الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الثقافة"

من طرائف الفن الاسلامي, شبابيك القلل

Share

زعموا أن المسلمين كانوا ماديين في فنونهم إلى أبعد حد ، وأنهم لم يعرفوا التحف أو الألطاف لذاتها  ، وإنما تجلت فنونهم في الأدوات التي كانوا يستعملونها في حياتهم اليومية، واستنبط أصحاب هذا الرأى أن المسلمين لم يعرفوا الفن للفن ، ولم يقدروا الأشياء الجميلة لذاتها، ولم يعنوا باقتنائها ، فلم تكن لديهم تحف يضعونها في نافذة أو خزانه أو فوق حامل، ويقفون عند حد التمتع بمشاهدتها ، على نحو ما عرف الغربيون منذ العصور الوسطى فيما يسمونه في الفرنسية bibelot (1)

ولكن هذا الزعم باطل ، فالألطاف والتحف كانت معروفة عند المسلمين منذ العصور الوسطى ، كما يظهر من وجودها في الرفوف والخزانات المعدة لها في جدران القاعات التي نرى رسمها في المخطوطات والصور الإيرانية والهندية والتركية. وفضلا عن ذلك فقد عرف المسلمون الفن للفن . وإلا فما بال الفنان المسلم يعنى في بعض التحف برسوم وزخارف لا تبدو للعين ، ولا حرج عليه إذا ترك المساحة عندها خالية من الوحدات الزخرفية (2)

ومن الميادين الطريقة في الفنون الإسلامية ميدان يشهد الفنانين بحسن الذوق ودقة الصنعة وتقدم قوى التخيل والابتكار  ، ويتجلى في زخارف شبابيك القلل ، التي كتبت أسهم كانوا يعملون للفن ذاته

أما القلل فكلنا نعرف أنها آنية من الفخار غير المطلى  بالدهان تستخدم لحفظ مياه الشرب وتبريدها في الأقطار الشرقية ولا سيما مصر . كما أننا نعرف أن بين بدن القلة ورقبتها أو في الرقبة نفسها شباكاً ذا فتحات صغيرة، لعل المقصود بها حفظ الماء من الحشرات والأقدار ، فضلا عن تنظيم تدفقه عند الشرب ، كل ذلك لا يزال باقياً فى مصر حتى اليوم ، ولكنا لا ترى اليوم أن افتحات تلك الشبابيك أشكالا منتظمة أو زخارف متقنة

أما في العصور الوسطى فقد أصاب الخزفيون المصريون توفيقاً عظيماً في زخرفتها بالكتابات والرسوم الآدمية ورسوم الحيوان والأسماك والطيور ، فضلاً عن الأشكال الهندسية المختلفة، ومن العجيب أن يعنى بزخرفة شبابيك القلل إلى هذا الحد، بينما تبقى القلل نفسها بغير طلاء أو رسوم زخرفية . ولكن هذا - كما ذكرنا - مثال طيب من أمثلة العمل للفن فحسب وبدون اعتبار المظهر وما يبدو أول وهلة

وقد لوحظ مما نعرفه حتى الآن أن زخرفة شبابيك القال لم تزدهر إلا في مصر، دون غيرها من الأقطار الاسلامية ؛ وفي القاهرة مجموعتان كبيرتان من هذه التحف : الأولى في دار الآثار العربية ويبلغ عددها نحو

ألف قطعة ، والثانية عند كامل غالب بك .

وتقوم تلك الزخرفة على استعمال التباين بين الثقوب والأجزاء الباقية ؛ ولذا فإنها تشبه المخرمات (الدانتلا) إلى حد كبير : فكلتاهما لا تستعين بالتلوين ولا بالبروز والتجسيم ، وفى المحرمات ترى الفراغ بين الخيوط ، أما في شباك القلة فإن الفراغ ناشيء من الأجزاء المحفورة أو المنزوعة ليمر منها الماء، بينما تبقى أجزاء، هي التي تقابل الخيوط في رسوم المخرمات .

وعلى بعض شبابيك القلل عبارات ، ولكنها ليست عنصراً زخرفياً بمعنى الكلمة ، لأنها بخط لا اناقة فيه . وأكبر الظن أنها عبارات دعائية أو حكم مأثورة . ومن

المعروف منها في مجموعة دار الآثار العربية : ( من صبر قدر » ومن اتقا فاز و"دمت سعيداً بهم " و " وعف تعاف " واقنع تعز شکل (١) و (العز الدائم) (شكل (٢) . وثمة قطعة واحدة عليها إمضاء صانعها في عبارة موجزة : عمل عابد (شکل ۳).

أما الرسوم الآدمية ورسوم الحيوان والطيور والأسماك التي نراها على تلك الشبابيك فيشهد معظمها بأن صانعها كانت تنقصه المهارة ودقة الملاحظة ، حتى إن رسومه تبدو صبيانية وغير دقيقة، ومن الرسوم التي تكررت على هذه التحف رسم الجمل شكل 4 والطاووس شكل (٥) .

والفيل ( شكل ٦ ) والأسد والطائر ذو الوجه الأدمى ( شكل ٧ ) والسمكة النيلية ( شكل ٨ ) والغزال والآرنب

والكلب . وفي إحدى القطع رسم غزال او طائر تحت شجرتين ( شكل ٩ ) . والرسوم الآدمية معظمها كاريكاتوري المظهر ؛ فإنها رسم بدائي لشخص محدود الانف وجالس القرفصاء ( شكل ١٠ ) . وثمة رسم آخر لرأس آدمى أصلع

ولصاحبه شارب ولحية طويلة ، ولكن له جسم طائر عند ذيلة على شكل حية تنتهي برأس حيوان ( شكل ١١ ) .

ولكن أبدع الزخارف في شبابيك القلل هي الرسوم الهندسية المؤلفة من وحدات زخرفية مختلفة ، أساسها نقط أو خطوط منحنية أو جدائل أو أشكال هندسية ، ملكات ومربعات ومينات ومستطيلات ودوائر ونجوم. ويتجلى في هذه الأشرطة والعصابات والناطق الزخرفية مبادى الزخرفة المعروفة ، كالتكرار والمسائل والتشمع والتنوع فضلاً عن إحكام تنظيم المساحات الواقعة

بين الوحدات الزخرفية . ولا غرو فقد وفق الفنانون المسلمون في الرسوم الهندسية إلى قسط وافر جداً من الإبداع والابتكار اللذين يكسبان الزخرفة جمالاً ورونقاً ، ويخففان ما قد يتطرق

إلي النفس من ملل عند رؤية الرسوم الهندسية المجردة

وأكبر الظن أن صناع الفخار في العصور الوسطى كانوا يصنعون شبابيك القلل بالطرق التي لا يزال زملاؤهم اليوم يتبعونها، وبيان

ذلك أن الصانع بشكل بدن القلة على دولاب بسيط ويترك جزءها العلوى غير تام، ثم يشكل ، على نفس الدولاب ، الرقبة وفى أسفلها قرص يثقبه بآلات صغيرة من العاب أو الخشب مكوناً عليه الرسم المطلوب . ويمر بعد ذلك على أسفل القرص بآلة قاطعة تزيل العجين الناتج من الثقب ! تم يستخدم الصانع دولابه ثانية في وصل الرقبة بالبدن ، ويصبح القرص المزين بالرسوم المثقوبة شباك القلة المطلوب  .

وليس من السهل تاريخ شبابيك القلل المحفوظة في المتاحف والمجموعات الأربة ، لأنها من منتجات الفن الشعبي الذى لم يتطور كثيراً بمرور الزمن ، ومن المحتمل أنها لم تكن تصنع في الفسطاط فحسب، بل كانت ترد في المراكب النيلية من الأقاليم المصرية المختلفة. وكان لصانعيها  أساليب فنية امتدت عدة قرون، ولم تكن وثيقة الصلة بسائر

الأساليب الفنية التي ازدهرت بمدينة الفسطاط في زخرفة الخزف والخشب والنسوجات والزجاج وما إلى ذلك من التحف . ومن المحتمل كذلك أن كل مركز من مراكز صناعتها كان له طراز خاص يناسب ميول صناعه ومهارتهم الفنية

وقد عنى بدراسة شبابيك القلل الأستاذ يير أولمير Piere Olmer الذى كان مفتشاً للرسم والفنون الزخرفية في وزارة المعارف يوماً من الأيام ، فكتب عنها مؤلفاً طبيعته دار الآثار العربية سنة ١٩٣٢ . وقد حاول فيه أن يقسمها إلى مجموعات بحسب دقة رسومها ونوع صناعتها . ورأى أن ينسب البسيط وغير النظم منها إلى العصر الملولوني ، وأن ينسب إلى العصر الفاطمى ما امتاز برسوم الحيوانات والطيور، ولا سيما إذا لم تكن عليه كتابة بالخط النسخى الأيوبي ، تجمل الأولى نسبته إلى عصر الأيوبيين . كما أنه

نسب إلى عصر الماليك مجموعة تمتاز برسومها الهندسية الدقيقة ، وبرسوم بعض الشارات أو الزنوك التي تعرفها على سائر التحف المملوكية . وصفوة القول أن الأستاذ أولير ظن أنه يستطيع الوصول إلى تاريخ بعض شبابيك القلل بواسطة الموازنة بين رسومها ورسوم سائر التحف الممكن معرفة تاريخها ؛ ولكنا نظن أنه بالغ في تقدير النتائج التي تؤدى إليها هذه الطريقة ؛ لأن شبابيك القلل ميدان قائم بذاته من ميادين الفن الاسلامى ؛ وهو شعبي قبل كل شيء ؛ ولعل الفرق بين زخارف الشبابيك المذكورة راجع إلى مكان صنعها ، وإلى مهارة صانعيها ، وإلى الطبقة المصنوعة لها ، أكثر من رجوعه إلى اختلاف العصور .

ومهما يكن من الأمر فأنها تشهد محسن ذوق الصناع المسلمين، وإقبالهم على الزخارف الفنية في أبسط الأوانى وأرخصها .

اشترك في نشرتنا البريدية