قام محسن بك من مكانه بعربة البولمان عند ما اقترب موعد قيام القطار ونزل منه مسرعا ، ثم توجه إلى النافذة التى تطل منها زوجته مديحة . . وعند ما صار قبالتها أشار إليها برأسه إشارة فهمت منها أنه يريد أن يسر إليها أمرا . فأخرجت رأسها الجميل بشعره الفاحم من النافذة فهمس في أذنها :
- اسمعي يا ميمي . . احترسي من الشاب الجالس أمامك فقد لاحظت أنه يطيل إليك النظر . . وأحسب انه سينتهز أول فرصة للتحدث إليك . . إن الرحلة طويلة مملة ، ولكن لديك من المجلات والروايات ما يكفي لقتل الوقت .
فأجابته زوجته :
- يا هذا الكلام يا محسن ؟ ألا تثق في ؟ إن عندي ما يشغل وقتي من القاهرة إلى أسوان ، لا من القاهرة إلي الإسكندرية . فأرجوك أن
- أعرف ذلك يا حبيبتي ولكني لاحظت عندما همست بالخروج من الديوان أنه بدا عليه الارتياح لسفرك وحدك . . أقسم لك أنه لولا ارتباطي بموعد هام لسافرت معك ورجعت بالقطار التالي . .
- محسن ! أيرضيك أن أسافر غاضبة ؟ أما يكفي قلقي على صحة والدتي . . إني الآن في حالة لا تسمح بأن توجه إلي مثل هذا الكلام وهذه النصائح . أقسم لك أنه منذ اللحظة التى تسلمت فيها البرقية التي تخبرني بمرض والدتي وأنا في حالة لا يعلمها إلا الله . . من يدري فربما .
- أرجو أن تبلغيها سلامي وتمنياتي لها بالشفاء . . ولولا ارتباطي السابق - كما قلت - لسافرت معك للاطمئنان على صحتها . . ها هو ذا القطار يتحرك . . لا تنسي أن تتصلي
بي غدا تليفونيا ما بين العاشرة والحادية عشرة صباحا . . ولا تنسي نصيحتي إليك . .
وأزدادت سرعة القطار فتحركت الأيدي وغات مديحة عن الأنظار . .
وبخطى سريعة عاد محسن بك إلى عربته خارج المحطة . وعندما أمر السائق أن يذهب به إلى الزمالك انفرج فم الأسطى محمد عن ابتسامة رآها محسن بك فابسم هو الآخر .
وأخذت الأفكار تراوده . . لقد خلا له الجو . . فها هي زوجته قد سافرت إلى الإسكندرية لتطمئن على صحة أمها . . وقد تمسكت فيها أسبوعا كاملا أو يزيد . فعليه إذا أن يستمتع بكل دقيقة من وقته قدر الإمكان .
لقد مثل دوره بمهارة ، فقد أظهر لها اهتمامه بها وغيرته عليها ، وأفهمها أنه سيصعب عليه تحمل فراقها ، وأنه سينتظرها بصبر و ترقب ، وأوصاها أن تتصل ، تليفونا في مقر عمله حتى يطمئن عليها .
واخيرا سافرت وقد اطمأنت إلي حديثه بعد أن وعدته بالعودة بمجرد اطمئنانها على صحة والداتها . فله الآن أن يقضي الأيام القادمة بقرب إحسان . . تلك الحسناء الفاتنة التي تحيطه بجو كله سحر ودلال . .
وعندما نظر الأسطي محمد في المرأة المثبتة أمامه وجد محسن بك ، وقد استلقى في ركن العربة ، وقد أغمض عينيه وعلى فمه ابتسامة تنم عن الرضا والطمأنينة .
ووقفت السيارة أمام إحدي عمارات الزمالك فاستيقظ محسن بك من أحلامه ، ونزل مسرعا بعد أن أمر السائق بالمرور عليه في الصباح الباكر .
واتصلت مديحة بزوجها تليفونيا في اليوم التالي وأخبرته أنها وجدت صحة أمها سيئة للغاية ، وانها لا تدري تماما موعد عودتها إلى القاهرة . فأجابها محسن : بأنه مشتاق إلى حضورها متألم لغيبتها ، ولكنه نصحها بالبقاء مع أمها حتى تطمئن تماما على صحتها ويزول الخطر .
ومرت الأيام مرور البرق ، وانصرم الأسبوع وانتصف الأسبوع الذي يليه . . وحان موعد عودة زوجة محسن بك فودع خليلته مسرعا بعد أن أخبرها ان زيارته لها ستصبح قليلة خاطفة وفي أوقات متباينة .
فأبدت إحسان استياءها ، ولكن هذا الاستياء تلاشى بسرعة عندما أخرج محسن بك من جيبه سوارا ذهبيا نفيسا وقد طبع اسمها عليه ، وقدمه إليها .
فهل استمتع حقا بهذه الفترة التى قضاها مع خليلته ؟ كلا . . فاللذة التي كان يشعر بها أثناء زياراته لها قد أصبحت في حكم العدم ، وبدأ يشعر بإنحطاط نفسه وتوبيخ ضميره .
لذلك لم يكن بالمنافق عند ما استقبل زوجته عند رجوعها استقبالا رائعا ، ولم يكن بالكاذب عندما أخبرها أنه اشتاق إليها ، وانه لن يدعها تتركه مرة أخرى لحظة واحدة . ولما ذهب ليشتري السوار لإحسان أراد أن يكفر عن خيانته لزوجته المخلصة ، فلم يترك المكان إلا ومعه سوار آخر لمديحة يفوق سوار إحسان دقة وجمالا
وجلس الزوجان إلى المائدة يتحدثان في انتظار حضور الطعام . . ورفعت مديحة فوطتها فتبينت في طياتها سوارا يقع ، فصاحت مهللة وقامت من مكانها لتقبل زوجها قبلة شكر . . وحب . .
وابتسم محسن بك راضيا ، وقد ارتاحت نفسه ومد يده ليتناول فوطته ، فإذا به يجد في طياتها سلسلة ذهبية تلمع فكانت دقة بدقة .
وزالت ابتسامته في الحال . .
وعند ما أحضر الخادم الطعام وجد الزوجين مطرقين وقد علاهما الوجوم والصمت .

