كانت الساعة التاسعة والنصف وكان عم مكاوى قد تعشى منذ نصف ساعة وأوى مع زوجته إلى فراشيهما . أما زوجته فقد أضاءت النور الخافت بجوار فراشها وأمسكت مجلة تقرؤها حتى يغلبها النعاس ، أما زوجها فمن عادته أن يظل أرقا فى فراشه ساعة من الزمان يفكر فيما فيما مر عليه طيلة يومه وفيما سيصنعه فى غده .
وعم مكاوى صاحب تجارة واسعة ؛ ولو أنه كهل تقدمت به السن حتى يكاد يكون فى الخمسين ، فهو وحده يدير محله الكبير بشارع شبرا ، وهو يبيع ويشترى الأثاث القديم وله ورشة كبيرة ملحقة بمحله الكبير يعمل فيها اثنا عشر عاملا يقومون بصيانة الأثاث للمشترى والبيع أو تصليحه ، وثروة عم مكاوى تتكون من الموبيليا التى يزخر بها محله وورشته . . وحزمة من الكميبيالات ، هى أقساط شهرية مستحقة من بعض الزبائن الذين يدفعون بالأجل . تملأ حافظة نقوده فتكاد تنفجر بها ، وهو من أجل هذه الموبيليا والمحل والزبائن والعمال والكمبيالات يحتاج إلى أن يخصص ساعة من وقته قبل أن يسلم نفسه لسلطان النوم ليفكر فيما باع اليوم وما كسب ، وهل كان يمكن أن يكسب أكثر مما كسب ؛ وليفكر فى العمال ، هذا يطلب علاوة جديدة ، وذاك بدأ يتأخر فى مجيئه فى الصباح رغم إنذاره . وليفكر فى حقه من أصحاب الكمبيالات ؛ وليفكر فى بيته ذى الطابقين الذى يمتلك والذى يؤجره بشارع ترعة الجلاء بشبرا وفى ساكنى هذا البيت . . وعندما وصل شريط أفكاره إلى بيته الذى يؤجره وإلى ساكنى هذا البيت تذكر شيئا : تذكر الإيجار ، تذكر أن اليوم هو السابع من الشهر ولم يؤد السكان ما عليهم من إيجار ! ولقد ذهب عم مكاوى ، كعادته أول كل شهر ، ليحصل الإيجار من سكان الطابقي الأرض وهم يتكونون من موظف حكومى وزوجته وأولاده ، وتذكر
وهو فى فراشه ما دار بينه وبين رب هذه العائلة : - لى طلب يا عم مكاوى . - ما هو يا إبراهيم أفندى ؟ - حضرتك تعرف أننا الآن فى شهر ديسمبر ؛ كل ما أريده لوحان من الزجاج أضعهما فى هذه النافذة لأن زجاجها مكسور كما تعلم حضرتك . كما أريد نافذة أخرى كاملة : خشب وزجاج للفتحة التى تغطيها الآن بأكياس الخيش ، وقد كنت وعدتنا بهذين الطلبين . الدنيا يرد الآن . .
- تمام يا ابراهيم أفندى . لقد كنت أفكر فى هذا أيضا ، ولقد جئت اليوم أقول لك بما أنى رجل مشغول فى عملى كما تعرف حضرتك منذ الصباح حتى المساء وبما أنى أعرفك وأثق فيك لأنك تسكن ببيتى منذ أكثر من سنة ، فقد رأيت أن أدع لك مهمة شراء كل ما يلزم للنافذة المفتقرة إلى الزجاج وكل ما يلزم للفتحة التى تنقصها نافذة كاملة . ولأجل هذا لن أحصل منك إيجار هذا الشهر لتشترى به ما تحتاج إليه ، وسأحاسبك فيما بعد .
- ولكنى اخاف . . - أنا راض بذمتك يا إبراهيم أفندى . المبلغ صغير : خمسة جنيهات ليست بالشئ الكثير . - متشكر جدا سأحاول شراء اللازم فى أقرب فرصة - عظيم ، والآن ، أتري سأجد سكان الطابق الثانى - أغلب الظن أن لا . الساعة الآن الثامنة والنصف ، وهؤلاء طلبة يسهرون فى الخارج حتى العاشرة أو الثانية عشرة كما يمكن أن تعرف .
- تمام ، ولكنى لن أستطيع الحضور مرة أخرى خصيصا لأجلهم . نحن الآن فى شهر ديسمبر والجو قد ابترد ، وأنا رجل " خلاص بأه يا الله حسن الختام ، والمسافة
بين بيتى فى شارع الجسر حتى هنا طويلة على . فلا تؤاخذنى يا إبراهيم أفندى إذا كلفتك بمأمورية ، لأنى راض بذمتك كما قلت لك . سأعطيك إيصال التلاميذ لتحصل المبلغ منهم فى الوقت الذى تعثر عليهم فيه . . فى الصباح مثلا قبل ذهابك إلى عملك وقبل ذهابهم إلى كلياتهم ومدارسهم ويوم تشترى ما تريد كما اتفقنا أرجو التفضل بالمرور على بالمحل بشارع شبرا لنرى ما على وما عليك .
- بكل سرور يا عم مكاوى .
تذكر عم مكاوى كل هذا وهو مؤرق فى فراشه ، بينما كانت زوجته ما زالت تقرأ فى مجلتها ، وتذكر أن اليوم هو السابع من الشهر " لازم إبراهيم أفندى هرب بإيجاره وإيجار التلاميذ العزاب " وانتقض من فراشه وأزاح عن جسمه اللحاف جنف وصاح : والإيجار أولاد الكلب هربوا بالإيجار " ! عندئذ فزعت زوجته وألقت بمجلتها جانبا .
ما الحكاية ياسى مكاوى ؟!١ - هربوا بالإيجار ! أولاد الكلب هربوا بالإيجار ؛ - الله ! ألم تحصل إيجار البيت بعد ؟ - قلت لإبراهيم افندى يمر على بالمحل . . لا أريد تضيع الوقت ، أين وضعت البنطلون ؟ قالها وهو يقفز من فراشه .
- ولكن أنت رجل كبير والجو بارد فى الخارج .
أجل هذه المسألة إلى غد ، أما الان فنم واسترح .
- كيف أسترح يا شيخه ؛ إن لم أزل الآن فلن أستطيع النوم أبدا . دي حكاية فلوس ، دى حكاية "استكراد" إنى تاجر ، ولا أحب أن يضحك على أحد ولا بمليم واحد ، فما بال إبراهيم أفندى : منه خمسة جنيهات ومن السكان الآخرين سبعة ! اثنا عشر جنيها ضاعت هكذا هباء . أولاد الكلب هربوا بالإيجار ؟ أين البنطون يا امرأة ، لقد كان معلقا على المشجب .
- تجده فى الصوان ، ولكنى لا أريدك أن تذهب الآن . إنك فى حاجة إلى الراحة ، والمسافة حتى هناك يلزم لها عشر دقائق على الأقل . وكان عم مكاوى قد خلع جلبابه الكستور وألقاه حيث
لا يدرى وفتح الصوان وانتزع بذلته عن مشجيها وبدأ يضع قدمه فى البنطلون .
إن لم أذهب الآن فلن يزورنى فى هذه الليلة النوم ، فإذا كنت هكذا سأكون صاحبا فالأفضل أن أنزل ، وخطوة خطوة . . حتى أصل فاطمئن على الفلوس وأعرف إن كان أولاد الكلب هربوا بالإيجار . . أولاد الكلب هربوا بالإيجار .
- يا سيدى فى ستين داهية الفلوس . صحتك أهم من الفلوس .
وكان عم مكاوى قد نسى فى عجلته أن يرتدى القميص قبل البنطلون . فحشر الأول فى الأخير وأدخل رأسه فى الصديرى وبدأ يعقد كرافتته أمام مرآة " التسريحة " .
- أنتم نسوة لا تعرفن قيمة المال : تأكلن وتنمن وتلبسن ، ونجنن أول كل شهر تمددن أيديكن بطلب"فلوس الشهر " . إنى ذاهب وكفانا كلاما .
- ذنبك على جنبك . إن أصبت ببرد أو نزلة شعبية " الشر بره وبعيد " لن أكون مسئولة . أفاهم أنت ؟ - لا تخافى يا امرأة . فلوسى ! أولاد الكلب هربوا بالإيجار . ووضع قدميه فى حذائه على عجل واختطف الجاكته اختطافا وهرع خارجا ، بينما عادت زوجته إلى مجلتها تقرؤها . ...
كانت الأمطار قد هطلت بارحة ذلك اليوم هطولا لم يسبق له مثيل فى القاهرة من قبل ، إذ ظلت السماء تمطر مدرارا لساعات طويلة دون هوادة حتى غرق حي شبرا ، وأصبح من التعذر على الناس أن يخترفوا بعض شوارعه ، وقد ملأها الماء من الجدار للجدار وأصبحت كالبندقية : شوارعها أنهار وبحار ، ومن سوء حظ عم مكاوى أن مصلحة التنظيم أو النظافة العامة أو بلدية القاهرة لم تفكر فى أمر هذه المياء المخزونة ولا فى هذا الطين الذى كونته هذه المياه فى الشوارع التى ما زال بعضها غير مرصوف . مياه مطر راكدة وطين وأقذار ، كل هذا مع برد قارس فى هذا الأسبوع الأول من ديسمبر عام ١٩٥١ . . وكانت الساعة العاشرة إلا ربعا عندما وطئت قدم عم مكاوى
طوار شارع الجسر الذى كان فى شبه ظلام برغم هذه المصابيح الغازية التى يقع ضياؤها الغائر فى مياه المطر هنا وهناك
مضى الرجل فى طريقه على الطوار الأيسر الموازي للبيت وكان لحسن حظه مرصوفا جافا ، مضى فى طريقه بعد أن رفع ياقة جاكتته حول رقبته . . وعندما أراد أن يضغط طربوشه على رأسه وجد يده تضغط على طاقيته الصوفية التى كان ينام بها والتى نسى خلعها ، فتركها كما هى على رأسه ؛ ودس يديه فى جيبى جاكتته : " لقد أمنتك يا إبراهيم على مالى فتفعل هكذا ! أنا المحقوق ، كم مرة أقول لنفسي إياك والثقة فى الناس ؛ ولكنى أعود فأقول : قد يكون هذا الرجل أحسن من غيره ، فأتمنه ثم يظهر بعد ذلك لص ابن كلب " وعندما مرت بفكره " لص ابن كلب " وجد نفسه دون أن يشعر يضاعف سرعته وبحث خطاه أن تتعجل ليلحق بأبناء الكلاب الذين هربوا بالفلوس . فمثلا كنت أثق فى شريكي - يرحمه الله حينما يكون لأن رأس مال المحل كان شركة بيني وبينه . ولأنى رجل سوق ، كنت أترك له المحل وأمر علي الزبائن لتحصيل ما عليهم من مال . ولكن اتضح لى أخيرا أن شريكى لص : كان يبيع البضاعة أثناء غيابى عن المحل و " يلهف " ثمنها فى جيبه حتى اكتشفت عجزا ، ولم أشك إلا فيه لأنه كان المسئول . واجهته بالتهمة فأنكر أول الأمر ؛ ولكن لما كنت متأكدا من اتهامى فقد الححت فى مواجهته بها حتى اعترف . صفيت الشركة - أعنى أعطيته حقه من رأس المال - وبقيت وحدي صاحب المحل . رجل خائن . لم يكن من قبل يجد ما يسد رمقه وزوجته وعياله ، وكم رجائى فى ذلة أن يدخل بى فى الشركة حتى قبلته معى شريكا . سرقنى ابن الكلب ، ابن الكلب هرب بالفلوس ! أولاد الكلب هربوا بالإيجار " ، وكان قد وصل إلي ناصية الشارع فاثنى يسارا ليمضى على طوار شارع التاج ، وكان لحظه السعيد مرصوفا ايضا . " الله يرحمه مات وترك امرأته المسكينة مع من يعمل من أولادها ومن لا يعمل ، ثم أتيت بابن عمى يساعدني فى المحل ويديره معى . أنا رجل فى خريف العمر : تعبث كثيرا . وثقت فى ابن عمى. وكيف لا أثق فى ابن عمى وهو من لحمى ودمى ! تركت له كل شئ فى المحل . إني أريد أن أستريح . أردت أن أجعل
الصغار يعملون كما عملت ويكونون أنفسهم كما كونت نفسى بعرق الجبين . قلت إن ابن عمى جزء منى : أعطيته سبعة جنيهات كراتب وأعددت له غرفة خاصة بالمحل للنوم : مقطوع لا عائلة له . كل هذا لأوفر له أجرة السكن . . كم كان سيدفع إذا عاش وحده ، وكم كان سينفق ليعيش ! ولكن لم تعجبنى أخلاقه : كان يمد يده للزبائن بعد شراء بضاعتهم طلبا للبقشيش . أنا لا أحب هذا لأنه حطة في كرامتى كصاحب عمل ، سبعة جنبيات لم تكن تكفيه ، المغفل ابن عمى وكان من الطبيعى أن أقبله عندى . . ولكنى لم أحبه ؛ طردته وعزفت بعد خروجه أنه كان يفعل كشريكى الأولى . ابن عم خائن . وإذا كنت لم أعد أثق فى أحد فقد وثقت فى إبراهيم دنيا فاسدة ، ليس فيها . . "
وكان عليه فى نفس هذه اللحظة أن يخترق الشارع عرضا ليمضى فى شارع ترعة الجلاء توقف يفكر فى الطريقة التى يعبر بها هذا الشارع . كان لا بد أن يرفع نهايتى بنطلونه ليغوص فى الماء بحذائه وجوربيه وإلا ابتلت ، فأخرج يديه من جيبى جاكتته متأففا متضررا وعالج رفع بنطلونه وجاءته الفكرة أن يدخل طرفى بنطلونه فى جوريبه . وهكذا فعل . وعندما اطمأن إلى النتيجة أعاد دس يديه فى جيبى جاكتته وشرع يهبط من على الطوار . ولكنه راجع نفسه واثنى وأخرج بدا من مكنها الدافى وأراد أن يقيس بها عمق الماء فى هذا الشارع ، ولكنه خاف أن تبتلى يده من هذه المياه القذرة الراكدة ، فأعادها إلى الجيب الذى خرجت منه ، وشرع للمرة الثانية فى الهبوط من الطوار . وما إن فعل حتى غاصت قدماه حتى فوق حافة حذائه بقليل ، ومضى يحترق الشارع ولخطوانه فى الماء صوت غامض " خيب " .
" كانت زوجتى على حق . كان من الممكن تأجيل هذا المشوار حتى الصباح . فإذا كان إبراهيم أفندى قد هرب فعلا بالفلوس فأية فائدة ترجى من الذهاب إليه الآن ؛ وإذا لم يكن قد هرب بالفلوس حتى الآن فكنت أستطيع اللحاق به صباح الغد ! الناس كلهم نيام . ليس هناك ضوء يشير إلى أن أحدا مازال مستيقظا حتى عسكرى الداورية لا وجود له . كما يلوح لى . كل الدكاكين والمحال مغلفة ؛ ليس هناك
غيري : أجرى وراء الفلوس . . الإيجار : أولاد الكلب هربوا بالإيجار ؛ "
ووصل عم مكاوى إلى الطوار المقابل وقد غرقت قدماه فى حذائه . ومضى فى الطوار الأيمن لشارع ترعة الجلاء .
لم تكن أمامه مسافة طويلة فى هذا الشارع حتى يصل إلى بغيته . لم تكن أمامه غير خمسين مترا أو ما يغاربها . وكان للطوار إفريز من الحجارة حقا ولكن لم تشأ مصلحة التنظيم أو النظافة العامة أو بلدية القاهرة رصفه فتركته على ترابه : كان مبتلا ، وكان طينيا زلقا . لذلك ما إن خطا الرجل عليه بضع خطوات حتى أحس خطورة سيره على هذا الطين الزلق ووجد يديه قد خرجتا من تلقائهما من جيبى بنطلونه ووجدهما تندفعان فى الهواء يمينا وشمالا وفى كل اتجاه ووجد جسمه يتلوى ويمشى فى نفس الوقت الذى كانت فيه يداه تندفعان فى كل اتجاه كان يحاول دائما دون أن يدرى ، أن يصل إلى الأتزان الكافى لإنقاذه من خطر السقوط على الطوار أو فى مياه المطر التى تختفى تحتها أرضية الشارع ، وأصبح منظره كمنظر البهلوان الذى يمشى على الحبل فى السيرك ، كادت تزل قدماه عدة مرات . . لذلك كان همه وتفكيره عندئذ فيما أمامه من طريق طينى زلق يخشاء ، لا فى ظروفه الشخصية ولا فى أبناء الكلاب الذين هربوا بالإيجار . وكانت أمامه عقبة أخيرة ، وقد وقف أمام البيت المنشود أخيرا ، وهو على الطوار المقابل ، هي أن يغوص فى مياه الشارع ليعبره عرضا ليصل إلى بغيته . ولكن قبل أن يهبط بقدمه إلى أرض الشارع الغارق فى الماء والوحل وجد جسمه يتلوى وينتى فى الهواء فى عنف ويديه ترتفعان وتنخفضان وتدفعان هنا وهناك لتحاولا إنقاذه من خطر السقوط ولكن قدمه زلت فعلا . . وسقط على وجهه فى عرض الشارع .
وتشاء المصادفة أن يكون أمام بينه " باكبورت " المجارى وهو حظ يحسده عليه غيره من الملاك وهو باكبورت دائما يطفح ودائما يحتاج إلى كسح ودائما تترك مواده الكسوحة فى جواره حتى تتكرم مصلحة التنظيم أو النظافة العامة أو بلدية القاهرة بنقلها حيث يجب أن تنتقل . ونادرا ما تتكرم ، وتشاء المصادفة أيضا أن يكسح هذا
الباكبورت فى ظهر اليوم الذى أمطرت فيه السماء مساءه وتترك مخلفاته فى جواره : كومة من المواد السوداء الخانقة الرائحة ، حتى هطلت الأمطار مدرارا وامتزجت مياهها بمخلفات المجارى و " ساحت " هذه على تلك وانتشرت كلها فى الشارع بطوله ، كما انتشرت فى الشوارع المجاورة ؟ ثم تشاء المصادفة أيضا أن يجرى عم مكاوى وراء حقه من الإيجار فنزل قدمه وهو يشرع فى اختراق الشارع فيسقط فى مياه المطر وما امتزج بها من مخلفات المجارى
عندئذ يرغى ويزيد عم مكاوى وهو " يطبش " فى الماء حتى وقف على قدميه وغاص بهما للمرة الثانية فى الماء . ولم يعد بينه وبين إبراهيم أفندى الساكن - إذا وجده - غير بضعة أمتار تعد على أصابع اليد الواحدة ومترين آخرين هما عرض الطوار ، وأحس بنفسه وهو يخطو خطواته هذه الأخيرة أنه مبتل " يشر ، ماء من وجهه وصدره وبطنه ومقدمة بنطلونه . فلعن امتلاكه لهذا البيت الذى آثر أن يؤجره ليسكن قريبا من محل عمله .
وما إن خلص نفسه من الماء ووضع قدمه على الطوار حتى وجد عينيه تتوجهان أو نوماتيكيا إلى نافذة فى الدور الأرض حيث يسكن إبراهيم أفندى - إذا وجده ! . ولكنه سيجده فعلا ، لأنه لمح بعض النور الخافت يتسرب من شيش نافذة حجرة نومه . عندئذ اطمأن قلبه وهبطت السكينة على نفسه . وترث قليلا أمام الباب ينفض عن ملابسه ما شربت من ماء ويحاول أن يبعد عن أنفه هذه الرائحة الكريهة التى لصقت بوجهه ، وتمتم : " كل هذا ذنب تفكيرى فى أن إبراهيم أفندى قد هرب بالإيجار ؛ إن بعض الظن إثم ". ٠٠٠
عبث عم مكاوى بشاربه المبتل وارتقى درجات الدخل الخمس وتحسس بأصابعه موضع زر الجرس فى ظلام المدخل حتى وجده وضغط عليه مرة وانتظر . ولما لم يسمع جوابا ضغط مرة أخرى أطول من المرة الأولى وانتظر وعندما طال انتظاره : " أولاد الكلب هربوا بالإيجار " . صاح بها وهو يضغط بإصبعه للمرة الثالثة وقد بدأ يغلى من الغيظ والغضب . واستطال ضغطه على زر
الجرس كأنه لم يكن يسمع رنينه داخل الشقة .
- من بالباب ؟ من بالباب ؟ ! إنى قادم يا من ترن الجرس .
وظل إصبع عم مكاوى على الزر يضغطه فى إلحاح ؛ واستطرد الصوت من داخل الشقة : - كفى جرسا . إنى قادم " المشاية " ! إنى أبحث عن " المشاية " من بالباب . وسمع عم مكاوى أخيرا كلمتى " من بالباب ؟ " فنزع إصبعه عن الزر وفرك يديه .
- أنا مكاوى . أترى أقلقتك من نومك ؛ وكان صاحب الصوت يقترب من باب الشقة زاحفا على " مشاية " .
- أهلا عم مكاوى . تفضل . وفتح الباب ، واستطرد إبراهيم أفندى وهو يفرك عينيه وبتثاءب .
- تفضل يا عم مكاوى . أهلا وسهلا .
- كنت نائما ؛ انا آسف يا إبراهيم أفندى إذا كنت أيقظتك .
- لا ، معلش . . تفضل " أسقيك حاجة سخنة " .
- لا . وقت آخر . لقد كنت فى زيارة عند جماعة من أقاربنا ، وإذ كنت أمر بك قلت أرى ماذا فعل فى إيجار السكان .
وكانت فلنسوة عم مكاوى الصوفية قد استرعت انتباه إبراهيم أفندى ، هذه الفلنسوة الليلة مقدمتها على رأسه ، كما استرعى انتباهه حلته الليلة من صدرها وبطنها ومقدم ساقيها و " حشر " طرفى بنطلونه فى جوربة .
- حضرتك سقطت فى الماء . ؟ - نعم يا سيدى . زلقت قدمى : لست أفهم ماذا تفعل مصلحة التنظيم أو النظافة العامة أو بلدية القاهرة! تذهب إلى أحياء الكبراه والعظماء نجدها " تشف وترف " أما أحياؤنا الفقيرة المسكينة فنجدها غارفة فى شبر ماء وتنزلق قدماك فى الطين فتطأ أقدارا ونزكم أنفك دائما رائحة المجارى .
نهايته . أترى حصلت إيجار الطلبة يا إبراهيم أفندى - لم أحصله بعد يا عم مكاوى . طلعت لهم أول أمس
بعد الظهر فقالوا لي إن الفلوس لم تصلهم بعد من البلد . عائلتهم فى الصعيد وتأخروا هذا الشهر فى إرسالها . طلعت لهم أمس فلم أجدهم . وبما أنه من عادتى أن أنام مبكرا بينما هم يعودون فى الساعة الحادية أو الثانية عشرة تمام ؛ وفى الصباح أنا انزل لعملى مبكرا بينما يكونون هم نائمين . على أى حال . هم أولاد طيبون .
- أنا لم أقل شىء . لقد كنت مارا بك فقلت أرى ماذا صنع .
ولم يكن إبراهيم أفندى من السذاجة بحيث يصدق أن عم مكاوى كان يمر على البيت مصادفة ! وهل يخرج الناس من بيوتهم للزيارة وقلانهم أو طواقيهم على رؤوسهم ! لقد كان يدرك تمام الإدراك أن عم مكاوى قد جاءه هذا المساء خصيصا ليطمئن على الفلوس .
وعلى فكرة يا عم مكاوى . أنا لم اشتر الزجاج ولا النافذة الكاملة بعد ، لأنى أبحث عن أشياء رخيصة تؤدى الغرض لئلا تنفق كثيرا .
عال عال . والله أنت رجل ابن حلال يا إبراهيم أفندى .
- حضرتك وثقت فى ويجب أن اقوم بالمهمة خير قيام - حسنا . كلمة أخيرة قبل أن أتركك . أترى لو صعدت لهم الآن أجدهم .
- والله لا استطيع الإجابة . لقد كنت نائما منذ التاسعة . . أريد القول .
- أنا آسف يا إبراهيم أفندى إن كنت أيقظنك وأفزعتك من النوم .
لا .لا. لم أكن أقصد . كنت أريد أن أقول إنى لم أشعر بعودتهم من الخارج إذا كانوا قد عادوا فعلا .
- حسنا سأصعد إليهم لأرى بنفسي . عندك الإيصال يا إبراهيم أفندى ؟
انتظر لحظة قصيرة حتى آتيك به . تفضل فى الداخل . إنى أراك ترتعش من البرد يا عم مكاوى .
- لا ، متشكر ، سأصعد إليهم فى بضع دقائق ثم أعود إلى البيت للتو .
- إذا انتظر لحظة قصيرة.
وغاب إبراهيم أفندى قليلا داخل شقته وكان عم مكاوى أثناءها يرتعش من البرد وهو يحس البلل فى ملابسه الداخلية ، وأجال عينيه فى المكان ؛ فى نور " النواسة " الضئيل الذى كان يتسرب من باب الشقة إلى الردهة الخارجية . لاحظ البلاط قذرا تراكم عليه الطين من كثرة النعال التى تطؤه وبسبب المطر وبسبب إهمال المؤجرين عموما لأنهم لا يهتمون بمسألة النظافة والقذارة مطلقا ، ومعنى أنهم لا يملكون البيت . . أن يوسخوه ويبهدلوه ، وماذا يعنيهم ؟ ! وماذا يخسرون ؟ ! هم يدفعون الإيجار كل شهر ، بمعنى أنه إذا تهدم البيت وانهار فلا يحركون ساكنا ، وتذكر مرة دخل فيها عند إبراهيم أفندى وجلس فى غرفة الضيوف وسمع الست زوجته تدق " الهاون " فى الصالة على البلاط ، لماذا تدق في الصالة وهو قد وضع فى المطبخ بلاطة ما زلت خصيصا للدق عليها فى " الهاون " ! لا يفهم ! وهو يذكر أنه وهو يخرج من غرفة الضيوف فى ذاك اليوم رأي عددا من بلاط الصالة مكسورا غالبا من الدق فى هذا الهاون اللعين . السكان . . السكان دائما : يخربون فى بيوت الناس - ها هو ذا الإيصال يا عم مكاوى . - متشكر جدا أسعدت مساء يا إبراهيم أفندى . سأصعد لأرى حكاية هؤلاء الطلبة . ٠٠٠
تناول عم مكاوى الإيصال من إبراهيم أفندى وقبل أن يرتقى الدرج سمع باب الأخير يغلق ." الدرج قذر أيضا اعوذ بالله ! ألا يمكن أن يؤجروا أحدا يكنس لهم السلالم أو يمسحها بالماء ! إن النظافة من الإيمان ؛ من يرى النظافة حوالهي يشعر أنه هو أيضا نظيف . قرشان كل يوم جمعة لا يؤثران فى مالية أحد ، يؤتى بهما بمن يكنس السلالم أو يمسحها . ولكن أقول لمن ؟ ! هؤلاء طلبة . ومن جهة أخرى فهؤلاء ينفقون كل وقتهم فى الخارج ، ولا يعودون إلى البيت إلا فى النادر . . " وكان عم مكاوى قد وصل إلى ردهة الطابق الأول ، وكانت معتمة ، فأخرج مشط " الكبريت من جيب بنطلونه وكان لحسن حظه جافا لم يمسه الماء ، و " شك " عودا فى الظلام واقترب بالنور الضئيل من باب الشقة ليضغط على زر الجرس ولكنه لمح الباب مواربا
لم يسمع أي صوت فى الداخل : " أولاد الكلب هربوا بالإيجار محدش جوا ! " وكان عود ثقابه قد اقترب من نهايته فألقى به و" شك" ، عودا آخر ودفع الباب بيده ودفع برأسه فى فرجة الباب يتقدمه عود الثقاب . رأى فى ضوء الثقاب المرتعش سريرا فى ركن من الصالة ينام فيه شخص ملتف في لحاف وبطانية " من هذا ؟ وكيف ينام والباب مفتوح لابد أن يكون من غير السكان . أولاد الكلب هربوا بالإيجار ! هذا شخص غريب يتدفا هنا . سأقبض عليك يا ابن الكلب . . " وتنحنح بصوت مرتفع مرة ومرة ، وأحس بلهب عود الثقاب يقترب من أصابعه فألقاء و " شك " عودا ثالثا ، وعلى صوت هذه الشكة فزع النائم وقفز من فراشه .
من؟!
ومن هذا الصوت عرف عم مكاوى أصغر الطلبة الإخوة الذين يستأجرون هذه الشقة .
- لا تخف يا مختار ، أنا عم مكاوى . كيف تنام يا بنى وباب الشقة موارب ؟ ! ألا تخاف أن يدخل عليك غريب ؟ ولابد أن كان منظر عم مكاوى شائنا غريبا فى قلنسوته وبذله المبلولة وبنطلونه الذى حشره فى جوربيه وعود الثقاب الذى يمسكه بين أصابعه ، فقد كان مختار يحاول كتم ضحكة فى صدره ، ولكن دون جدوى . . فقد أطلقها مجلجلة صاخبة
- ماذا ترى فى يضحك ؟ ! أين إخوتك يا مختار ؟ وكيف تنام والباب مفتوح ؟ - لقد بارح إخوتى الدار منذ الخامسة ، وقبل أن يذهبوا رجوتهم أن يوصدوا الباب خلفهم . أغلب الظن أنهم نسوا إيصاده .
كنت أريد مقابلتهم .
- لأجل الإيجار يا عم مكاوى . . أنا لا أعرف شيئا عن مسألة الإيجار . أخي الكبير هو الذى . .
وأحس عم مكاوى مرة أخرى بلهب عود الثقاب يقترب من أصابعه ووجد نفسه دون أن يدري يلقيه و " يشك" عودا آخر دون أن يتنبه إلى أنه بإمكانه الضغط على زر
النور الذى فى متناول يده فى جوار الباب الذى كان ما زال واقفا عنده .
- لقد تأخرتم كثيرا على الدفع يا ناس . اليوم السابع فى الشهر .
- إذا أمكنك الانتظار هنا الآن حتى يعودوا . . أعتقد أنهم لن يتأخروا كثيرا اليوم نظرا للبرد .
- من يدرى فقد يتأخرون ! ونظر فى ساعة يده وأردف : الساعة الآن العاشرة وسبع دقائق . معلش . سأذهب الآن . أرجوك أن تقول لأخيك الكبير أن يتصل بى فى المحل . . الإيجار . .
- بكل تأكيد يا عم مكاوى . - والآن ، نم كما كنت نائما ، وسأغلق الباب من خلفى . وتقهقر خارجا وأوصد خلفه الباب ، وسمع وهو يهبط الدرج ضحكة ساخرة تجينه من وراء الباب. ٠٠٠٠
ووجد عم مكاوى نفسه فى الشارع مرة أخرى عائدا بخفى حنين إلا من إيصال الإيجار المستحق من الطلبة . ومضى فى طريقه بعد أن أعاد ضم ياقتى جاكتته حول رقبته ودس يديه فى جيبى بنطلونه . مضى بحذر بضع خطوات على الطوار الموحل ؛ ووجد أن أسلم طريق ليقى نفسه السقوط مرة أخرى هو أن يمشى على الإفريز الحجرى .
ولأول مرة فى هذا الشتاء خرجت من أنف هم مكاوى " عطسة " قوية زلزلت كيانه تبعتها " عطسة" ثانية أشد قوة من الأولى جعلته يتمتم وهو ماض فى طريقه القفر : " والله امرأتى لها حق ! ساعات برضه الستات بيفكروا كويس . لو كنت سمعت كلامها ونمت وأجلت المشوار ده . للصبح ما كنش حصل حاجه وما كنتش أخذت برد ! وعطس للمرة الثالثة عطسة أقوى من السابقتين. . وأغد السير .
