الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 168الرجوع إلى "الثقافة"

من صور الزهد في الاسلام :، يزيد بن ابان الرقاشى

Share

ما كان أعجب ذلك المجتمع الذخار المتدافع المتضرب الذي كانت البصرة تموج به وتصطخب ، كما يكون النهر العظيم أول ما يكون نهرا من روافده التى تنصب عليه مجملة وتجتمع فيه ثائرة فائرة . بل ما كان أعجب تلك المدينة التي أسست على أصل عسكري وحقيقة حربية ، فإذا بها في قليل من السنوات تمثل أروع الصور الاجتماعية ، وأبدع المثل المدنية ، كانت في أصل نشأتها وأول تكوينها معسكرا للجند الاسلامي الذي خرج من الجزيرة العربية يحمل للدنيا معني الاسلام ، ويكتسح في طريقه آثار الوثنية المزرية بالعقل ، ومظاهر الرق الاجتماعى  في اساليبه المختلفة ،

ويضع الانسان في مكانه الكريم الذي تهيئة له حقيقته السماوية . فاتخذ من البصرة - كما اتخذ من غيرها من المراكز الصالحة في التدبير الحربي - معسكرا له . يجتمع فيه ، ويفيض منه . يقبض منه على ناصية العراق أن يتفلت من يده ، او تعبث به العوابث بعده ، ويسير منه الأمداد إلي البلاد المتاخمة له ، كالأهواز وفارس وما إليهما من أرض الأكاسرة . حين تأذن الله أن بديل منهم ،

ويبسط كلمته العليا على ملكهم . وأقبل المسلمون من ذلك على عالم يزخر بتهاويل المجد والثراء والزخرف ، و " انتالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة ، كما قال أنس بن حجية لأمير المؤمنين عمر ، حين بعثه عتبة بن صفوان إليه ، فأخذ الناس يفيضون إليها ، أو يسار بهم نحوها ، من مشارق الأرض ومغاربها ، يحملون إليها شتي النوازع ومختلف العقول . فماذا عسى أن يكون الأمر فيها بعد ؟ لقد أصبحت البصرة من أخطر البيئات التي يجتمع فيها كل ألوان الحياة العقلية تصطرع وتتنافس وتتلافح ، كما

تلاقت فيها كل صور الغرائز الانسانية تهدر وتتصاول وتتدافع ، وقد اتاحت لها مظاهر الحضارة الجديدة أن تأخذ فيما شاعت من لهو وعبث وفتك وعجون ، وان تقبل على الدنيا وزينتها إقبالا يصرفها عن العاطفة الدينية وما تقوم عليه من شتى المعاني النفسية السامية

إذا فقد كانت تلك الجماعة الاسلامية الأولى معرضة لخطر التحلل . بما يتبرج حولها من المغريات والفواتن التي تثير الشهوات الدنيا ، وتدفع الغرائز الأولية إلي الاندفاع في مسالكها ، والعتو في فرض رغباتها ، والانحدار بتلك الجماعة في ذلك المنحدر السحري الذي فتن  به كثير من أمم التاريخ ، حتى انتهي بهم ذلك المنتهي .

هذا إلى أن الوازع الرسمي الذي يستمد وجوده من شرائع الاسلام وقوة السلطان لم يكن هنالك مرصداً لهذه الفن الخفية ، إذ كان قد غلبت عليه اهواء السياسة ومكايد الساسة ، فهو مسخر في يدها ، منصرف إلي مرضاتها ، حتى ما يكاد يستطيع شيئا غير ما تريده له ، وتمليه عليه

هذا واحد من الأخطار التي كانت تهدد الجماعة الاسلامية الأولى ، وكانت خليفة أن تقضي عليها ، لولا ما في هذه الجماعة من قوة ذاتية ، كان من مظاهرها تلك الشخصيات العظيمة في ذلك العهد ، وفي مدينة البصرة على الأخص ؛ وقد قامت هنالك لتكون بذواتها مثلا رائعة لصفاء النفس ، وطهارة الضمير ، ورقة العاطفة ، وسمو الروح ، فتهفو إليها القلوب ، وتبعث الناس بما فيها من قوة إلي النزوع إليها والتأسي بها ، ثم لتكون بيبنيانها القوي اداة لمقاومة تلك العوامل المحللة ، بما تبثه في قلوب القوم من تلك الأشعة الروحية النفاذة التي توقظ القوي النفسية الغافية ، وتبعث الحنين إلي المثل العليا والتماس الاطمئنان لديها

هذا هو المكان الصحيح لهذه الطائفة من الزهاد

الذين تري منهم في القرن الاول بكر بن عبد الله المزني ، ومؤرقا العجلي ، وصفوان بن محرز التميمي ، وعامر بن عبد قيس العنبري ، والحسن بن أبي الحسن البصري ، وغيرهم ممن قاموا يمسكون المجتمع ان تهوي به الاهواء ومن هذا فيما يبدو كان ابو عثمان الجاحظ كثير الاحتفال بهم ، عظيم التقدير لهم ، مما يدلنا ايضا على مبلغ ما احدثوه من أثر

ومن هذه الشخصيات أبو عمرو يزيد بن ابان الرقاشي البصري ، ويردد الجاحظ اسمه في أطواء كتبه كلما ذكر الزهاد والنساك من أهل الخطابة والبيان ، ويصفه بأنه كان زاهدا عابدا ، وعالما فاضلا ، وقاصا مجيدا .

ولقد هيأته لمكانه هذا جملة الأسباب التي تطبع الشخصية ، وتلون الحياة ، وتحمل الرجل على طريقه التي يركبها ، من وراثة ودراسة وبيئة وغير ذلك ، وكانت كل هذه الأسباب تتساير في نفسه متسقة منسجمة متعادلة

وكما كانت الوراثة أول العوامل في توجيه الرجل وتكوينه ، فهي - فيما نحسب - أبعدها اثرا ، وأشدها في ذلك خطرا ، وما أكثر ما تفتقد هذا العامل في دراستنا لأعلام الاسلام من " الموالي " فلا تجده ، أولا نتبينه على الوجه الذي تتطلبه هذه الدراسة ، فنلجأ إلى تلك الوراثة العامة المطلقة ، نتلمس فيها الخصائص والفوارق, ونستلهمها القول استلهاما ، ونفسرها على الكلام قسرا , ونكرهها بذلك على إرضاء رغباتنا العلمية الحائرة ، أو ثرثرتنا السخيفة الفارغة ، ثم نذهب نخادع أنفسنا بأن قد ظفرنا من ذلك بما يرضى الأسلوب العلمى , و ينصف الحقيقة التاريخية

أما الأمر هنا فمختلف عن هذه العملية ، إذ احتفظ الجاحظ لنا ، في كتابه البيان والتبيين ، بنص لابي عبيدة نستطيع أن نتبين منه -  بعض التبين -  شيئا من الخصائص الوراثية التي كان يريد الرفاش يحملها في أعصابه

فوجهته في الحياة تلك الوجهة ، وبوأنه منها ذلك المكان .

يقول أبو عبيدة عن أسرة الرفاشيين : " وكان أبوهم خطيبا وكذلك جدهم ، وكانوا خطباء الا كاسرة ؛ فلما سبوا وولد لهم الاولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب ، نزعهم ذلك العرق ، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة ، وفيهم شعر وخطب ، وما زالوا  كذلك حتى اصهر الغرباء إليهم ، ففسد ذلك العرق ودخله الخور " .

إذا فقد ورث يزيد الرفاشي عن آبائه هذه القدرة البيانية التي جعلته قاصا من الطبقة الاولى ، وخطيبا من الطراز الأول ، كما ورث عنهم تلك العاطفة الدينية التي يدل عليها وصفهم بأنهم كانوا خطباء الأكاسرة ، وهو وصف يتضمن في مطاوية القول بأنهم كانوا من رجال الدين لذلك العهد . وكلا الأمرين - العاطفة الدينية والقدرة البيانية - يرجع في مرد امره إلي شئ واحد ، وهو تلك الحالة العصبية الخاصة التي تجعل صاحبها مرهف

الحس ، شديد التأثر ، سريع الاستجابة . وكذلك كانت - فيما نري - أسرة الرفاشي الأولى ، وما زالت كذلك ما بقيت بعيدة عن المؤثرات الغريبة ، كما يقول أبو عبيدة ؛ ولهذا نري في هذه الاسرة كثيرا ممن يعد تعبيرا لهذا الميراث . ونحن نستطيع الآن أن نعد منهم في باب الزهد والبيان يزيد الرفاشي هذا ، وأباء أبانا ، وابن عمه الفضل بن عيسى بن آبان ، ثم عبد الصمد بن الفضل

ولكن الوراثة ليست هي وحدها التى تطبع الشخص وتوجهه وتلون حياته ، وإنما هي في حقيقة الأمر تهيئه ، وتعده لقبول مؤثرات خاصة ، قد تختلف آثارها اختلافا بعيدا ؛ فكان من الممكن - مثلا - أن يكون يزيد غير من كان لو أنه تعرض لمؤثرات غير التي تعرض لها وتأثر بها ، مما تتطلبه أعصابه المرهفة الطبيعة ، كا نري في أسرته

من لا يكاد يري الناظر العابر صلة بينه وبينه . ولكن يزيد كان قد نشئ تنشئة الصبي الذي يريده أبوه ليكون إماما في الدين ، وعلما من اعلام المسلمين ؛ وبذلك امتلأت نفسه ، واتجهت اعصابه ، ووضع نفسه في مكانه الذي اريد ان يتبوأه ؛ ومن ذلك المكان جعل يصد كل نزوة تتبرج له ، وتحاول أن تنزو به

وفي هذا الجو النفسي امتنع يزيد واستعصم ، ومنه أوحي إليه أنه ليس في هذه الحياة إلا عمل يعمل ، وغاية تلتمس ، ولله وحده يجب ان يكون العمل ، ولتوجيه عباده نحوه ، وتشويقهم إلى الكمال المطلق والخير المجرد يجب ان تلتمس الأسباب وتتخذ الوسائل ؛ وأخذت هذه المعاني تدور في نفسه وجعلت أعصابه المرهفة تتلقاها ثم تقوي منها وتذكيها وتنشرها وتملأ جوء بها ، حتى كادت ذاتيته أن تفني فيها ، وتتحول جميعا إليها

ثم كان إلي جانب هذا الجو النفسي الذي كان ينتشر من أعماقه جو نفسى آخر تتنفس به تلك الأرواح العالية التي كان مسجد البصرة يسطع بها ، وينفح بعطرها ، من امثال انس بن مالك وصفوان بن محرز وبكر بن عبد الله ، وأبي سعيد الحسن بن أبي الحسن . وكان هؤلاء أئمة في علوم الدين ، كما كانوا أئمة في سمو النفس ، وارتفاعها عن صغائر الدنيا وسفاسف المادة ، وفي هذا الجو كان يزيد يقضي ايامه يستروح به تلك السمات العطرة ، ويستشرق

به تلك الأضواء الساحرة ، ويتلقي فيه ما وجهه أبوه له من علوم الدين ، فيقرأ القرآن ، ويروي الحديث ، كما كان ينقتل احيانا إلى بعض تلك الحلقات التي كانت تروي فيها اخبار الغابرين ، وآثار الملوك الماضين ؛ ولكن سرعان ما كانت تتحول في نفسه هذه الاخبار التى كانت تلتمس للتسلية احيانا ، ولإرضاء النزعة العصبية أحيانا أخري ، فإذا بها نقشات حارة تملؤها عبرة وموعظة حسنة ،

ولكأن ارواح هؤلاء الغابرين ، بعد ان نضحت عنها في سماء الله ما كان في حياتها من رجس ، جعلت تحف به  ، فتناجيه وتبثه ، وتكشف له الحقيقة المخبوءة فيما يسمع ، فجعل هو يأنس لهذه المجالس ، ويصغي إلي تلك الاحاديث ويرددها ويستروح بها . وما ادري ايمكن ان نقرض - فوق هذا - أنه كان للطبيعة الفارسية أثر في ذلك الميل وهذا النزوع ؟

وهكذا جعلت هذه القوي النفسية التي كانت تنجذب إلي نفس يزيد من هنا وهنا ، تتجمع فيها ، كما تتجمع قوي الكهرباء في أداتها ، فكان لا بد لها بعد من أن تنبعث وتشع وتحدث اثرها في توجيه النوازع ، وتكييف القلوب ، وإماتة الشهوات الدنيا أو تحويلها وإشاعة روح الخير في ذلك المجتمع . وكذلك أخذ يزيد مجلسه في المسجد ، وجعلت روحه تجذب الناس إليه ، وجعلت هذه القوي الروحية المذخورة تنبعث من بين شفتيه كلاما فيه جاذبية الروح ، وله قوة الكهرباء ؛ فينطلق إلي دفائن القلوب ومكامن الداء ، فينتزع منها ذلك العلق الخبيث من علق الشيطان .

وقد اثر أن يتخذ في مواعظه طريقة القصص .  إذ كانت نفسه لا تزال مصغية إلي تلك الاحاديث التي كانت تتفق فيها عن معاني العظة والتذكرة ، كما كانت تثير فيها أبلغ الخواطر عن متاع الدنيا ونعيم الآخرة ؛ فما له لا يلجأ إلي هذا الأسلوب ؟ وما له لا يستغل ما سمع من أقاصيص الأولين يشفق بها حديثه ، ويزخرف بها مواعظه ، ويسوق فيها العبرة ، فتصل إلي القلوب من أقرب الطرق ، إذ كانت بذلك أدنى إليها ، وأبلغ في استهوائها ؟

وكان يزيد - فيما يظهر - من أوائل الذين ادخلوا هذا النمط من الوعظ وتقوية العاطفة الدينية ؛ فكان الناس

يختلفون في تقديره ، ولم يكونوا جميعا مأخوذين به , بل كان هناك - بطبيعة الامر - من كان يري في هذا الأسلوب شيئا من التكلف الثقيل والتلفيق والاجتلاب ، فكان من أجل هذا معرضا عنه ، يستثقل حديثة ، ويبغض مجلسه . ويتحدث ابن أبي أمية عنه فيقول :

شهدت الرفاشي في مجلس .. وكان إلي بغيضا مقيتا

فقال : اقترح كل ما تشتهي .. فقلت : اقترحت عليك السكوتا

هذا إلي أن طبيعة القصص ، والرغبة في التأثير والقصد إليه ، لم تكن تتفق كثيرا مع التزمت في رواية الاخبار ، فكانت تعدو به في كثير من الأحيان عن الدقة وتحري الصحة ، وبذلك كثرت في رواية الحديث مآخذه كما كثر الطعن عليه من المحدثين ؛ فيقول أحدهم - مثلا -

وهو شعبة : " لأن اقطع الطريق احب إلي من ان اروي عن يزيد "

كما أن هناك سببا آخر لا نراه بعيدا ، في انصراف المحدثين عنه ، هو انه كان قدريا ، كما يقول صاحب " تهذيب التهذيب ، في ترجمته له

ومهما يكن من شئ فقد كان يزيد بن ابان الرفاشي من أعلام الناس في صفاء القلب وقوة الروح وبلاغة التأثير ، وما نحسب أن قول المحدثين فيه وطعنهم عليه ينزل به عن مكانه الذي هيأته له طبيعته ، ومكنته منه أيامه .

عاش في القرن الأول وأدرك طرفا من القرن الثاني ، ومات - كما يقول البخاري - في العشرة الثانية من هذا القرن .

اشترك في نشرتنا البريدية