الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الثقافة"

من عجائب الماء:, الأحياء الهائمة(١)

Share

شرحنا في مقالنا السابق الديانوم، وبينا كيف يتأثر نموها وتكاثرها في جميع مناطق العالم باختلاف فصول السنة، إذ تبلغ نهاينها العظمي في الربيع ثم يقل نشاطها في الصيف لتنشط مرة أخرى في الخريف، ولكن بدرجة أقل، وتبقى ساكنة مدة الشتاء أما في مصر فيختلف نشاط هذه الكائنات عن ذلك، مما سنبدأها بشرحه مستندين على البحوث التي أجراها الدكتور فتحي النزاوي المدرس بكلية العلوم بجامعة فاروق الأول بالإسكندرية الآن ، والذي كان بمعهد الأحياء البحرية حين أجرى تلك البحوث. وكان بحثه على النباتات الهائمة في فنال السويس، ونشرت نتائجه في عام ١٩٣٩ ومنها يتبين ما يأتي:

١ - تبلغ الهائمات النباتية نهايتها العظمي في الجزء الجنوبي من القنال في الخريف.

٢ - تبلغ الهائمات النباتية تهاينها العظمي في الجزء الشمالي من القنال في الصيف كما توجد نهاية عظمي في الشتاء.

ويلاحظ أن هذا النظام يخالف ما يلاحظ في معظم مناطق العالم من حيث ان النهاية العظمي تكون في الربيع وفي الخريف. ويرجع السبب في ذلك إلى أن شدة الضوء والحرارة في مصر بتغيران كثيرا بتغير الفصول، ومعنى هذا أن العاملين متوفران طول السنة، وكان الواجب تبعا لذلك أن لا تظهر نهاية عظمي بل يستمر النمو ما دامت ظروف متوفرة. ولكن وجد أن في جنوب القنال تبلغ

درجة الحرارة حداً يساعد أنواعاً من البكتريا على النمو، وهذه البكتريا تؤثر في المواد الأزوتية فتحللها وينبعث الأزوت منها، وبذا تحرم نباتات الديانوم من عنصر هام لا غني عنه لنموها وتكاثرها.

أما في شمال القنال فتبلغ الديانوم نهايتها العظمي في الصيف. ومن الطبيعي أن درجة الحرارة في هذه المنطقة لا تختلف عن الدرجة في المنطقة الجنوبية، فكيف لا يظهر أثر البكتريا في هذه المنطقة؟ السبب في ذلك هو فيضان النيل. فمياه الفيضان تزخر بالواد الغذائية، وتزيد هذه المواد إلي حد يتغلب على أثر البكتريا التي تحلل الأزوتات، وعلى ذلك تجد الديانوم ما يكفيها لنموها وتكاثرها، فتبلغ نهايتها العظمى وقت الفيضان أي في الصيف، ويعقب ذلك سكون في الخريف، إذ يستنفد جزء كبير مما بالماء من مواد غذائية. وفي الشتاء يؤدي الاختلاف النسبي في درجة الحرارة إلى تزويد الماء بمواد غذائية نتيجة لحركة المياه تبعا لاختلاف درجة حرارة المياه السطحية عن مياه القاع، فتنشط الديانوم مرة أخرى ولكن بمقدار أقل. وما يحدث شمال القنال يتكرر عند نهايتي فرعي دمياط ورشيد، إذ يصب النيل هناك ماءه المتحمل بالغذاء والذي يساعد على تكاثر الديانوم إلى حد كبير، فيؤدي ذلك أيضاً إلى توارد الأسماك المهاجرة (ومنها السردين) نحو هذه المناطق فتجد فيها ما يساعدها على السمن والتكاثر وليست الديانوم هي كل ما نجده في الأحياء الهائمة من نباتات، بل هناك أنواع أخرى وحيدة الخلية، تطفو على سطح الماء فتكسبه لونا أخضر، ومن ثم سميت مراعي البحر، تشبيها لها بمراعي الأرض التي يغطيها الكلأ الأخضر.

وهذا من ناحية الهائمات النباتية، والتي تعيش معتمدة على نفسها في غذائها. أما الحيوانات الهائمة، التى تتطفل على غيرها فتستمد منه غذاء مجهزا، نباتياً كان أو حيوانيا،

فهذه أيضا تلعب دوراً هاماً بالنسبة لأحياء البحار. فهي تتغذى وتنمو وتتكاثر، ثم لا تلبث أن تموت فتصبح أجسامها مرتعاً لفعل البكتريا التى يحلل المعقد من أجسامها فتتكون الأملاح، وتنبعث منها الغازات، وكل هذا يمد الماء بما أخذ منه، من مواد تساعد النبات على النمو

والهائمات الحيوانية كثيرة متباينة: متباينة في أشكالها وفي أحجامها، فقد تكون مجهرية، وقد يصل بعضها إلى القدم طولا، ومثال ذلك قناديل البحر، التي تتقاذفها الأمواج أحيانا وقد تسبح أحيانا أخرى على الجزء الأكبر من الهائمات الحيوانية، ينتمي إلى قسم القشريات أمثال أبي جلمبو والجمبري وغيرها. وهذه لها أطوار صغيرة في أول حياتها، وهذه الأطوار تعيش هائة ثم لا تلبث بعد أن تنمو، أن تصبح حرة تسبح أنى تشاء

وتلعب صغار القشريات دوراً هاماً في البحار، فهي تشمل حيوانات الكوبيودا Copepoda  أي مجدافية القدم، وهذه تعتبر أكبر غذاء للحيوانات البحرية.

ومن بين هذه حيوان الكلانس Calanus الذي يبلغ طوله ٧ ملليمترات، وهو أكثر الحيوانات عدا، فيطغى على ما سواه، فهو أهم غذاء لأحياء البحار.

ويتغذى الكلانس على نباتات الديانوم أحيانا، وعلى صغار الحيوانات أحيانا، ثم يصبح الكلانس بعد ذلك غذاء لغيره وخاصة يرقات الأسماك وهذه اليرقات تتغدى عليها أسماك أكبر مثل الرنجة، فهذه تتغذى على الهائمات طول حياتها، وربا تعجب القارئ إذا عرف أن الحوت

الذي يباع حجماً كبيرا يجعله أكبر المخلوقات، هذا الحيوان يتغذي على الهائمات دون غيرها، إذ أنه يدخل الماء في فمه ثم يصفية من خلال الصفاة التي توجد في فمه من الداخل ثم يبتلع ما يبقى بعد ذلك، ومريئه ضيق إلى حد كبير ، فلا يسمح إلا بمرو هذه الهائمات الدقيقة

ويكون بيض الأسماك جزءاً من الأحياء الهائمة، ويجد البيض وسطاً مناسباً لتكونه وفقسه، لأن الطبقة السطحية تكون أدفأ مما تحتها، كما أنها تحوي مقداراً من النباتات تقوم بعملية التمثيل الكلوروفيلي فتريد من نسبة الأكسجين في الماء، وهذا يساعد على نمو الجنين في بيض السمك. وإذا ما خرجت اليرقات بعد ذلك وجدت من الغذاء ما يكفيها.

وتكون الأحياء الهائمة سلسلة متصلة في عالم البحار إذ تنمو الديانوم وغيرها من النباتات، وهذه تكون غداء الحيوانات الهائمة التي بتغذى عليها صغار الأسماك، وهذه الأخيرة يتغذى عليها أسماك أكبر وهكذا. فإذا ما وصلنا إلى أقوى الحيوانات نهما، فهذه تصبح بعد أن تبلغ نهايتها، تصبح مرتعاً خصيباً للبكتريا، فتتحلل أنسجتها ويتحرر ما بها من أملاح ومركبات، تعود إلي مياه البحار لتصبح غذاء للنبات، وهكذا تدور الحياة.

اشترك في نشرتنا البريدية