الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 261الرجوع إلى "الثقافة"

من صور التاريخ :، منظر، من مفاوضات مصر التاريخية

Share

لم تكن مصر فى القرون الوسطى معزلة عن أوربا - كانت دولة الشرق العظمى التى تتصل بكبريات دول الغرب اتصالا وثيقا فى التجارة والسياسة معا . وهذه صورة من صور هذا الاتصال السياسى فى مدة السلطان قانصوه الغورى فى أوائل القرن السادس عشر الميلاد .

كانت مصر فى القرون الوسطى أعظم الدول الشرقية بغير شك ؛ إلا أن تكون الدولة العثمانية الناشئة قد أخذت تظهر على الأفق من أرض الروم ، وتنظر إليها فى شئ من التحدى . ولكن قانصوه الغورى ورث عظمة قرون طويلة فكانت دولته لا تزال تتألق وتجرى رسومها على الأساليب المتوارثة التى تنم عن ماضيها الباهر ؛ الماضى الذى لم يكن لها فيه منافس ولا منازع .

وكانت البندقية أعظم دول الغرب بلا شك ؛ إلا أن تكون تلك الدويلات الناشئة قد أخذت تظهر على الأفق البعيد عند شواطىء المحيط الأطلنتيقى - البرتغال ، إسبانيا ، فرنسا ، إنجلترا - ولكن الدوج العظيم رئيس جمهورية البندقية لا يزال وارث دولة القديس مرقص ، ولا زال يطمع أن يبقى سيد التجارة فى أوربا . وهو لا يرضى أن تقاضيه مصر العظيمة فى الوقت الذى تحركت فيه هذه الدول الشابة الطموحة تعلل النفس بأن تنتزع التجارة من أساطيل البندقية العظمى .

ولكن قنصل البندقية فى دمشق السيد ( بيترو زين ) أغضب السلطان العظيم قانصوه ، وأوشك أن يفسد العلاقة بين دولته وبين مصر . ففى الوقت الذى كانت البندقية تحرص أشد الحرص على معاونة مصر فى مكافحة دويلات

الغرب المنافسة التى ترسل أساطيلها الجريئة إلى مجاهل المحيط ، تحاول أن تنتزع منها سيادة البحار وكنوز التجارة الشرقية ، فى هذا الوقت قبض على رسل تحمل خطابات تدل على أن هذا القنصل البندقى متصل بعدو السلطان - الشاه إسماعيل الصوفى ملك فارس - وأنه شريك فى مؤامرة على مصالح مصر .

كانت غضبة السلطان عظيمة ، وأوشكت علاقات المودة بين مصر وبين البندقية أن تفسد فسادا لا صلاح له من بعد ؛ فأسرعت الجمهورية الكبرى وأوفدت إلى السلطان رسولا من قبلها وهو السفير ( دومنيكو تريفيسان ) ليزيل شكوك السلطان ومخاوفه ، ويعاقب القنصل المذنب ، ويزيد العلاقات بين الدولتين مودة وتوثقا بمعاهدة جديدة تجعلهما يواجهان معا الأخطار التى تهدد تجارة الشرق من قبل العدو المشترك .

نزل السفير دومنيكو تريفيسان إلى بر الإسكندرية ، فى اليوم الثانى عشر من شهر أبريل من عام ١٥١٢ ، وكانت طرق الإسكندرية تموج بجموع الأهلين عندما مر موكب السفير : اربعة صفوف من الخيل الجياد عليها سروج من الحرير الموشى بالقصب ، فى كل صف منها راكبان ، وفى طليعة الموكب السفير عن يسار وأمير البحر المصرى عن يمين .

وكانت الزينة التى أقامها التجار جارية على العرف المتبع إذ ذاك فى مثل هذه المواكب ، فأقيمت الرايات على أبواب المنازل ، وغطيت جدرانها بالقطيفة الحمراء والحرير الملون ، وكتبت التحيات على أقواس النصر .

ثم استقبل السفير فى دار أمير البحر وقدم اوراق اعتماده كما جرت به العادة ، وتبودلت بينهما التحيات حينما ركب السفير واتجه إلى الدار التى أعدت له ؛ وهى دار عظيمة يقول عنها الكاتب الذى وصف رحلة السفير : (( هى دار قد أنفقت عليها أموال لا يتصورها العقل . كانت أرضها من فسيفساء الرخام والمرمر ، وكانت أبوابها مطعمة بالآبنوس

والعاج ، كل قطعة منها تساوى بئرا مليئة بالذهب . وفى الدار نحو ستين من تلك الأبواب )) .

وسافر السفير من الإسكندرية فى الرابع من مايو عن طريق رشيد والنيل حتى بلغ القاهرة بعد يومين ، ونزل فى بولاق فاستقبله الترجمان ( يونس ) وهو إيطالى من مدينة فيرونا التى كانت من قبل تابعة للبندقية .

كانت القافلة التى حمل متاع السفير من بولاق أربعين بعيرا ، على كل منها غطاء أحمر قرمزى نقش عليه رسم القديس مرقص وعلم السفير . وركب السفير وحاشيته متون الخيل الجياد ، وكان يلبس ثيابا من الحرير المزركش بالذهب ومعه أربعة أتباع من الصبيان ؛ اثنان منهما يمسكان لجام فرسه وعليهما ثياب طويلة من الدمقس القرمزى ، والآخران يلبسان ملابس أرجوانية على جانبى ركابه . وركب مع السفير مهمندار السلطان ؛ وسار خلف الموكب جمع من المماليك على خيلهم ، وجمع آخر من المغاربة يركبون الحمير .

وجاء بعد الموكب ركب آخر من أعيان البندقية المقيمين فى القاهرة .

وأنزل السفير فى قصر عظيم جدرانه موشاة بالنقوش المذهبة ، وكانت أرضه كسائر قصور العظماء من الفسيفساء ، وأبوابه مطعمة بالآبنوس والعاج .

وأخيرا بلغ الموكب القلعة فنزل السفير ومن معه ، وصعدوا سلما عدد درجه أربعون درجة ، ثم دخلوا من باب عليه جمع من الحراس . ومروا بعد ذلك بأبواب متعددة بين كل منها والآخر فضاء فيه عدد كبير من المماليك . فلما بلغوا الباب الرابع وجدوا مصطبة الأمير قائد القلعة ، وكان قريبا منه عشرة مماليك يعزفون الموسيقى ويوقعون مع أنغامها بقرع درعين من الحديد أحدهما بالآخر . فلما اقترب السفير نهض الأمير من مجلسه وحياه بإحناء رأسه ، فرد عليه السفير التحية بمثلها .

ثم واصل السفير سيره ودخل فى باب بعد باب حتى

بلغ السابع فرأى بعده فضاء واسعا تحيط به الجدران . وقد علقت عليها صفوف من السلاح تزينها ؛ وكان فى ذلك الفضاء طائفة من صناع السلاح نحو خمسين ، بعضهم يصنع الرماح وبعضهم يطرق الحديد .

وكانت أصوات المدافع تدوى فى الأسماع ، على ما جرت به العادة من تحية العظماء

ثم دخل السفير بعد ذلك من أربعة أبواب أخرى أو خمسة تتخللها أفنية فيها جموع من المماليك حتى بلغ أخيرا رحبة فسيحة مكشوفة للسماء تزيد سعتها على فضاء رحبة القديس مرقص فى البندقية .

وكان السلطان فى أقصى الرحبة جالسا على كرسى على هيئة مصطبة علوها من الأرض نحو قدمين ، وعلى الكرسى غطاء من القطيفة الخضراء ، وكان السلطان يلبس عمامة كبيرة الحجم فى مقدمها من أعلاها زائدتان تشبهان القرنين ، طول كل مهما نحو نصف ذراع ، وكان عليه ثوب من القطن الأبيض من فوقه عباءة من النسيج الأخضر القاتم .

وكان متربعا على الكرسى وقد ثنى رجليه فوقه فى مثل جلسة الحائك ؛ وقد وضع سيفه ودرعه إلى يمينه إذ كان لا يفارق سيفه حيثما يكون ؛ ووقفت عن يمينه طائفة من حاشيته نحو العشرين وقد لبسوا مثله ثيابا بيضاء من القطن ، وجعل كل منهم على رأسه عمامة تشبه عمامته . وهؤلاء هم أمراء المئين مقدمو الألوف ، أو هم أعظم امراء جيوش الدولة شأنا . ثم وقفت فى أنحاء الساحة جماعات أخرى من الحاشية حتى غص بهم المكان على سعته .

ودخل السفير فى حاشيته ، وعن يمينه صبيان من أتباعه وعن يساره مثلهما يرفعان ذيول ثوبه الفضفاض . فلما وقعت عينه على السلطان فى أقصى الإيوان كشف رأسه ، فرفع قلسونته القطيفية وانحنى حتى مس الأرض بأطراف أصابعه ، ثم رفع يده إلى شفتيه وإلى رأسه ، وحيا من حوله من أتباعه بمثل تحيته - وهكذا قبل الجميع الأرض بين يدى السلطان . ثم تقدموا نحو خمس عشرة خطوة

وأعادوا التحية ، ثم تقدموا حتى صاروا على طرف البساط على نحو عشرين خطوة من السلطان فحيوا مرة ثالثة . ثم انحنى السفير وأخرج من صدره خطاب ( الدوج ) رئيس جمهورية البندقية مكتوبا على ورق بنفسجى مختوما بخاتم من الذهب ، وكان معلقا فى حبل من الحرير الذهبى . وكانت كتابته كذلك بحروف مذهبة . فقبل السفير الخطاب ووضعه على جبينه ثم قدمه للمهمندار ليسلمه إلى السلطان .

وفتح السلطان الخطاب وأمر بقراءته ، ثم جعل المهندار يسعى بين السلطان وبين السفير ذهابا ورجوعا لكى يبلغ سؤال السلطان عن صحة الدوج ويقضى إلى السفير بتحيات مولاه . وكان السفير يرد على هذه التحيات والمهمندار فى كل مرة يسعى مترددا بين الجانبين لإبلاغ ما يحمله من تحية وردها .

فلما انتهى الاحتفال على رسمه المعتاد تراجع السفير القهقرى أربع خطوات ، ثم حيا مثل تحياته الأولى وانصرف إلى المنزل الذى أعد له .

وقد لاحظ الكاتب الذى وصف رحلة السفير أنه لا يباح فى حضرة السلطان أن ييبصق إنسان أو يتمخط ، فإن هذه تعد من أكبر السقطات .

ولما عاد السفير إلى المنزل بعث ما أعده من الهدايا إلى السلطان والأعيان . فلما ذهب رسول السفير بالهدايا إلى القلعة أدخل إلى إيوان فسيح يصفه بقوله : (( دخلنا إلى بهو باهر العظمة لا يقاس بجماله شئ فى بهو الاحتفال الأعظم فى دار الرياسة فى البندقية )) .

وكان السلطان فى ذلك البهو ، فدخل عليه رسول السفير فوجده جالسا عند نافذة تطل على حديقة برتقال ، وكان سيفه ودرعة إلى جانبه على ما اعتاد ، وهو جالس على أريكة علوها نحو قدمين متربعا عليها عارى القدمين ، وقد لبس فوق رأسه قلنسوة غير التى كان يلبسها فى الاستقبال الرسمى ، وهى قلنسوة ساذجة ليس لها الزائدتان من الأمام . واقترب الرسول منه حتى وقف أمامه على خطوتين ،

واستطاع أن يملأ منه عينه .

كان يلوح على السلطان مظهر الوقار والنبل ، وكان فى نظره يبلغ نحو الستين من العمر ، على أن الناس يزعمون أنه قد بلغ السبعين . وكانت لحيته سوداء قد تخللتها خيوط بيضاء ، وهو أسمر اللون ضخم الجسم ، قوى البنية . وعرضت عليه الهدايا فاستعرضها واحدة بعد أخرى ، ثم دعا الترجمان وقال له بالعربية : (( بلغ السفير أن الهدايا قد وصلت إلى ، وأننى وجدتها بديعة قد وقعت منى موقع الرضاء ، ولكن أبلغه أن زيارة السفير كانت أبدع عندى من أنفس الهدايا ، فلقد رأيت منه رجلا كاملا حصيفا ليس فيه نزق ولا خفة )) .

فأفضى الترجمان إلى رسول السفير بما قال السلطان . ثم أذن له السلطان ، فانصرف يسير القهقرى بعد تقبيل الأرض على السنة المرسومة . وقابل السفير السلطان مرة ثانية ، وكانت المقابلة بينهما فى ميدان الخيل تحت أسوار القلعة ، وهو فى سمته ضعف ميدان القديس مرقص . وأدخل السفير إلى حديقة السلطان التى أنشأها بجوار ذلك الميدان وكانت فى ضعفى سعة الميدان . وكان فى وسط الحديقة جوسق يعلو سطح الأرض بنحو خطوة تظلله الأشجار ، وتتسلق على أعمدته الأعواد الخضراء ، ووضعت على جوانبه ستائر من الحرير تقى من فيه حر الشمس . وكان عند كل عمود من أعمدة الجوسق قفص فيه طير يغنى . واستقبل السلطان السفير هناك - وكانت على رأسه قلنسوة صغيرة لا زوائد لها . ولم يكن حوله فى هذه المرة إلا الترجمان وأمين السر والمهمندار . وأدخل السفير وحده عليه ليبدأ معه حديث المفاوضة ، وكان طول مدة الاجتماع واقفا على قدميه وقلنسوته فى يده .

ولما خرج السفير من حضرة السلطان دار فى الحديقة يرى ما فيها من الحيوان العجيب كالزرافة والفيل والقردة والأسود ، ثم ذهب بمن معه إلى بيت الدوادار ( وهو طومان بك الذى كان آخر السلاطين ) ، فأديرت عليهم

هناك أكواب الشراب المسكر فى أوان من الخزف الصينى ، فشرب الدوادار قليلا من أحد الأ كواب وقدمه إلى السفير ، ثم أديرت الكؤوس على سائر الضيوف . وأجتمع السفير مرة ثالثة بالسلطان فى الميدان تحت القلعة وكان هذه المرة فى هيئته الرسمية كما كان فى المقابلة الأولى .

وفى أثناء ذلك الاجتماع أحضر السيد ( بيترو زين ) قنصل البندقية فى دمشق وأعلن السفير براءة الجمهورية من جرم قنصلها ، وأنه سيأتى فيها جزاءه بعد أن يحاكم على يد القضاء ؛ ووضع السفير بيديه سلسلة حول عنق قنصل دولته ، وخرج به من حضرة السلطان ليسجنه حتى يذهب به إلى بلاده ليحاكم فيها.

ولم يسمح لذلك القنصل بالركوب بعد خروجه من حضرة السلطان ، بل سار على قدميه والسلسلة فى عنقه . والترجمان يسير إلى جانبه حتى بلغ دار السفير . قال كاتب الرحلة : (( وكان كل ذلك ترضية للسلطان ، فإن القنصل يري ، مما اتهم به ، ولابد لمن كان فى مثل مكانته أن يخرج من المحاكمة بريئا (( بشرفه الرفيع )) .

وتكررت بعد ذلك المقابلة بين السفير والسلطان ولكنها كانت سرية ، وكان الاجتماع فى مواضع غير تلك التى تعد للحفلات الرسمية . وتعددت هذه المقابلات السرية فكان السلطان فى كل مرة ينتقل إلى قاعة جديدة تفوق ما سبقها جمالا وروعة ، وكل منها رائعة النقوش تتوهج بالذهب ؛ ويجلس بها السلطان على وسادة حريرية ، وسيفه ودرعه إلى جانبه كعادته ، ويتكئ إلى جانب نافذة ذات حاجز من قضبان البرنز يطل منها على فسقية  بديعة الصنع (( يدفع رشاش الماء حتى يبلغ موضع النافذة ، وتعلو من حول الفسقية أشجار البرتقال تظللها ويبلغ أعلاها أطراف النافذة .

وفى الجلسة السابعة الختامية عقد السلطان مجلسا عاما وخلع فيه على السفير وأتباعه ثيابا ثمينة من القطيفة المزينة بالفراء تختلف قيمتها باختلاف أقدارهم .

وكانت رحلة السفير موفقة ناجحة ، فقد صفا الجو بعدها بين الدولتين العظيمتين ، فبقيتا جنبا إلى جنب فى وجه عدوهما المشترك . ولكن أبى التاريخ إلا أن يسير فى وجهته .

اشترك في نشرتنا البريدية