كان الليل يخيم على ربوع القرية ، وكان "الشيخ علي" يسير بخطى منشدة متجها في طريقه إلى كوخه . وكان الشيخ ضعيف النظر ، يعتمد على عصا مجراء في يده ولحيته البيضاء مسترسلة على صدره . وقد تلألأ وجهه النحيف بذلك النور الساطع الذي يتلالا دائما في وجوء القرويين الأنقباء .
وما كاد يمد عصاه أمامه يتلمس الطريق ويتحسس موضع قدميه حتى صادفت جسماً خفى عليه كنهه ، فملك الرعب عليه شعوره واستولى الذعر على قلبه وهم أن يصيح .. ولكن "حمدان" ذلك الغلام المراهق كان قد أضناه السير من الجنوب إلى الشمال ، حتى تشققت قدماء وتمزقت ثيابه وعضه الجوع ، فنام مجهداً بجانب ذلك الجدار من الطريق ، قد استيقظ من غفوته على أثر تلك الحركة ، فهم منتصباً فى شئ من الذعر وفرك عينيه بكلتا يديه ، وقال للشيخ بعد أن اطمأن إليه : لا تخف يا سيدى ...
قال الشيخ متعوذا ، وكان العرق بتقصد من جبينه : من أنت ؟ إنسى أم جنى ؟ .
- لا . لا أنا . انسى . أنا حمدان . - حمدان .. من حمدان ؟ - شخص غريب عن تلك القرية .
- وما الذي أتي بك إلى هنا ؟ وهم أن يضربه بعصاه ، فأجهش حمدان بالبكاء ، وانتحب ، وقال في صوت حزين متهدج حينما صدمته الحقيقة وتذكر أبويه الرحيمين الذين ضن عليهما الزمان بغيره بعد أن ادبا رسالتهما في الحياة أو كادا يؤديانها ، لولا أن صرخ الشيطان في أذنيه فاستجاب لندائه وراح يطوي الأرض على غير هدى ومن غير دليل ، فلقد حدثته نفسه ، ولشد ما تحدث به نفس المراهق إليه وهو في سن لم ينضج بعد فيها عقله ولم يكتمل فيها تفكيره . قال : إني هارب من أبوي . وأراد أن يسترسل في الحديث ،
والألم يحز فى نفسه ، ولكن الشيخ كان قد قطع عليه حديثه وعرض عليه أن يصحبه إلى كوخه . فسار (حمدان) بجواره راضياً مغتبطاً وهو يقول فى نفسه : الحمد لله إذ وجدت فى تلك القرية النائية من سيطعمنى ويأوينى فى ليلتى هذه . ثم جلس الشيخ على فراشه وأجلس حمدان إلى جانبه وربت على كتفه براحة يده فى حنان وإشفاق . وقال :
- من أى جهة أنت يا حمدان ؟ - من الصعيد . - من الصعيد ؟ . أجل .. من الصعيد .
- ولأي سبب تركت أبوبك وأتيت الى تلك القرية ؟ فأطرق حمدان وبرق الدمع فى عينيه الغائرتين ولم يجب، فهز الشيخ رأسه وأومأ إيماءه غير قصيرة ثم تمتم ، وكان حينما تمتم إنما اعتزم فى نفسه أمراً ، وهتف بزوجته وأوصاها بـ"حمدان" خبراً قائلا لها : أكرمى متواء عسى أن ينفعنا .
فلما انبلج الصبح ودبت الحياة فى القرية صحب الشيخ معه حمدان إلى حقله . ثم أخذ يدربه على العمل به - وكان التوفيق حليفة - فأصبح على جانب عظيم من الدراية بفلاحة الحقل وما يطلبه من حرث وبذر وشق قنوات وتحويل مياه وما إلى جانب ذلك من رعى الماشية وحلب البقر . وكان مقدم حمدان على الشيخ مقدما مباركاً ، فعم الخير ، وجادت الأرض بغلاتها الوفيرة وكثرت الثمار وتوالدت الماشية ، فانتعشت حالة الشيخ المادية .
وكان "حمدان" على حداثة سنه ممتلئاً قوة ونشاطاً وعزيمة وذكاء ، كما كان يشعر فى قرارة نفسه و"لأمر ما" أنه وحده المسئول عن تحويل هذا الحقل إلى جنة فيحاء وروضة غناء تحفها الأشجار والنخيل وتتوسطها الأزاهير
والرياحين ، فراح يعمل في الحقل بكل ما أوتي من قوة وحكمة وشرف عليه بكل أمانة وإخلاص . فكان ذلك مما جعل أهل القرية يهمسون في أنفسهم ويتحدثون في كل مكان عن "حمدان" ذلك الغلام الذي اغترب عن دياره وأوطانه وفر هاربا من بين أحضان أبوه اللذين بانا على أحر من الجمر ، فلا يغمض لهما جفن ولا ينقطع لهما سؤال ولا يكف لهما لسان عن الهتاف بذكراه، فلقد ثكلته أمه على غير موعد منه ، فكف بصرها واحدودب ظهرها وراحت تندب حظها بين جاراتها وأقامت له ماتما صامتا بين جنيانها .
كل هذا وحمدان يمزح ويمرح بين أحضان الطبيعة الحنون ، كأنما قد نبت في هذه البقعة بين أشجارها وتخيلها ولم ير بقعة سواها ، ففيها غذاؤة وشرابه وفيها سعادته وهناؤه ، فيها "قمر" ابنة الشيخ علي تلك الفتاة الريفية الساذجة الجميلة التي منحتها الطبيعة بسخاء ما تصبو إليه كل فتاة عذراء فهي كالجميلة الناعسة وسط الصحراء الجرداء، هي الوديعة الهادئة التي لا تعرف سبيلا إلى الصخب والضوضاء ، هي محيط آمال "حمدان" وشريان حياته وينبوع سعادته وهنائه وسر بقائه وولائه .
وكانت "قمر" لا تقل عن "حمدان" شوقاً وحنيناً وكان يكفيها بادئ الأمر أن تلقى عليه نظرة أو تداعبه بكلمة عندما كان يحضر فى الصباح فتفتح له باب الحظيرة التى كانت تقع خلف الكوخ ليسرح منها الماشية إلى الحقل، أما الآن وقد كبر معهما فلياهما فكان لا يلذ لهما الجلوس ولا يحلو لهما المناجاة إلا تحت هذه الشجرة "شجرة الصفصاف"، المورقة التى كان قد غرسها حمدان على حافة الغدير بيده وكان هذا المكان موضع نجواهما وبث أشواقهما حينما كانت تقسو الطبيعة عليهما .
وكثيرا ما كانت "قمر" تتردد على الحقل في الأيام الأخيرة إما على سبيل المعاونة أو حمل طعام الغداء.
وفى ظهيرة يوم كان حره فائظاً والشمس تتوسط السماء فتلفح الوجوه بحرارتها المستعرة والماء يغلى فى بطن الأرض ، كان "حمدان" يعمل بمعوله بين شجيرات القطن فضربته الشمس بحرارتها القاسية فألقته على الأرض مغمى عليه ، وكانت "قمر" تعد الغداء على مقربة منه . فصرخت صرخة
دوى لها الحفل وما حوله . فهرول الجيران إلى مصدر ذلك الصوت ، وكان أبوها فى مقدمة من حضر ، فاقترب من "حمدان" وأخذ يعمل على إسعافه حتى أفاق .. ثم حمل على ظهر دابته وذهب به إلى كوخه وأجلسه على فراشه كما أجلس " قمر" إلى جانبه ووقف الشيخ أمامهما برهة يحملق عينيه فى سقف الكوخ. كأنما يستذكر شيئاً .
إنها صور الماضى تتجمع ثم تنساب فى خاطره فيلمع بريقها فى عينيه - نعم صور الماضى - يوم أن استضاف "حمدان" ووقف على حالته ، حيث تمتم واعتزم فى نفسه أمراً .. ثم لوح بيده فى الفضاء . وكانت زوجته واقفة على مقربة منه ، فانطلقت الزغاريد من كل مكان وأقبلت الجيران تهنئ أم قمر.
هذا ما كان قد اعتزمه الشيخ حين تمتم وبجانب كوخه كوخ صغير يضم حمدان وقمر فى حياة زوجية كلها إخلاص ووفاء وسعادة وهناء ، ثم أقبل الشيخ يبارك للعروسين، ويدعو لهما بالرفاء والبنين .
وأخيراً جلس الشيخ إلى حمدان ، وكانت جلسة أماطت اللئام عما يكنه الوالد الرحيم لولده البار وأخذ بيد حمدان بين يديه وضغط عليها فى رفق وحنان وهو يقول له فى صوت هادئ رزين يتم من صوت رجل ناهز السبعين من عمره : أى بنى - لقد قدمت علينا غلاماً طائشاً والآن وقد أصبحت رجلا كاملا ، فلك زوجة صالحة وثروة طائلة، ولقد رزقنى الله مالاً وفيراً مدة إقامتك بيننا ، وما أظن ذاك إلا بسر وفائك وإخلاصك وأمانتك وشرفك وإقدامك وشجاعتك وقد وقفت جل ما أملك عليك وعلى ابنتى قمر ؛ ولكن على شرط - على شرط أن تبقى بيننا ولا تبرح أرضنا وإلا فأنا فى حل من هذا - وانصرف الشيخ .
بيد أن ما ذكره الشيخ لم يئن من عزيمة حمدان ، ولم يغير من أمره شيئاً ، بل ولم يدخله الغرور بذلك ، فهو وقد أصبح ذلك الرجل المفتول الساعدين ، الذى كسب سعادته من شقائه وزوجته من دمه وأعضائه . وما هذه الثروة إلا بعد ذلك وحرمانه، فلقد كان حريصاً على مواصلة عمله فى الحقل ، فهو بداية نعيمه ونهاية سعادته .
وكان "حمدان" يقضي نهاره مع الشيخ في حقله، وبعد الغروب يبدأ ليله مع زوجته بعد أن يتناولا طعام العشاء الذي كانت ترسل به أم قمر إليهما كل ليلة .
وكانت حياة حمدان مع قمر حياة صافية زاهية لا تشوبها أية شائبة ، حياة ريفية ساذجة قوامها الدعة والبساطة ، وظاهرها الطهر والبراءة ، فلقد أنجبا فى ظلال أوراقها الوارفة وأغصانها المتشابكة طفلاً ظريفاً كان موضع حدب جده ورعايته وظلاً لأبيه لا يفارقه ، فحرك فى قلب حمدان ذكريات وعواطف - ذكرى الطفولة وعاطفة الأبوة - تنازعهما المادة وما ستئول إليه من الثروة ، وكانت الحقيقة قاسية على القلب مبلبلة للعقل حينما ألقى عليها نظرة عابرة ، ولكن بعد أن أمعن النظر وحكم القلب أسر إلى زوجته لما كان يعهده فيها من الإخلاص والطاعة ، فكبر عليها
فراقها لوالديها كما عز عليها إفلات هذه الثروة من بين يديهما ؛ ولكن زوجي الذي وقفت عليه سعادتى وولدي سر بقائي ... لا . لا استطيع البعد عنهما ، ثم أقبلت على زوجها وأخذت تعاونه على حزم أمتعتما وجمع مالهما ، وإذا يهاب الكوخ يدق في عنف فقطع ذلك عليهما عملهما . وأرهقا السمع وقلباهما يخفقان ..
ثم تقدم حمدان إلى الباب وفتحه في شئ من الحذر ، ولكن سرعان ما فتح الباب على مصراعيه وهتف بزوجته قمر .. أقبلي .. إنهما أبواي قد أتبا مع أبويك.. فلقد من الله علينا وحفظ لنا ثروتنا وكفانا ما نحن فيه ... فلما سمعت الأم صوت ولدها حمدان استقامت قامتها وارتد إليها بصرها - ورفع أبوبه - وخروا له ساجدين ...
