الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الثقافة"

من صور الحياة

Share

وسط في ثقافته وعقليته ، وسط في خلقه ، ولكن آتاه الله بسطة في المال ، وقوة في الجاه ، وحظا في مباهج الحياة . له المزارع الواسعة بحيواناتها وآلاتها ، تغل عليه خيراتها ، وله القصر الفخم على البحر يتخذه مصيفا ، وعلى حافة الصحراء يتخذه مشتى ؛ ما اشتهي شيئا إلا كان لديه حاضرا ، فالمال لا يعز عليه شئ . كل الناس مسخرة له تنفذ إشارته وتمجد إرادته ، سواء منهم من انتفع بغناء ومن لم ينتفع . طلبه نافذ بين رجال الحكومة لجاهه ، وفي بلده لماله ، وعند من لم يعرفه لمنظره الفخم ورنة صوته التى توحى بالعظمة والسلطان . استطاع المال أن يجعل منه " باشا " ، وأن يتخذ منه عضوا في البرلمان ، على اختلاف الحكومات في ألوانها ومذاهبها . تخالف قوانين الري لسقي أرضه ، وتعطل اللوائح لتحقيق غرضه ، ويوقف تنفيذ الأحكام عليه خوفا من بطشه

لم تستطع رغباته الكثيرة ، ولا مطالبه الوفيرة ، ولا نفقاته الواسعة - أن تنقص شيئا من ماله ، بل كل سنة يشتري ارضا جديدة وأسهما في الشركات جديدة .

ولم يذق يوما طعم الحاجة ولا ألم الدين ، ولا تمني شيئا ثم لم يجد من المال ما يسعفه ، بل إن حق له ان يشكو شيئا فهو أنه يأكل في الحياة من مائدة فخمة دائما ليس فيها توابل ، وينعم دائما نعمة لم يلونها الشقاء

ثم تزوج فسعد في زواجه سعادته في ماله ، ضم بزواجه مالا إلى مال ، وجاها إلى جاه ، ونعيا إلي نعيم ، وراي في زوجته ما يتمني من جمال ومن خلق ومن ذوق .

تكشفت له الدنيا عن صورتها الجميلة ، وحجبت عنه كل نواحيها السيئة ، فكان يعجب من شكوي الناس ومن ذم الدنيا ، ويقيس كل شئ بمقياسه ، فيري ان ليس في الإمكان ابدع مما كان ؛ ويعلل شكوي الناس بسوء طباعهم ، وفقرهم بقلة عقلهم ، والمهم بضيق نظرهم .

لم يرزق من الدنيا إلا ابنا واحدا وضع فيه كل أمله ، ومنحه كل عنايته ورعايته ، حتى شب كاحسن ما يكون الشباب صحة وثقافة وخلقا

أخذته الحمى فارتفعت حرارته ، وذبل جسمه ، واصفر وجهه ، وغاب عقله ، وبذل الأب كل ما يستطيع لنجاته ؛ هؤلاء أشهر الأطباء ، وهذا أعز الدواء ، وهؤلاء الممرضات ينقذن التعاليم في دقة وإحكام ، وهذا كل ما يستطاع وما لا يستطاع لانقاذه .

وينظر الأب إلي مزارعه الفسيحة ودنياه العريضة فيراها أضيق من سم الخياط

يتمني أن لو جرد من كل ثروته ، ومن كل صحته ، ومن عينيه يبصر بهما ، ليبرا ابنه من المرض ، وينجو من الموت . ويرجو ان يكون سائلا يتكفف الناس ، ومعدما لا يجد قوت يومه ، ومسكينا لا يملك من الدنيا إلا ثوبه المهلهل يستر جسمه ، ثم يشفي ابنه .

ويود أن لو كانت الصحة توهب فيهبها ابنه ، والحياة تمنح فيخلعها عليه ، ويتشهي أن يفقد كل نعيم الدنيا لينعم فقط بابنه صحيحا بجانبه

كان يؤمن بالطب فدعا الأطباء ، وكان يكفر بالرقي                                                                                                                                                                                       والتعاويذ ودعوة الصالحين فآمن بها وتشفع بأهلها ، وكان لا يذكر الله في سرائه فذكره في ضرائه ، وحشد لشفاء ابنه كل ما يستطيع من قوي مادية وقوي روحانية

ولكن غلب القدر فمات الولد

لقد انقلب برنامج حياته رأسا على عقب ، شكا الدنيا كما كان يشكو الناس ، ولم يستطعم للذائذ الحياة كما كان يستطعمها من قبل . ما قيمة المزارع الواسعة والقصور المشيدة والمال الكثير إذا لم تكن نفس تتذوقها ورغبة تتشربها ؟ وما جمال الدنيا إذا لم تكن عين تبصرها ؟ وما الموسيقى الرائعة إذا لم تكن أذن تسمعها ؟ إن النفس المرحة التي لم تصب بكارثة تجتاحها تستطيع أن تخلق من العدم وجودا ، ومن الألم لذة . أما النفس التي يراها الحزن فلا تستطيع أن تجد في الجنة متاعا ، والروح التي أظلمتها الكوارث لا تضيئها الشمس

لقد وجد في الدين عزاءه الوحيد فتدين . أدرك فشل المال والجاه في دفع المرض فأمن بسلطان القدر ، ورأي عجز الطب والعلم والدواء فلجأ إلي من لا يعجز ، وفهم أن الإلحاد يدعو إلي اليأس ويقرر فناء الميت ، فكفر بذلك كله ، ورأي الإيمان يقول بحياة بعد هذه الحياة وتلاق بعد الفراق وفناء الجسم وحياة الروح ، فطبق ذلك على ابنه وعلي نفسه ، فبعث عنده الأمل وأحيا فيه الرجاء ، وقرأ أن العمل الصالح يقربه إلي بغيته ويجعل الحياة الأخري أسعد وأهنا ، فأكثر من الصلاة والزكاة ، وشارك في أعمال البر ، وكان يقرأ القرآن ويقف كثيرا عند آيات الجنة ونعيمها ، فيتلهف شوقا إلى أن يجمعه الله وابنه فيها . كان يناجي ربه " أن قد مات قلبي بموت أبني فأحيه بك ، وقد انطفأت شعلتي فأمدها بنورك ، إني فقير إليك فألهمني الصبر . لقد كنت في حلم فتبدد ، وفي سعادة فزالت ، وكنت معتمدا على مالي وجاهي فإذا هما هباء . فلا ألجأ الآن إلا إليك ، ولا أسألك الآن سعادة فقد مللتها ، ولا شيئا من متع الدنيا فقد زهدتها ؛ وإنما أسألك ان ألمس قوتك لأستعين بها علي حمل عبئي ، وأن أمس رحمتك لألطف بها حرارة الحمي في كبدي ، وأن أصبح في بحرك الواسع أطهر فيه نفسي من بأسي ،

وان تنبلني قبسا من حكمتك ادرك به الدنيا علي حقيقتها ، فلا أجزع لمصايبها ، ولا أخدع بزخارفها

أي ربي - أغفر لي جهلي بك ، وغروري بمالي ، واعتزازي بجاهي ، فلا عز إلا بك ، ولا امل إلا فيك ، ولا اعتماد إلا عليك

أي ربي - اسكن قلبي فقد صار هواء ، وانس وحشتي فقد فزعت من كل شئ حولي ، واطو الحياة طيا حتى ألقي وجهك ووجه ابني " .

كان يقرأ الجرائد فأهم ما يلفت نظره أخبار الوفيات ، ومصادمة السيارات ، وحوادث الحريق ، وخروج القطار والترام عن الطريق ، ثم يعقد مقارنة دقيقة سريعة بين مصايب الناس ومصيبته ، ثم يقرا أخبار الحرب فيسلبه إحصاء القتلي والجرحي وغرق السفن بمن فيها وشن الغارات وكثرة ضحايا الطائرات ، ويقف عند ذلك طويلا يفكر ويوازن ، فإذا وقع نظره على حفلة عرس أو خير خطبة مر به سريعا ، وعلق عليه بأن السرور ظل زائل والسعادة حلم نائم

وأخذ يتذوق الأدب ، ولكن لم يعجب فيه بشيء إعجابه بقصائد الرثاء ولزوميات أبي العلاء . سمع الثناء على قصيدتي ابن الرومي في الرثاء فما زال يرددهما حتى حفظهما ، وتخير من اللزوميات انكماها في شكوي الزمان وحقارة الدنيا وفساد العالم .

ولم يعجبه من المجتمعات إلا عزاء في ميت أو حديث وعظ في مسجد - ودلوه على كتاب مخطوط في دار الكتب للسيوطي اسمه " فضل الجلد عند فقد الولد فذهب ونسخه بيده .

ما الدنيا إذا كانت تذهب في لحظة ؟ وما النعيم يضيع في لمحة ؟ وما كل شئ في الدنيا بجانب الحياة ؟

الحياة عرض ، ونعيمها وشقاؤها عرض العرض . موجة سارت إلي الشاطئ ثم اختفت ، ولفافة تحللت إلي دخان ، ثم تحلل الدخان في اللانهاية كلمة لفظ بها ثم انتهت .

لم يسلم أحد من لطمة القدر لعلل لم تدرك أسرارها ولا الغرض منها ، والحياة طريق مملوء بالأشواك لا يسلم مار من ان يشاك بها ، ومهما اختلفت المسالك فستنتهي بالنتيجة المحتومة ، بالموت ، وإليه ينتهي كل سالك من ملك وصعلوك ، وبه تتحلل كل كمية من اللذة والألم إلى صفر .

ثم إن هذا الطريق - طريق الحياة - امتحان شاق للسالكين ، فمنهم من يجتازه في خوف وضعف ،

كلما مسته شوكة صرخ وتحطمت نفسه وسقط من الإعياء ؛ ومنهم من يجتازه في شجاعة وقوة واحتمال ، فمهما أصابه فانه يركن إلى ركن ركين من قوة نفسه وحكمته وروحانيته

لا شئ يضئ هذا الطريق الشائك المظلم إلا طهارة النفس ونور القلب وسمو الروح ؛ إن اضاء القلب بدد ضوؤه ضباب الطريق ، وإن طهرت النفس انسجمت مع العالم ، وإن سمت الروح لم تعد المادة إلا جسم الشمعة لا نورها ، وغمد السيف لا نصله ، وجذع الشجرة لا ثمرتها ولا زهرتها ، فلا بأيه كثيرا بالحوادث ، ولا تحطمه الكوارث ، إن مسه الخير فليس منوعا وإن أصابه الشر فليس جزوعا

اشترك في نشرتنا البريدية