منذ أربعين عاما خلت كان نظام الإضاءة على حاله المألوف بين الطبقات الدنيا ، ولا يتجاوز الصباح المعروف وما يشبه هذا النوع ، وقد يكون من نوع آخر ممتاز نوعا فى الدور الكبيرة لذوى اليسار والمتاجر الواسعة - وكان جماعة الفراشين يستعملون النجف فى الزينات وإضاءة الأفراح ، وهذا النجف ينار بالشمع لأن أهل ذلك الزمن لا عهد لهم بشركة النور وما استحدثه العلم من الأنوار الحديثة .
أما طريقة إضاءة المساجد والمآذن فهي لاتعدو فى الغالب قناديل الزيت ونحوها عدا المساجد الكبيرة التى تمتاز على غيرها بما تعده لها نظارة الأوقاف إذ ذاك من النجف الذى يستعمل فى بعض ليالى الأسبوع .
وكانت إضاءة مئذنتى القلعة معجزة الزمن ومبعث التفكير ، فهى على ضيقها وارتفاعها يحتمل القائم بإنارتها الجهد الشاق والتعب المضنى الذى لايتصوره العقل إلا بعد الخبرة والاختبار ، فان الصاعد فوق درجها لا يجد متسعا يزيد على وضع أصابع القدم الواحدة ، وهي تضاء طبعا فى المواسم الرسمية والأعياد ، وكان المنوط باضاءتها رجل أناف على الستين من عمره ، يدعي عم حمزة
ولعل هذه الوظيفة انتقلت إليه عن طريق الوراثة فهو فخور بها ، وله من الشهرة وبعد الصيت ما يجعله يترنح فى مشيته سلفا وإعجابا بعمله الذى لا يزاحمه منافس فيه ، يشار إليه فى كل طريق يسلكه وأى مكان يحل به . وكان يتقاضى راتبا لوظيفته هذه خمسين قرشا فى كل شهر ، وظل يرتفع راتبه على توالى الأعوام إلى أن بلغ جنيها ونصف جنيه .
أما العجب العاجب ففى وسائل الإضاءة التى كانت على أكبر جانب من الطرافة والظرف ، فقد كان يتجمع جمهور الأطفال فى ميدان صلاح الدين احتفاء بالليلة المضيئة لتحية عم حمزة بالتهليل والصياح لكل مصباح ، ويصعد عم حمزة وفى يده قسط الزيت وفى اليسرى مشعل يوقد به المصابيح ، ويظل يكافح ويجالد فى صعوده بحيث إذا اشتعل هو نفسه داخل المصعد فلا سبيل لإنفاذه ، ولا يعلم إلا علام الغيوب ما يحدث له . فإذا انتهى من إعداد واحدة الفتايل وإشعالها وتغطيتها يسمع صيحات شعبه الواقف لتحيه ، وهكذا حتى ينتهى ويبدأ عمله فى الطابق العلوى وهو أضيق وأدق وأخطر من الأول ، ثم ينزل وفى يده قسط الزيت والمشعل فى الأخرى ليوقد مصابيح المئذنة الثانية ، ثم ينهض مبكرا وفي يده غابة مجوفة لإطفاء المصابيح .
وكان العم حمزة ظريفا متحدثا فى سذاجته وأميته ، يفكهنا بحديث العفاريت معه أثناء عمله ، ويجتهد فى نشر الألوان المختلفة والصور الغريبة عنها ، ويخلق المناسبة إن لم يجدها للتصوير العجيب . ولا أدرى هل كان يعتقد ما يقول أو هو محض إرجاف ليرهب به من تحدثه نفسه بالطمع فى منافسته ، فهو على بساطته رجل معقول لا مأخذ عليه سوى نشر الخيالات والأوهام فى ناحية عمله ، وسمعنا فيما يقرره ويفرض علينا تأييده فيه أن سكان المئذنة اليمنى من الشيوخ واليسرى من الشباب والعشاق ، وله صداقة معهم جميعا يغشاهم فيداعبونه بغير أن يحدثوا به أذى لطول العشرة وتوثيق المودة .
وكنا فى عهد الطفولة البريئة نتعشق حديث العم حمزة ونتحين الفرص للقائه فى جلسته الممتمة لسماع حديثه العذب السائغ وقصصه الطلية النادرة .
كان ذلك العصر الذهبى عصر التقدير والاحتفال بكل
جهد جل أو صغر تظهر فيه الأعمال التافهة بجانب الأعمال العظيمة ، ولكل عمل تقدير بنسبة مكانه وأثره ، فى الخدمة العامة ، وهكذا ظل عم حمزة الأعوام الطوال متمتعا بالشهرة والحفاوة أينما ذهب ، إلى أن وصل إلى القاهرة نور الأسلاك الكهربائية ، فكان أول اقتراح إدخاله القلعة ثم توصيله للمئذنتين وعلى غير علم من عم حمزة ، ولا عهد للجمهور به ؛ وكيف يتصور الناس أن نور المئذنتين فى الطابق الأول والثانى يبدو للرائى دفعة واحدة ؟ وبالأحرى كيف يعتقد وهو الذى يعانى من صنوف الإرهاق فى طابق منها أن تخرج كالثريا فى ضوئها ولمعانها بتحريك الزر الصغير عند بابها الأدنى .
فوجىء الناس بهذه التجربة فاحتشدوا فى ميدان صلاح الدين يتزاحمون بالمنا كب لشهود الحادث الجديد ، وتكررت الإضاءة والإطفاء فى دقيقة واحدة ، وتوافد الناس على باب عم حمزة : الحق ! الموادن بتولع وتنطفى وحدها !
عم حمزة : أنا مش بقول لكم دول مسكونين ولا انتوش مصدقين .
وخرج عم حمزة يشق طريقه بين الجماهير المتراصة حتى بلغ فناء القلعة الداخلى ، وإذا عدد كبير من الموظفين والصحفيين يتوسطهم المدير لأعمال القلعة ، فاقترب منهم مشدوها مأخوذا وهو يقول :
حمزة : إيه ده اللى بيعمل كده ؟ المدير : أهو اللى قدامك ده ، وأشار إلى شاب أجنبى . حمزة : يجذبه من ثيابه ويرفع بصره فيه ويخفضه ، أنت عفريت والا بنى آدم ؟
ثم يطلب الإضاءة فيجيبه بحركة سريعة ويرى الإطفاء كذلك ، وهناك تطوع بعض الموظفين بإقناعه أن هذه
الطريقة الجديدة فى الإنارة أدخلت مكان المسارج ، وينتظر منح مكافأته لانتهاء عمله .
خرج الرجل يتعثر فى مشيته ومضى إلى بيته جزءا محزونا ، ولكن الخيرين الذين كرسوا حياتهم للباقيات وصالح الأعمال كثيرون . وكان المغفور له طلعت باشا الكبير فى طليعة هؤلاء ، فقد توسط لاستمرار صرف راتبه له كاملا ما بقي من أيام حياته ، وكان له ما أراد ، ثم أضاف له خمسين قرشا فى كل شهر من خيرات دائرته الخاصة ، وعاد عم حمزة مكفول المعيشة . لكن للفن حبا لا يبلى بالتطور والتغيير ، فهو يذهب فى كل مناسبة للاضاءة ، ويقف يميدان صلاح الدين ليقابل بين الحالتين ، ويقارن بين الطريقتين ، ويقول فى استهجان وسخرية بعد المراجعة والقابلة : برضه مش نكته : ثم يعود إلى بيته بعد تقرير النتيجة كالخبير الضليع الواثق من حصافة رأيه وبعد نظره .

