كانت دائمة الصمت كثيرة الوجوم ، وإذا تحدثت فإنما تتحدث مع نفسها ، أو مع القطط التى تريبها وتقوم لها بحاجاتها من مطعم ومشرب ونظافة ، وهناك مجموعة كبيرة من الحمام تعودت أن تعتنى به ؛ فإذا ما نادته أسرع بالنزول من أوكاره " الخشبية فرمت له بالحب ، وأخذت تتحدث مع نفسها وهي تتأمله ، وربما هبط بعضه على كتفها وقد تعود ذلك بعد أن أمن جانبها ، كانت هذه " الحاجة صبيحة " صغرى ثلاث أخوات عوانس ، بقيت وحدها فى الدار بعد أن توفيت الكبرى بعد مرض عصبى عنيف حاولت فيه أن تقتل نفسها مرتين ، وأما الثانية فهى تعيش فى مستشفى المجانين ، أما هى فقد أبت أن تترك البيت لتنفل إلى الدار الكبيرة التى يملكها أخوها " الشيخ مجاهد " ويعيش فيها مع عائلته وأولاده ، إنه عرض عليها أن تترك البيت الثانى عنده فرفضت مقتنعة بحمامها وقططها وبالمرتب الذى يدفعه لها أول كل شهر ، كانت تجب هذه الحيوانات وتعطف عليها ،
وتحدثها بكل ما فى خواطرها ، وطالما طردت خادمتها واستبدلت بها غيرها لأنها طردت قطة من المطبخ ، أو أهملت تنقية الحب الخاص بالحمام ؛ فى مرة تشاجرت مع أخيها لأنه اراد أن يأخذ عددا من الحمام ، وفى مرة أخرى حزنت وبكت عدة أيام حدادا على قط جميل كانت تدعوه " زهر " وحدثت عنه زائراتها من الجارات اللواتى كن يترددن عليها ويجدن فى كلامها نوادر ومفارقات يتحدتن بها ، ومع ذلك فقد كانت تفضل الخلوة والاعتكاف عن الناس ، ولكنها لا تسأم الخلوة مع هذه الحيوانات الحبيبة إلى نفسها ، فهى لذتها لأنها تتحدث لها وتكثر من الحديث ، وربما قصت تاريخ حياتها وأفضت لها بعواطفها التى قتلها أخوها ، لأنه منع خطابا كثيرين عنها وعن أختيها ، وتسبب أخوها الشيخ فى موت الكبيرة منهن ، وفى جنون الثانية ، والأدهى من ذلك أنه يريد أن يضمها إلى بيته حيث تتحكم فيها زوجة أخيها ، والأهم من ذلك أنها لن تجد الهدوء الذى أحبته ، والسكينة التى تحلم
فيها بأمانيها ؛ لأنها وإن تعدت الأربعين فإنها طامعة فى موت أخيها ، وفى رجوع بعض الخطاب ليتزوجها من تختاره منهم ، لأنها ما زالت جميلة ، بدليل أن وجهها لم يتجعد ، وهى تخشى تقاليد الأسرة وإلا لأقلعت عن احترامها لأخيها ولثارت عليه ، بل ولهربت إلى حيث تجد الحرية والحب ، إنه منعها من أن تكون زوجة ، وكذلك منع أختيها وتسبب فيما حدث خوفا على جزء عظيم من ثروته ، فقد خشى أن يطالبنه فيما بعد الزواج بحصتهن فى الميراث ، وبذلك تخرجج عدة آلاف من الجنيهات من يده ، ولم يكن له أبناء أخ ليتزوجهن لهم كما يتخلص من هذا المأزق الكثيرون من أمثاله . لم تكن وحدها تتحدث بهذا إلى قططها وحمامها ؛ بل كثيرا ما تحدثت نساء القرية بقصتها وقصة أحتيها المسكينتين ؛ وعلى الرغم من أنها لم تشك لأحد حالها ولم تتحدث عن أخيها بسوء ، فقد كان يسمعها بعض المارين تتحدث مع حمامها ، وفيما عدا ذلك كانت عادية جدا تحاول أن تظهر بالأبهة والكبرياء فى حضور الزائرات ، وربما تحدثت إليهن عن هدايا أخيها إليها حينما رجع من العاصمة ، أو حينما زارها فى العيد . . ولكن
حدث أن أكثر الناس من التحدث عنها لأنها أخذت تحدث أحيانا وتصبح وتبكى أحيانا . وأراد أخوها أن يرى ذلك بنفسه ، فذهب إليها بعد أن تسمع بنفسه وعزم على أن يضمها إلى بيته الكبير لعلها تجد مع أولاده وفى وسط عائلته ما يشغلها وينسيها آلامها وذكرى أختيها ؛ وعندما عرض عليها الأمر رفضت وبكت وصاحت فيه وأمرته بالخروج ، ولكنه أمرها بأن تسكت ؟ فما كان منها إلا أن هجمت عليه ، ولولا دخول بعض الناس من الجيران الذين حالوا بينهما لحدث ما لا تحمد عقباه .
وفى اليوم التالى تحدث الناس عن ذهاب الحاجة " صبيحة " إلى مستشفى المجانين ، ثم جاء بعض أولاد الشيخ فحملوا الأثاث وأخذوا الحمام وطردوا القطط ( الناصرية - العراق )
