الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324الرجوع إلى "الثقافة"

من عصر اسماعيل :، محمود الفلكى

Share

]ساهمت كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول في أسبوع اسماعيل بمحاضرتين قيمتين عن عالمين مصريين عظيمين محمود الفلكي وعثمان غالب .ألقى الأولى منهما الدكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن وألقى الثانية الدكتور محمد ولي . وقد آثرنا أن ننقل لقراء الثقافة في هذا العدد شيئا من المحاضرة الأولى مما أثارته في النفس . وقد حضرها صاحب المعالي الدكتور السنهوري بك وزير المعارف وعقب عليها الأستاذ شفيق غربال بك المستشار الفني المعارف [

ثلاثة من الرجال الأفذاذ تشاء حكمة المولى جل شأنه أن تجمعهم وتؤلف بينهم وتجعل منهم عاهل مصر العظيم اسماعيل باشا ، ووزير مصر الشهير علي باشا مبارك ، والعالم الفلكي النابه محمود أحمد الفلكي باشا وهو أكبرهم سنا ، إذ ولد عام ١٨١٥ فهو يكبر علي باشا مبارك بتسع سنوات وإسماعيل باشا بخمسة عشر عاما

ولد محمود أحمد ببلدة الحصة من مديرية الغربية ونزح إلى الاسكندرية وهو في العاشرة من عمره ثم عاد إلى القاهرة فدخل المهندسخانة وكانت بالقلعة ، ولم يلبث أن تخرج فيها وعين مدرسا بها ولا يبلغ العشرين من عمره . ومكث بها مدرسا من سنة ١٨٣٤ إلى سنة ١٨٥٠ وقد نقلت إلى بولاق وأنشئ فيها مرصد تحت ادارته ، وقد دخل اليها على مبارك عام ١٨٣٩ وتتلمذ فيها لمحمود أحمد خمسة أعوام سافر بعدها إلى باريس مع اسماعيل باشا في بعثة الأنجال وعاد معه إلى مصر بعد خمس سنوات أخري نال علي مبارك حظوة عند عباس الأول ، فاتجه فكره إلى أستاذه محمود أحمد فرد إليه الجميل بأن أشار على الوالي بارساله إلى فرنسا ليتم تعليمه . وهكذا سافر محمود أحمد في بعثته العلمية وهو في سن الخامسة والثلاثين بعد أن كملت رجواته ونضجت آراؤه واكتسب خبرة في مختلف نواحي

الحياة ، فأقبل على العلم متعطشا وتتلمذ لخيرة رجال العلم في أوروبا ، وسرعان ما تجلى نشاطه لا في الدراسة النظرية وحدها ، ولكن في الدراسة العملية كذلك وفي ميدان البحث والابتكار والتجديد

وتنقل محمود أحمد بين أنحاء أوروبا يستخلص زبدة ما تمتاز به كل أمة ويتصل اتصالا شخصيا بأكابر العلماء المشتغلين بالفلك وبالمباحث الطبيعية الأرضية ) الجيوفيزيقا ( فيستوعب مالديهم من طرق خاصة وما يمتاز به كل منهم من فضائل علمية وأخذ ينشر آراءه وبحوثه : فمن بحث عن التقويمين الاسرائيلي والاسلامي إلى بحث عن شدة المجال المغنطيسي للأرض في بلجيكا وألمانيا وفرنسا يقارن نتائجه بمن سبقه من العلماء الأوروبيين ويستنتج استنتاجات   قيمة ، إلى بحث آخر مغنطيسي قياسي ، رسم فيه الخطوط المتساوية الشدة والمتساوية في الانحراف . وقارنها كذلك بنظيراتها  لمن سبقه . وكل هذه البحوث نشرت في المجلات العلمية الرفيعة في بلجيكا وانجلترا وفرنسا باسم محمود الفلكى المصري مدير مرصد القاهرة وعضو الجمعيات العلمية وارسالية علمية بأمر والي مصر

وأعظم ما بلغت النظر وينم عن متانة في الخلق واستمساك بالدين واعتزاز بالقومية أنه اتجه في بحوثه إلى ناحية دينية ممتعة درسها دراسة وافية جيدة ، فكتب في سنة ١٨٥٨ رسالة في تحقيق تاريخ ميلاد النبي ( ص ) وتاريخ الهجرة بالاستناد إلى بعض الظواهر الفلكية ، وقد نشر البحث في فرنسا وترجمت الرسالة إلى العربية ونشرت تحت عنوان " نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام " وهذه الرسالة جزءان قدم المؤلف في أولها أدلة ثلاثة من النصوص الاسلامية المحققة وهي :

(1) كسوف الشمس يوم وفاة إبراهيم ابن النبي (ص) من مارية القبطية ، عن المغيرة بن شعبة "رضي الله عنه" قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله ( ص ) يوم مات إبراهيم فقال الناس : كسفت الشمس لموت إبراهيم . .

فقال رسول الله ( ص ) : " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " . والمتواتر أن وفاة إبراهيم حدثت في السنة العاشرة من الهجرة . وقد حسب الفلكي بالرجوع إلى الجداول الخاصة بحركات الشمس والقمر التاريخ الذي حدث فيه هذا الكسوف في المدينة فوجد بالحساب أن هناك كسوفا للشمس في منتصف التاسعة من صباح ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية ، وهذا يقابل ٢٩ من شوال سنة ١٠ هجرية

(2) تعيين تاريخ الهجرة استنادا إلى ماجاء في السيرة الحلبية وفي كلام الحافظ بن ناصر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ( ص ) قدم المدينة يوم عاشوراء فإذا اليهود صيام فقال رسول الله ( ص ): " ما هذا " قالوا : هذا يوم أغرق الله تعالي فيه فرعون ونجي فيه موسى

فقال رسول الله  (ص) :أنا أولى بموسي فأمر رسول الله  ( ص ) بصومه . واعتمادا على أن عاشوراء ، هو العاشر من محرم بينما الهجرة كانت في ربيع الأول ، فإذا جعلنا القهقري بالتاريخ متخذين التقويم العربي القمري والتقويم الإسرائيلي الشمسى حتى يتحدا ، وبعد مراجعة أقوال علماء الهيئة الحديثة انتهي إلى أن النبي ( ص ) دخل المدينة يوم الاثنين  20 سبتمبر سنة ١٦٢٢ الموافق ١٠ تشري وهو عيد كيبور عند اليهود .

(3) جاء في الخبر المتواتر أن ميلاد النبي (ص) كان بعيد اقتران بين زحل والشتري في برج العقرب ، وأنه كان في نيسان ، وبالحساب وجد هذا الاقتران قد حدث في ٢٩ أو ٣٠ مارس سنة ٥٧١ ميلادية وبمراجعة مختلف الأسانيد توصل إلى تقدير ميلاد النبي ( ص ) يوم الاثنين  9 من ربيع الأول الموافق ٢٠ من إبريل سنة ٥٧١ م

وأما الجزء الثاني من هذه الرسالة القيمة فيبحث في أمر التقويم عند العرب الجاهلية معتمدا على التواريخ الثلاثة السالفة ورواية عن خسوف للقمر في السنة الرابعة هجرية وأدلة متفرقة أخرى تنم جميعا على أن التقويم الجاهلى

كان قمريا بحتا ، وقد حقق أيضا عمر النبي (ص)

هذه هي أبحاث الفلكي في مدة التحاقه بالبعثة في أوربا من سنة ١٨٥٠ إلى سنة ١٨٥٩ وهي تدل على مقدرة عظيمة وكفاءة في فرعين مختلفين كل الاختلاف من الدراسة . الأول : علم التقاويم والأزياج واستعمال الجداول الفلكية ، والثاني دراسة المغنطيسية الأرضية

وقد عاد عام ١٨٥٩ وعمره إن ذاك ٤٤ سنة ومنح لقب بك وصار معروفا باسم محمود حمدي الفلكي وكان يوقع باسم محمود بك وصار عضوا بالمعهد العلمي المصري وانتخب وكيلا له . وما كاد يصل إلى مصر حتى اخذ يمد خريطة لمصر مبتدئا بالوجه البحري وأرسل في طلب أجهزة للرصد ليكمل عدة المرصد

وفي سنة ١٨٦٠ أوقف عمله في الخريطة مؤقتا استعدادا لمشاهدة كسوف الشمس الذي حدث في ١٨ يوليه من تلك السنة واهتمت له الدوائر العلمية في أوروبا أكبر اهتمام ، وجرت له عدة بعثات من المراصد الكبرى لمشاهدته في أسبانيا ، واشترك في احداها اسماعيل لطفي الفلكي الذي كان وقتذاك مقيما في باريس .

وكانت منطقة الكسوف الكلى تبدأ من كاليفورنيا وتمتد عبر المحيط الأطلسي إلى أسبانيا ثم جنوبا إلى افريقيا مارة بالصحراء الغربية ومنتهية عند الحبشة . فاختار محمود بك مديرية  دنقلة بالسودان مكانا للمرصد فسافر إليها عن طريق النيل وظهور البغال تحت شمس يونيه المحرقة ، ووصل قبل الموعد بخمسة عشر يوما فقط . وطفق يرائي الأرصاد تحقيقا للساعة وتعيينا لخط عرض المكان . وكان الثيودوليت الذي أخذه معه قد اختل في أثناء النقل فاضطر إلى استعمال آلة ذات السدس وإلى إعادة التجربة عدة مرات للاستيثاق من دقة نتائجه .

وقد شاهد محمود بك كسوف الشمس وعين أوقات مراحله بالضبط ( لأقرب عشر ثانية زمنية ) كاختفاء ٩ نقط كافية على قرص الشمس وظهور ثلاث منها . وكانت

هذه الأرصاد من أتم الأعمال الفلكية التى قام بها ، وكانت محل فحص دقيق في أوربا ونالت الإعجاب ، وطلب فاحصوها أن تقدم الأكاديمية العلمية بفرنسا له الشكر على هذا الرصد العلمي الدقيق ، فأقرتهم الأكاديمية على قراراتهم .

هذا وقد انتهز فرصة وجوده بالسودان فأخذ قراءات مغنطيسية وجغرافية في أكثر من ٤٠ مكانا في طريقه من قنا إلى دغلة ، وبعد أن أتم هذا العمل الجليل عاد إلى مصر واستأنف عمله العظيم الذي كان قد محاء جانبا ريثما يتم هذه المهمة المستعجلة الموقوتة .

وفي سنة ١٨٧٥ أسست الجمعية الحغرافية وانتخب محمود الفلكي وكيلا لها ، وقد زاد اهتمام الفلكي باشا في هذه المرحلة من حياته بالشئون المتيورولوجية والجغرافية ومناسيب النيل وجغرافية الأرض وتاريخ المعالم المصرية . وطبع في كوبنهاجن سنة ١٨٧٢ رسالة عن مدينة الإسكندرية القديمة وكفورها وضواحيها إلحاقا بالخريطة التي رسمها لهذه المدينة عام ١٨٦٥ وسبقت الإشارة إليها والتي طبعت سنة ١٨٧١ في بولاق . ومثل الحكومة المصرية في المؤتمر الجغرافي في باريس سنة ١٨٧٥ وفي البندقية سنة ١٨٨١ وجمع بيانات عن فيضان النيل وتحاريقه عن المدة من سنة ١٨٢٥ حتى سنة ١٨٨٤ كانت أساسا لتقديرات الري ولا زالت مرجعا هاما لمهندسي النيل .

واقترح إنشاء محطات متيورولوجية في أنحاء القطر المصري  ونشر ملخص الأرصاد الجوية التي عملت بالرصدخانة الخديوية المصرية من سنة ١٨٦٨ عندما تم نقلها إلى العباسية حتى سنة ١٨٧٧ . وليس معنى اشتغاله بهذا كله أنه ترك اهتمامه بالفلك . فقد رسم عدة مزاول شمسية على مستويات وعلى مجسمات زائدة ، ورصد مرور كوكب الزهرة على قرص الشمس يوم ٩ ديسمبر سنة ١٨٧٤ وكان قد قارب الستين ، وكتب وصفا لهذه الظاهرة في روضة المدارس بتاريخ ١٥ ذي القعدة سنة ١٢٩١ ه  ووضع مدفع

الظهر في خط الزوال عند القلعة ، وكان يطلق بتركيز أشعة الشمس على الفتيل عند ما تكون على خط الزوال ، ثم ضبط إطلاقه باشارة من المرصد . وله بحث ظريف في الظواهر الفلكية المتصلة ببناء الهرم قادته إلى أنه قد بنى منذ حوالي 3300 سنة قبل الميلاد .

هذا موجز من تاريخ هذه الشخصية الفذة وأحد أولئك العلماء الذين فهموا مهمة الباحث على حقيقتها وانصرفوا بقلبهم إلى الدراسة الجدية ورفعوا رأس مصر عاليا بين الأمم . ولو أنه كان هو وأمثاله قد خلفوا وراءهم مدرسة من التلاميذ والتابعين لكان لمصر شأن آخر .

والذي يلفت النظر حقا هو تعدد نواحي الاهتمام وانتهاز الفرص للبحث واختيار الموضوعات التي لها صيغة قومية أو دينية وتوحي الفائدة العملية . ولعل هذا الاتجاه كان نتيجة لتوجيه طائفة العلماء الفرنسيين الذين وجدوا بمصر وانصرفوا إلى التطبيقات العملية بدلا من البحوث النظرية البحتة كما أشار الأستاذ غربال بك في تعقيبه .

وإننا نختم هذه الكلمة بالإشارة إلى الاقتراح الذي تقدم به غربال بك إلى رجال العلوم بمصر . فقد قال بأن الفرنسيين كتبوا وصفا دقيقا لمعظم نواحي الحياة العملية ، فرسموا الخرائط وأحصوا النباتات والحيوانات الخ كتب ذلك علماؤهم الذين أتى بهم المسلمون . فهلا يكون جديرا برجال العلوم من المصريين بعد مرور قرن ونصف على جهود الفرنسيين القيمة في هذا السبيل أن يتولوا هم إخراج طائفة جديدة من الأوصاف التي يكتبونها وهم أبناء البلد والخبيرون بشئونها ؟ حقا أن انصراف المصريين من العلماء لكتابة هذا الوصف الشامل لجميع نواحي الحياة العلمية في مصر يعتبر محاولة صادقة لتجديد عهد النهضة العلمية في عصر الفاروق يماشي تلك النهضة التي تمت على يد جده العظيم .

وأخيرا أري لزاما علي أن أنوه  بهذا الجهد المشكور الذي بذله الدكتور المحاضر والذي تم عن تمكن في العلم وفي الإطلاع

اشترك في نشرتنا البريدية