفردت لتاريخه ربع الجزء الأول. وأود أن تعلم يا سيدي، غير معلم، في غير غمز ولا لمز، ولا تعليق ولا تعقيب، أن حكمة إصدارنا لما نحاول إصداره من مؤلفات السلف الصالح، (من رسمية وشبيهة بالرسمية؛ فالرسمية، ونعني بها كتب الأدب المجمع عليها، وهي البيان والتبيين، والعقد الفريد، والكامل، والأمالي؛ والشبيهة بالرسمية أمثال ابن منظور، وابن قتيبة، وابن بسام، وابن ظفر، وأبي حيان، والزمخشري، والجاحظ في حيوانه، وما إليها، وكتب الطبقات والتراجم، أمثال معجم الأدباء لياقوت، وتاريخ الإسلام للذهبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ومن على شاكلتهم - أود أن تعلم يا سيدي أن حكمة إصدارنا لهذه المؤلفات هو أنا نرى في إحياء هذه الكتب، وبعثها إلى النشور والظهور، اللبنة الأولى في بناء صرح الموسوعة العربية، التي يحتاج إليها الناطقون بالضاد، والتمهيد الذي لا محيص عنه، إذا ما رغبنا رغبة عملية حقة في الاتجاه العلمي والعملي معا، في وضع دائرة معارف عربية شرقية، مستندة على أصول تاريخية صحيحة، وقائمة على أسس عملية حقة)
ثم أود أن تعلم يا سيدي الصديق الكريم أن وزارة معارفنا قد أحسنت صنعاً وأصلحت أمرا، حينما أخذت على عاتقها إنْشارَ الأدب، وإحياء لغة العرب، وبعث تواليف السلف الصالح، والأخذ بناصرنا في إصدار أمهات كتبنا الأدبية، ومظاننا التاريخية، ومراجعنا اللغوية. ولتعلم - غفر الله لي
ولك - أنها قررت أن تفتح الباب على مصراعيه لكل أديب عالم، أو أستاذ مثقف، أو ناشر همام، يتقدم لها برغبته في المعونة برجالاتها وأئمتها لمراجعة ما يصدر، والإشراف على ما يطبع، رغبة في خدمة الثقافة، وحرصاً على الأمانة العلمية المرجوة. ثم أود أن تعلم يا سيدي أن تسعة أعشار ما يطبع الآن، وما يروج في السوق، ليس من آثارك النافعة، ولا من منتجات من هم في مكانتك وثقافتك، بل هو مع الأسف الشديد من الروايات المبتذلة، وقصص البوليسيات والإجراميات، وأن المصلحة كل المصلحة في محاولتنا جميعاً تغيير الاتجاه، وخلق الذوق الأدبي الجديد
ثم أود أن تعلم - غير معلم طبعاً - أيها الأستاذ الجليل أن ضبط الأعلام، ومراجعة الأعلام، وشرح المبهم، والتذبيل على ما فات المؤلف والناشر - كل هذا ليس بالسهل الميسور، ولا بالعمل الضئيل، الخليق بالسخرية والتهانف. وحاشاك أن تجنح - وأنت المؤدب خلقاً ولفظاً، ومعنى ومبنى - إلى ما لم يعهد فيك طوال حياتك. وأود أن تعلم أيها الصديق الأديب أننا كلنا، في أعمالنا الأدبية والثقافية والعلمية، لم ندرج بعد من مهدنا، وأننا في بداية البداية، وأن لغتنا العربية بحاجة إلى الضبط الكامل، والشكل الكامل، والأيْد الكامل، والتآزر الكامل، وأنني أومن بحاجتي إلى توالي نصحك، ومطرد إرشادك، ومتتابع تعقيبك، ومحتاج حقاً إلى علمك وأدبك. وأود أن تعلم يا سيدي أنك ستأسف كثيراً - وأنا العليم برجاحة عقلك، وسجاحة خلقك، ومتانة مباءتك، ودماثة سجاياك - حينما ترجع إلى الجزءين الثالث والرابع، وترى فيهما أن حضرة أستاذنا سوياً الشيخ عبد الخالق عمر، أستاذ اللغة العربية الأول بدار العلوم لم يأل جهداً في إصلاح الكتاب وتدارك ما فات على الأستاذ المستشرق د. س. مرجليوث، في غير موضع، يستحق التقدير والشكر، والثناء وحسن الأجر
وأود أن يعلم الصديق الكريم - في غير منّ ولا تجمل، وفي غير زهو ولا اغترار - أنني ارتحت أيما ارتياح لتجنيك مبطلاً، أو هديك مرشداً، أو تحيفك متعنتا، أو إرشادك محقاً، في ترجيح نبالة القصد، وحسن الطوية، على ما عداهما علم الله. ارتحت أيما ارتياح - مهما كان الحافز والدافع، والحادي
والهادي - لما كان، لأنني أسأت التصرف حقاً، ولأنني أخطأت محجة السبيل صدقاً، ولأنه لا معنى لأن يحتمل مثلي، ومن في صحتي ومتاعبي، ومن خرج أمس القريب من محنة المعاش، وإضاقة الرزق، وتوالي النكبات والأرزاء - لا معنى لأن يحتمل مثلي مسئوليات كبار، مخيفة ومفزعة، في التصدي لما تصدره الآن (دار المأمون) ، التي تكلفني هي والمراجع الشمسية ومنسوخاتها ومصادرها ما لا يقل عن مائة وخمسين جنيهاً شهرياً؛ لو علم الصديق الكريم النفس والخلق مصدرها وطريقة جمعها، لتردد في أن يركب رأس الشيطان، ولتريث حتى يطلع على استدراكاتنا، ولكان نعم المشجع والظهير، ونعم العون والنصير
وأود أن يعلم الصديق الكريم - غفر الله لنا سوياً، وهو هو النبيل الخلق، الطاهر الذيل، العف الوجدان - أننا معشر الكتاب نعاني الأمرين من حسد الحاسدين، وظلم المبطلين، وشظايا الراجمين. ولو كان الصديق الكريم - رحمه الله، وهو المتصل بالدكتور طه حسين بك زعيم الأدب ونصيره، ومن خاصة الأستاذ أحمد أمين وهو عميد الأخلاقيين، ومن كتاب الرسالة ولها في الأدب وبنائه رسالات خالدات ليس إلى انتقاصها من سبيل - لو كان الصديق الجليل أنعم النظر لآثر أن يترك منهجه الجديد في تقدمته لنقده، لمن هو دونه بمراحل، خلقاً وعلماً، وثقافة وأدباً؛ ثم لوازن - بفرض عدم مطالعته لاستدراكاتنا في الجزءين الثالث والرابع - بين معجم ياقوت لمرجليوث ومعجم ياقوت لدار المأمون، ثم لم يبخل بالإرشاد عن طريق الصحف إن كان محباً للإعلان، أو عن طريق الصداقة إن جنح إلى الاحسان، في غير انتقاص لفضله ولا نكران وأود أن يعلم الصديق الكريم - وأقول هذا من باب الإكبار وأنت خير أهله، ومن باب التقدير وأنت خير موضع له - أنني كنت أنتظر منك ومن زمرتك الصالحة الجليلة أن تكونوا أكثر عوناً لي من الأستاذ مرجليوث؛ فلقد كتب إليَّ - فيما بيني وبينه وبين ربي وربه - ليرشدني إلى أن نسخة شمسية لقسم ناقص من الكتاب لدى المستشرق يهودا، وأن آخر في فلسطين لديه كذا، وأن نسخة مكتبة جلالة الشاه فيها كذا، وهو ليس بعربي، وإن كان للعربية محبا ولها
نصيراً؛ وأنت يا سيدي - الكريم البيت، الكريم الخلق، الكريم الماضي والحاضر - تمسك بمعاول هدم، ومقولات إقذاع، وتمهيدات تهكم! ويا ليتك أتيت بجديد، بل يا ليتك لم يفتك ما استدركناه! والله لا أحمل عليك لأنك شخص، ولكنه الإكبار لشخصك، والإكبار لعروبتك، والإكبار لمصريتك، والإكبار لنصفتك العلمية، ومكانتك الأدبية
ثم أود أن تعلم أيها الصديق الكريم، والزميل القديم، أنني - مع إكباري لكل نقد، ورضوخي لكل هدى، وإذعاني لكل ارشاد، وخضوعي لمحجة الصواب - كنت أؤمل منك كثيراً، وكنت أؤمل من (الرسالة) كثيراً، وكنت أؤمل من علماء العربية كثيراً، وكثيراً جداً؛ وليس بعباب ولا نقيصة أن أفتح لكم قبلي جميعاً، لأقول إن مشروع الأحياء أكثر مما أطيق، وأكثر مما أحتمل، وإنه بحاجة ماسة إلى عونكم الأدبي والمادي؛ أما الأدبي فبغير تلك السبيل الشائكة المقذعة المريرة؛ لاسيما وأنتم أعلم مني، وأدرى بطلاسم النساخ ومعميات الكتاب، وأخطاء الأجيال، ومجاهل اللغة، وفيافي الأحاجي؛ وأما المادي، فبأن تتقدموا بالدعاية القوية الحارة المؤمنة، بأن يساهم السراة والأغنياء في أكبر عمل ثقافي أدبي، يخدم لغة القرآن، ويرفع سمعة مصر إلى السماكين، ويحتفظ بزعامتها على الشرق وعلى الناطقين بالضاد
ثم أود أن يعلم سيدي الصديق الكريم - غير معلم طبعاً - أنني ممن لا يحفل كثيراً بمادحة أو ذامه، وأن مراني في هذا الباب كون مني رجلاً لا يخشى إلا الله، ولا يعمل إلا بوازع يخشى الله دون سواه، وأن مدح اليوم قد يكون ذم الغد، لأن معايير الأشياء تختلف بالبيئة، والظرف، والمكان، والزمان. وما زلت أذكر ما تذكره جيداً من محاضرة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد المهدي، حينما حدثنا عن الصاحب بن عباد، وما عزاه إليه صاحب الأمتاع، في معرض الذم والهجاء، من ميله إلى أن يقال عنه: (أصاب سيدنا، وصدق مولانا، - ولله دره - ما رأينا مثله، مَن ابن عبد كان مضافاً إليه؟ ومن ابن ثوابة نقيسه عليه؟ ومن إبراهيم بن العباس الصولي؟ ومن صريع الغواني؟ ومن أشجع السلمي؟ إذا سلكا طريقهما،
قد استدرك مولانا على الخليل في العروض، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة، وعلى أبي يوسف في القضاء، وعلى الإسكافي في الموازنة، وعلى ابن نوبخت في الآراء والديانات، وعلى ابن مجاهد في القراءات، وعلى ابن جرير في التفسير، وعلى أرسطاطاليس في المنطق، وعلى الكندي في الجدل، وعلي ابن سيرين في العبارة، وعلي أبي العيناء في البديهة، وعلي ابن أبي خالد في الخط، وعلي الجاحظ في الحيوان، وعلي سهل بن هرون في الفقر، وعلي يوحنا في الطب، وعلي ابن يزيد في الفردوس، وعلي عيسى بن كعب في الرواية، وعلي الواقدي في الحفظ، وعلي النجار في البدل، وعلي ابن ثوابة في التقفية، وعلي السري السقطي في الخطرات والوساوس، وعلي مزيد في النوادر، وعلي أبي الحسن العروضي في استخراج المعمى، وعلي بني برمك في الجود، وعلي ذي الرياستين في التدبير، وعلي سطيح في الكهانة، وعلي أبي المحياة خالد بن سنان في دعواه.) وما عزاه إليه آخر في معرض المديح والثناء، في باب مكارم الأخلاق: (إنه استدعي يوماً شراباً من شراب السكر، فجيء بقدح منه، فلما أراد شربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فانه مسموم. فقال له: وما الشاهد على صحة ذلك؟ قال: بأن تجربه على من أعطاكه. قال لا أستجيز ذلك ولا أستحله. قال فجربه على دجاجة. قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز. وأمر بصب ما في القدح، وقال للغلام: انصرف عني، ولا تدخل داري بعدها، وأقر رزقه عليه. وقال: لا تدفع اليقين بالشك؛ والعقوبة بقطع الرزق نذالة) . فلعلك ترى ما أراه من أن للكاتب الواحد 'أحزاباً لامتداحه، وأخرى لاستهجانه والزراية عليه؛ وأن وجهات النظر تختلف، بل معايير الحقائق تتباين على قدر غلبة النسبية فيها. ولعلك ذاكر قصة العميان السبعة مع فيلهم الموصوف؛ ولله في خلقه شؤون
وأخيراً أود أن تعلم يا سيدي أنني شاكر لك حقا كل فضل في إصلاح خطئنا في المعجم وفيما أصدره، لأنني أنشد الخدمة الحقة لوطني وديني ولغتي
والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته
