عملاق مكفوف البصر عريض المنكبين مفتول الذراعين قوي السواعد والبناء شرس الأخلاق ، تروع جهامته الأقوياء الأشداء لرهبته وذيوع صيته في كافة أنحاء القاهرة ، فهو أشهر من الأشهر الحرام لمكانه المعروف في العنف وسرعة الغضب - تعرفه وزارة الداخلية كما تعرفه الحكمدارية والمحافظة والبوليس وهو من نزلاء ، السجون الدائمين .
هبط من بعض قري الأرياف حوالى سنة ١٩١٩ إبان النهضة الوطنية يرتدي جلباباً أبيض وعمامة مفتولة كالحبل على ضخامتها ، ويلبس حذاء بلديا - بلغة - ويحمل في يده عصا غليظة - عكازة - من خشب الشوم وفي نهايتها رقابة من الحديد بداخلها ما يزيد على رطل من الرصاص المصبوب - وقد ربطها عند قبضته بحبل متين حذر أن يجتذبها من يده خصومه في مواقف الغضب والشجار .
ويحمل علي كتفه زكيبة تلازمه مع العكازة ملازمة الظل للشبح والعرض للجوهر والأسم للمسمي . وإنما دعي الشيخ لأنه ضرير معمم فأدخل في زمرة الشيوخ ، وهو كما عرفناه لا يجيد حفظ الفاتحة بل كان يتلوها على لحن وسوء أداء مضافاً إليها فاتحة أخرى من تأليفه .
كان إذا غضب يوقظ عكازته بضربات أولية علي الأرض بمثابة تنبيه ثم يدور بها يميناً ويسرة في سرعة فائقة ويقظة مجيبة كأنما هو يحذر النواحي المفتوحة لخصومه فيسد الفجوة التي بتوقع المباغتة منها ، ثم تقع الإصابة في الغالب على الأبرياء من المارة رجالاً ونساء فإذا أبلغ جندي البوليس
يقف ضمن شهود المعركة ينتظر الإمداد والنجدة حتى إذا وافته القوة الكافية أحاطوا به وانتزعوا عكازته من يده وتضامنوا فوضعوه فوق سيارة نقل وربطوه ، وبهذه الصورة وحدها يتيسر المضي به للقسم ، وهي طريقة متبعة متفق عليها في عامة الأقسام و المخافر .
كان يغشي المطاعم واللوكاندات فإن جلس على أحد المقاعد استولي على ما يجاوره منها بوضع أمتعته عليها . ويتجافاه زوار المكان فيطلب ألواناً نتخم أربعة من ذوي البطون الخاوية ، فيأتي علي آخر ما يجاء له به ثم ينهض فيغسل يديه ويستولي على الصابونة والفوطة ويمضي فإن طولب بردهما والوفاء بثمن ما أكله إستعمل عكازته ، فما هي إلا بضع دقائق حتى يدع المكان أكواماً مبعثرة ، وتبصر الجلوس من الزباين حيري لا يجدون مخباً يلوذون به ، وعند فقدان الحيلة يحملون المقاعد والمناضد كالمظلات الواقية فوق رؤوسهم إلي إنتهاء المعركة ، وهكذا كان شأنه ، له في كل شارع صولة وفي كل جهة جولة في أحياء العاصمة وضواحيها ، فعرفه الجمهور وجعلوا له شبه أناوة من ضرائب بمقاضاها في شتي الطرق والمسالك إن لم تكن من النقود فهي من تجارة المحل أياً كان نوعها يدخلها ضمن ضيوف الركيبة ، وهي مجموعة لم تظفر بها حقيبة في العالم تلتقي فيها الأضداد وتجتمع المتناقضات ، فهو بينما يدخل بها قطيرة أخذها من حالوت بضع فوقهما فسبخة من آخر ثم تسقية من المسمط وضربية من الكشري وشيء من الحلوي والجبن وقطعة من الباذنجان المقلي ومثلها من الطعمية وكبس من الملح الناعم وبعض من السكر وهكذا . ثم هو لا يضن على الزكيبة بمركوب قديم أهدي إليه من أحد شيوخ الأزهر ، وهكذا حتى تمضي سحابة اليوم فتكون متخومة بالأضرار يعيش في جوانبها مخلوقات من الذباب والصراصير وما إليها من أنواع الهوام .
وللشيخ مرسي أن يفرض نفسه كمشترك في جميع
خطوط الترام والسيارات بمميزاته البارزة فيلقى من أثمان التذاكر بلا قيد ولا شرط . ثم هو يذهب للولائم والحفلات والأفراح بدعوة من عنده ، فإن مدت الموائد نهض مع الطاعمين وجلس معهم يحميهم كبعض أصحاب الدار ، فيأخذ نصيبه أضعافاً بالنسبة لغيره فأما إن رفضت دعوته لنفسه وإندماجه مع المدعوين كان تكدير الصفاء وحدوث ما يخشى عواقبه أمراً لا سبيل مطلقاً إلى تفاديه .
ومر ذات ليلة بجهة الحنفي فسمع صوت قاريء وعلم أنه قائم لأحد الأعيان ، فدخل وأسكت القارئ ووقف يقرأ الفاتحة بصوت جهير علي روح المرحوم ثم أخذ يطالب بأجر الفاتحة فخرج بمبلغ خمسة قروش أتعابه على قراءتها .
وذهب ذات يوم إلى المحكمة لتأوية شهادته على لص أتهم بسرقة كوتش عجلات سيارة وأقسم أنه رآه حال إرتكاب جريمته ، غير أن المحكمة لم تأخذ بقوله فوقف يحتج على الاستخفاف به فيما جاء لتقريره .
وكان ينتقد النظم والقوانين ويود لو أسعده الحظ بانتخابه لمجلس النواب فيضع تشريعاً جديداً للأمة يكفل لها السعادة والأمن والرخاء .
ظل هكذا على شهرته بالعنت والتجبر يطلب رزقه عن طريق العتو والإرهاب إلى أن دب الوهن في أوصاله فوهت أعصابه وخارت قواه وبدأ يترنح في مشيته كالنمل النشوان ، لكنه بقى على مظهره الأول حتى لا يشعر الجمهور بضعفه وتخاذله ، فنظمت له كلمة دعاية في لغة شعبية وإليك بعض أبياتها :
كنت أشجع من أسد
صرت أجبن من نعامه
نعمل إيه في كبر سنك
في نفور الشعب منك
كل واحد راح يرنك
لزق والناس في كمد
وأنت مشهور بالتلامه
صرت أجبن من نعامه
الترمواي تركيه
واللي يمنع تضربه
يسحبك أو تسحبه
شيخ وفي شكل الولد
عمره لم يخشى الملامه
صرت أجبن من نعامه
شعب زي البحر مايج
وانت زي الفرد هايج
والمعاكسه سوقها رايج
يبقي فوق رأسك هدد
وأنت أشهر من سلامه
صرت أجبن من نعامه
الحياة في الناس وديعه
وانت خالفت الشريعه
والبلاده فيك طبيعه
اقصد الفرد الصمد
قبل ما تشوف القيامة
صرت أجبن من نعامه
وما كادت تنشر كلمتي في مجلة النيل حتى قرأها له بعض قراء المجلة بالحسين فاهتاجت كوامن غضبه وعدها فاتحة عهد جديد يحفز الناس للعبث به ويفقده رهبته في النفوس فوقف ينادي بالويل والثبور لا لصاحب الكلمة فحسب بل المجلة ومن يتصل بها واشتغل بالبحث عن سكني دائباً ويتفقد النواحي التي أتردد عليها أياماً متعاقبة إلى أن توسط بعض أهل الحي الحسيني في الصلح معه على شريطة أن أكذب نفسي فيما قلت عنه في نفس المجلة وأن أدفع له في أول كل شهر عشرة قروش ترضية له واعترافاً بقوته وشدة بطشه فدفعتها مرة واحدة ولم أعلن اعتذاري له ، وأجهده البحث عني قلم يوفق لمكاني إلي أن هاجمته الشيخوخة وتجهمت له الحياة ، فكنا نجمع له المعونة عن طيب خاطر ، ولكن أمسى المسكين هدفاً لعبث العابثين وسخرية الناقمين ، فآثرنا التعاون على إدخاله ملجاً العجزة حيث قضى أيامه الأخيرة بعيداً عن ثماتة الجمهور ويحون الشباب ، ولم تقف على شيء من أخباره بعد . هل كان الزكيبة والعكازة ورثة وأعقاب بعده أو أضيفت مخلفاته لمتحف الآثار وصحف
الأخبار

