الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 450 الرجوع إلى "الثقافة"

من عيون الأدب الغربي :, أعرف نفسك، عن الدكتور صمويل جونسون

Share

لا شك أن من بين المبادئ والحكم التي أجمع على صحتها كل الناس ، والتي تتردد دائماً على ألسنتهم ، والتي ورثناها عن كبار الفلاسفة القدماء هي تلك الحكمة الخالدة الموجزة : " أعرف نفسك "

و يعتقد البعض أن هذه الحكمة قد فاء بها أحد الخطباء الأقدمين ، ويؤمن البعض الآخر أن قائلها هو نشيلوChilo الفيلسوف اليوناني ، وحقاً أنها درس جامع مانع يشمل كل التأملات الضرورية لأى باحث أخلاقي . وهل هناك أكثر أهمية لتنظيم الحياة من معرفة ماهيتنا ، وغايتنا ، وواجباتنا وعلاقاتنا بالغير ؟

ومع هذا فمن اليسير أن تدرك أن قائل هذه العبارة لم يكن يظن أنها ستئول فيما بعد إلى هذه المعاني الواسعة المعقدة ، لأن مثل هذه البحوث الواسعة قد أجمع الكل على أنها لم تكن موضع عناية أو بحث في العالم الوثني القديم ، إذ أن بعضها يتطلب قدرة كبيرة كما يحتاج البعض الآخر إلى نوع من الإلهام العلوي

وقد نطمئن إلى أصل هذه الحكمة الخالدة لو أن التاريخ أخبرنا ما إذا كان المقصود منها تلك التعاليم العامة أو هي تحذير خص به مستشير طلب المشورة أو ألقيت في مناسبة خاصة أو هي وضعت لتكون سنة عامة .

ومن الجائز أن تحدث بعض المناسبات يمكن تطبيق هذه الحكمة عليها ، لأن إية هفوة يرتكبها المرء يمكننا أن تعزوها إلى جهله بنفسه جهلاً وقتياً أو دائماً ، أو قد يكون سببها جهله بما هو مناسب وملائم له ، وقد يكون مردها

أيضاً إلي شرود ذهنه وقت قيامه بالعمل وقد يحدث أن يكرس أحدهم حياته للبحث في أمور بعيدة الأتصال بكيانه ، أو يضيع حياته سدى في معالجة مسائل عويصة لا طائل تحتها ولا حلول لها ، ولا تسعد البشرية أو تزيد في رفاهتها ، أو يقضي وقته باحثاً عن وزن الأرض مما فيها من ماء ويابسة ، أو أن يقضي عمره في البحث وراء الكواكب التي لا يدرك التلسكوب مداها ، فلو

عرف تلك الحكمة وأمعن البحث فيها لرجع إلى نفسه وأدرك أن هناك كائناً قريباً منه يستوجب عليه أن يعرفه ويدرك كنهه ، وما أقصاه عنه سوى غروره وحبه للاستطلاع . وكان من مفاخر سقراط حقاً أن تعاليمه ومثله جذبت أفكار اليونان من البحث وراء فلسفة الكون إلى دراسة الأخلاق ، كما حولت أفكارهم من دراسة النجوم والأنوار والبحث في المادة والحركة إلى إدراك الفضائل الخلفية في صورها المختلفة وإلى علاقة الفرد بغيره في المجتمع . ومما يجدر ذكره أن كل محاضرة ألقاها سقراط كانت تعليقاً على هذه الحكمة الخالدة التي أوصى بها " تشيلو" وهي حث الإنسان على معرفة نفسه ، تلك المعرفة التي تتباين عن بغية البحوث الأخرى التي هي في الواقع أقل ملاءمة لحالة الفرد .

ومن الخطأ الشائع بين العلماء خروجهم على هذا القانون رغبة منهم في الإهتمام ببحث أي شئ عدا أنفسهم ، ولهذا السبب عينه لم يحفل بهم كثير من الناس . ويرجع إنقاص بعض الناس من قدر هؤلاء العلماء إلى فكرة سائدة بينهم ، هي أن هؤلاء العلماء قوم لا يرجى منهم نفع المجتمع ، فهم من العجز بحيث لا يستطيعون القيام بأبسط الأعمال : أو أن يساعدوا على تقوية روابط المجتمع وصيانة العواطف المتبادلة بين أفراده .

فقد كان جليدس Gelidus رجلاً نافذ البصيرة عميق البحث ، وقد كانت له عقلية هيئت لأكثر البحوث العلمية

تعقيداً ، فكان في إستطاعته إدراك العلاقات الدقيقة بين الأشياء المتباينة في سهولة ويسر ، وكان له كذلك طبع بارد لم يدع عواطفه أن تؤثر في إستنباط أكثر النتائج تعقيداً والتواء ، وكان من عادته أن يمضي وقته في حجرة بأعلى منزله ولا يسمح لأحد من أسرته بالدخول فيها ، فإذا هبط لتناول الغداء أو ليصيب قسطاً من الراحة كان يتمشى كما لو أنه شخص غريب لا يبادل أهل البيت أي عواطف أو إعتبار ، فقد جرد نفسه من كل المشاعر الإنسانية ، فلم تكن له عين تقدر الجمال أو قلب يستجيب للشكوى ، وكان من طبعه أن لا يشارك أحداً لا في السراء ولا في الضراء .

وحدث ذات مرة أن بعث إليه أخوه برسالة فدفعها إلى خادمه ليقرأها له ، فأخبره بأن أخاه قد غرقت به السفينة ونجا إلى البر ما بعد أن فقد كل شئ حتى ملابسه ، وطلب المساعدة من أخبه لأنه في بلد غريب ، فاكتفى هذا العالم بأن ردد قول أخيه " عارياً ومعوزاً " ثم فتح مجلداً في علم الفلك وأخذ يتصفحه ثم إقتبس بعض عبارات عن الرياح والطقس ودونها في مذكرة خاصة به .

ويحكى أن هرعت إليه أسرته لتنبئه بالإتهام النيران لمدينة قريبة منهم ، ثم دخل خادمه بعد ذلك ليخبره بأن النار قد أندلعت في كثير من المنازل القائمة على جانبي الطريق وأن سكانها التعساء فضلوا النجاة بأرواحهم على إنقاذ متاعهم ؛ فأجاب " جليدس " في اطمئنان : " إن ما قلته حق ، إذ أن النار تسري على شكل دائري "

وهكذا كان يعيش هذا الفيلسوف الكبير غير عابئ بما يلحق الناس من بؤس ، كما أنه لم يلب أي نداء للمجتمع لأنه قد حرم من إدراك أن الناس قد خلقوا للتعاون فيما بينهم إذا أصابهم خير أو مسهم شر ، ولم يستطع هذا الفيلسوف أن يفرق بين ما هو مهم وما هو أهم ؟ وكان الأجدر به أن يوجه جل إهتمامه إلى الفضيلة العملية قبل أن ينغمس في

أعماق أبحاثه العلمية التي أخرجته من نطاق البشرية ، إذ أنه لم يكتف بمجافية الناس وإمتناعه عن مشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم ، كذلك لم يهتم بتدليل زوجته ومداعبة أطفاله ، بل فضل أن يحصى قطرات المطر ، وأن يدون تغيرات الرياح ، ويسجل خسوف مجموعة كواكب المشترى .

أثبت على طرف يسير من قصة هذا الفيلسوف الكبير الذي لم يعبأ بأخيه وقت محنته ولا بذويه حين كادت تلتهمهم النيران ، وهو قابع في برجه العاجي لا تزعزعه كل تلك الأحداث ، فإذا ما بعد كل فرد عن الآخر مؤثراً العزلة والوحدة كما كان يفعل فيلسوفنا فكيف السبيل إذاً إلى إنتظام حال الجماعة ؟ ولم أشاد المفكرون والعقلاء بفضل الإتحاد والإخاء وحب الغير ؟ .

وإني لا أجد هناك حكمة أغلى ولا أثمن من معرفة الإنسان لنفسه وفهمه لكيانه وحقيقة وجوده .

اشترك في نشرتنا البريدية