الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 392الرجوع إلى "الثقافة"

من فجر الإسلام إلى ظهره

Share

لما أجمعت النية على أن اكتب كلمة من كتاب (ظهر الإسلام ) الذى أخرجه أخيرا الاستاذ الكبير أحمد أمين بك - وذلك بعد أن قرأته - رأيت أن الكتابة فى ذلك لاتكون مستوفاه إلا إذا وطأت لها بذرو من القول فيها صدر قبل اليوم من أجزاء هذا الكتاب عن فجر الإسلام وضحاه ، ليكون القارئ على بينة من هذه اللوسوعة العلمية

أما ( فجر الإسلام ) فقد كان كما جاء فى عنوانه : كتاب في ثلاثة أجزاء ، يبحث عن الحالة العقلية والسياسية والأدبية فى صدر الإسلام إلى آخر الدولة الأموية ، اشترك في تأليفه : طه حسين ، وأحمد أمين وعبد الحميد العبادى .

وكان الباعث على إصداره ما ذكره هؤلاء الأساتذة من أنهم قد أرادوا أن يدرسوا هذا الأدب على منهج مستقيم من البحث والاستقصاء كما تدرس كل المعلومات ولأن الأدب العربى متصل بما حوله ولا تكمل دراسته إلا إذا درست حياة الأمة العربية الخاصة والعامة ، داخلية كانت أو خارجية ؛ فقد قسموا بحثهم فى دراسة هذه الحياة إلي ثلاثة أقسام : الاول ( الحياة العقلية ) وبتولاء الأستاذ الكبير أحمد أمين بك ، والثاني ( الحياة السياسية ) ويقوم به الأستاذ عبد الحميد العبادى والثالث ( الحياة الأدبية ) وبمعالجه الدكتور طه حسين بك .

ولقد أحسن الأستاذ أحمد أمين بك فى أنه لم يرض بالقمود عن هذا العمل الجليل . بل مضى فى طريقه يمشي فيه وثيدا إلي أن يبلغ مداه - إن شاء الله - فأخرج بعد فخر الإسلام ( ضحى الاسلام ) وقد درس فيه الحياة العقلية في المائة سنة الأولى للعصر العباسي ( ١٣٢-٢٣٢ ) أى إلى خلافة الواثق بالله ، وهو عصر كما يقول حضرة المؤلف " له لون علمى خاص كما ان له

لونا فى السياسة والأدب خاصا امتاز بغلبة العنصر العباسى وبحرية الفكر إلى حد ما ، وبدولة المعتزلة وسلطاتهم وبتلوين الأدب من شعر ونثر لونا احتذى على كر الدهور .كما امتاز بتحويل ما باللسان العربى إلى قيد فى الدفاتر وتسجيل في الكتب وما باللسان الأجنبى إلى لغة العرب " .

وقد صدر من ( ضحى الاسلام ) هذا ثلاثة أجزاء : الأول والثانى منها فى ثلاثة أبواب : أولها فى الحياة الاجتماعية فى ذلك العصر ، والثانى فى ( الثقافات المختلفة دينية وغير دينية ) والثالث فى ( الحركات العلمية ومعاهد العلم وحرية الفكر فى تلك الحركات ) .

أما الجزء الثالث فانه يبحث فى العقائد والفرق الاسلامية من معتزلة وشيعة ومرجئة وخوارج ، وعرض من كل فرقة لنواحيها الدينية والسياسية والأدبية ، ووقف منها موقف القاضى العادل يحكم بالحق بينهما بعد أن ينضج الرأى والبحث فى آرائها .

هذه إيماءة خاطفة إلى ( فجر الاسلام وضحاه ) نمهد بها لكى يربط القارئ بين ما صدر من هذا الكتاب من قبل وما صدر منه اليوم ، وما سيصدر منه إلى أن يتم فى ( عصر الإسلام ) إن شاء الله .

و ( ظهر الاسلام ) الذى نتحدث عنه اليوم في كلمتنا هذه قد قال فيه مؤلفنا الجليل " وقد قصدت أن يكون - مقدمة - لدراسة واسعة للحركة العقلية فى النصف الأخير من القرن الثالث وفى القرن الرابع ، وهى أوسع حركة وأخصبها وأعمقها فى تاريخ المسلمين إلى اليوم ، وقد حزرت أن يستغرق وضعها خمسة أجزاء أحدها للأندلس " وهذا الجزء الذى قد جعله مقدمة قد وقع فى كتابين :

الأول فى الحياة الاجتماعية فى عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجرى ، وقد عنى المؤلف بوصف هذه الحياة لأنه لا " يمكن فهم الحياة العقلية إلا بفهم بيئها التى نشأت فيها والعوامل التى ساعدت عليها وطبيعة الناس

الذين أنتجوها " وما إلى ذلك .

والثانى فى مراكز الحياة العقلية فى ذلك العصر  . وقد فتح فى الكتاب الأول بابين - عقد أحدهما على سكان الملكة الاسلامية ، فتحدث  عن عنصر الترك الذى ظهر فى هذا العصر ليحفظ الدولة بعد أن كان الفرس محو قرن هم عمادها ، وعرض إلى ما قام من نزاع العصبية بسبب التسابق إلى الغلبة بين الفرس والترك ، وقد كان عنصر الترك مصدر قلق واضطراب وبخاصة بعد أن قتلوا المتوكل واستولوا على كل شئ في الدولة .

وبعد أن أتى على سائر العناصر التى كان لها أثر فى الحياة الاجتماعية فى هذا العصر كالروم والزنج قال :

" هذه العناصر الجنسية من أتراك وفرس وعرب وروم وزنج وغيرهم وما تستلزم من عصبيات ، وهذه العصبيات الذهبية والطائفية من تسنن وتشيع ، ومن حنابلة وشافعية وحنفية ومن مسلمين ويهود ونصارى وغير ذلك - كانت كلها حركات تموج بها الملكة الاسلامية ، تتعاون حينا وتتفاعل حينا ، وتؤثر فى السياسة وفى الدين وفى العلم . وتنشأ عنها المؤامرات السرية أحيانا والقتال الصريح أحيانا ، وكان لها كلها أثر واضح في كل ناحية من النواحى الاجتماعية  .

" قد أثرت فى الحالة المالية إما مباشرة وإما من طريق الحكم والسياسة ، فمرت فى ناحية وخربت فى اخرى ، وعدلت فى ناحية وظلمت فى أخرى " .

أما الباب الثانى فالذى يدخله بجد فيه بيان " أهم المظاهر الاجتماعية والسياسية فى ذلك العصر بعد انقسام الدولة " وقد أعطى هذا الأمر عناية فائقة من الدرس ، وبحث بحث خبير عما إذا كان هذا الانقسام فى مصلحة الأقطار الاسلامية أو فى غير مصلحتها ، وقد خرج من بحثه هذا الممتع إلى " أن كثيرا من الأقطار الاسلامية كانت بعد استقلالها عن الخلافة خيرا منها قبله " .

وكذلك رأى " أن العلم والأدب رقيا عما كانا عليه من قبل , وأنه لم يؤثر فيهما كثيرا ضعف خلفاء بغداد " .     أما حال الشعب فقد " كان هناك طبقتان متميزتان كل التمييز ، فالخليفة و رجال الدولة و أهلوهم و أتباعهم طبقة الخاصة و هم عدد قليل .. وبقية الناس فقراء إلا من اتصل منهم بالخلفاء والأمراء " .

ولم يغفل الكلام عن الرقيق الذى كثر فى هذا العصر كثرة بالغة و امتلأت به القصور و كان له أثر كبير فى الحياة الاجتماعية ، وأشبع القول كذلك فى شعراء هذا العصر وتراجمهم .

أما ( الكتاب الثانى ) فقد بناء على مراكز الحياة العقلية فى ذلك العصر ، وجعل له أربعة أبواب يفتح كل باب منها على قسم من أقسام المملكة الاسلامية .

( فالباب الأول ) تدخل منه على مصر و الشام فتجد الحركة العلمية فى عهود الدول التى تولتها فى هذا العصر  " تنمو تبعا لسنة النشوء والارتقاء "  و أظهرها الحركة الدينية من تفسير وحديث وفقه وقراءات ؛ ذلك بأنها " كانت هى الحركة العلمية التالية فى المملكة الاسلامية " وأعقب ذلك بالتعريف بأشهر علماء هذه العلوم ، ثم تشهد ما انتقل إلى مصر من خلافات متكلمى العراق ، وما ظهر على يدى ذى النون المصرى من التصوف،وتطلع

كذلك على الحركة اللغوية والنحوية التى قامت بجانب الحركة الدينية ، وتقف على مبلغ مداها وقد كانت حركة قوية . أما الحركة الأدبية فقد كانت ضئيلة وكان الشعر فيها هزيلا ، وقد قضى بحق أنه " منذ الفتح الإسلامي إلى المهد الطولونى والأخشيدى لم تخرج مصر شاعرا كبير يضاهى شعراء العراق أمثال أبى تمام والبحترى وابن الرومى ". ثم تنظر إلى جانب هاتين الحركتين - الدينية والأدبية - فترى حركة العلوم الفلسفية التى تشمل الطب والنجوم والإلهيات وما إليها " وهى بقية من بقايا مدرسة الاسكندرية "

وبعد أن تفرغ من أمر مصر نجد وصفا دقيقا لبلاد الشام ثم تلتفت فتجد سلطان الدولة الفاطمية الذى انبسط على مصر والشام ونهضت فى ظله حركة علمية نشيطة " قدمت العلم والأدب والفن خطوات " .

أما ( الباب الثانى ) فنسلك منه إلى العراق وجنوبى فارس ، وهناك يبدو أمامك تلك المدن الكثيرة التى تميزت في هذا العهد وقبله بقوة الحركات العلمية والأدبية ، مثل بغداد والبصرة والكوفة فى العراق ، والرى واصبهان في فارس . ومما يستبين لك أنه كان للعراق فى عهد المتوكل إلى آخر الدولة البويهية الصدارة فى العلم والأدب والفلسفة وبحسبك أن تقرأ ما جمعه الخطيب البغدادى من تراجم لعلماء بغداد نبغوا فى جميع فروع العلم والأدب ، ولولا أن المتوكل قد نصر أهل الحديث على المعتزلة واضطهدهم - وهم رجال الفكر - لكانت الحركة الفكرية قد اشتدت قوسها واستحصدت ؛ ذلك أن المتوكل كان قد قوض سلطان المعتزلة ، وأعلى شأن المحدثين ، وأوقع بالشيعة إيقاعا بالغا حتى أمر بهدم قبر الحسين ، وبمنع الناس من إتيانه وكان ذلك من الأسباب التى دفعت الشيعة إلى تدبير المؤامرات والدسائس والفتن وإلى الخروج على الدولة العباسية فى بغداد .

ثم نلج ( الباب الثالث ) فنجد بلاد خراسان وما وراء النهر التى ازدهرت فى عهد السليمانية ، وبعد أن تقف هنية بين مدنها العظيمة ، يقابلك فيها ما جمعت من علماء الحديث والفقه كالبخارى ومسلم والففال وابن فورك وغيرهم ، ثم تطلع على حركة التصوف والفلسفة ، ويستهويك ما تقف عليه من قوة الحركة الأدبية .

وتخرج من هذا الباب إلى ( الباب الرابع ) فتقابلك بلاد ( السند وافغانستان ) التى تتولاها الدولة الغزنوية وهى دولة تركية ، فيعجبك ما تجد فيها من نوابغ العلم والفلسفة ، وتنتهى من هناك إلى ( الباب الخامس ) فتنفذ

منه إلى بلاد المغرب ، ومن ثم ترى مؤلفنا الجليل يمهد بشىء من تاريخ ووصف بعض بلدانه العظيمة كالقيروان والمهدية وسجلماسة وفاس ، ثم يقول فى الوصف العام لهذه البلاد :  " وقد اشتهرت بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه وتقصيرها فى العلوم النظرية من الفلسفة وفروعها"  ومن أجل ذلك ظهر فيها كثير من الفقهاء وخاصة من المالكيين . ولما تغلبت عليها الدولة الفاطمية نشرت فيها فقهها الشيعى ودعوتها الشيعية كما نشرتهما فى مصر ، أما الأدب فكان شأنه فى أول الأمر مثل ما كان فى مصر من ضعف الشعر ، وجرى أمره على ذلك إلى أن أنشأ يقوى فى دولة الأغالبة ودولة الفاطميين ودولة الصنهاجيين الذين قال فيهم ابن خلدون : " كان ملكهم أضخم ملك عرف للبربر بأفريقيا وأنوفه وأيذخه " .

وينتهى بك المطاف إلى ( الباب السادس ) فتطل منه على جزيرة العرب لترى وصفها فى زمن الخلفاء الراشدين لما كانت موطن الخلافة ، وفى عهد الأمويين لما انتقلت الخلافة إلى دمشق ، وتشاهد تغلب العنصر الفارسى فى زمن السياسيين ، وما فعل العنصر التركى  بالعرب فى عهد المعتصم من إسقاطهم من الدواوين ، وبذلك أنحط شأنهم ونالهم فى ذلك ما نالهم وبخاصة على يدى اسماعيل بن يوسف والقرامطة الذين جاءوا بعده ؛ وفى هذا العصر انتشر فى اليمن فقه الزيدية ، وهم أتباع زيد بن على بن زين العابدين . أما الأندلس فى هذا العصر فسيفرد له المؤلف جزءا خاصا .

هذه لمة يسيرة عن الجزء الأول من " ظهر الاسلام " لم أستوعب فيها الإشارة إلى كل نواحيه لأن إيثار الاختصار قد فوت على شيئا كثيرا حتى فى الإيجاز ولعل هذه اللمعة الخاطفة تكفى لأن تهدى القارئ إلى هذا الكتاب القيم الذي ختمه مؤلفنا الجليل بهذه العبارة : " وبعد - فهذا عرض سريع للحركة العلمية

والأدبية يتلوه إن شاء الله البحث التفصيلي في تاريخ كل علم ومدى تقدمه ومركز هذا التقدم ، وهذا هو موضوع الجزء الثانى من ظهر الاسلام ، أعاننا الله على إتمامه " إنه سميع مجيب .

كلمة خاتمة :    لم أكد أتناول القلم لكتابة هذه الكلمة حتى انبعث فى نفسى ذكريات عزيزة مما كان يجري بينى وبين كاتب العربية البليغ مصطفى صادق الرافعى رحمه الله ، فلم أملك أداء لحق الوفاء له إلا أن أشير إليها هنا ، وأرجو أن يكون في ذكرها تحية طيبة تصمد إلى روحه الطاهرة في جناتها . ذلك أنى لما قرأت فجر الاسلام والجزء الأول من ضحاه كتبت كلمة فى مجلة الرسالة الغراء (١) وصفت فيها هذين الكتابين ، وكان مما قلته حينئذ :

" لو أردت أن أصف أمرى بعد أن فرعت من قراءته فى عبارة صغيرة لقلت : إنى على كثرة ما قرأت من كتب العلم والأدب لم أفد من كتاب مثل ما أفدت من هذا الكتاب ، فقد كشف عن الحياة العقلية الإسلامية فى القرن الثانى للهجرة مما لم يكن معروفا مثله لأحد ، فظهرت أشياء لم تكن معروفة من قبل ووضحت أمور كانت غامضة أو مبهمة ، وصححت مسائل كان الناس يعلمون عنها غير الذى حققه ببحوثه العميقة عالمنا الجليل .. وبعد أن قرأت كتابى فجر الإسلام وضحاه قد تغير رأي فى كثير من أمور ديننا الحنيف الخ " .

وبعد نشر هذا القول زرت الرافعى رضى الله عنه فى طنطا فجرى الحديث بينى وبينه فيما كتبت فى الرسالة الغراء ، فكان مما قاله لي طيب الله ثراه : " ألا نرى أنك قد بالغت فيما وصفت ؟ " .      قال ذلك وهو يعلم أنه لا يكاد يفوتنى كتاب . فأجبته

بأنى لم أعد الحقيقة ، ولو أنك رأيت ما رأيت لتبين لك أنى  لم أبالغ ! فعجب رحمه الله ، ثم طلب الكتابين بعد ذلك  وقرأهما .

هذا وإنى قبل أن أضع قلمى أوجه إلى الأستاذ الجليل أحمد أمين برجاء وأتمنى أن يقع منه موقع القبول : ذلك أن يدع كل عمل يجرى به قلمه ويفرغ لهذه  الموسوعة حتى يتمها ، لأن القيام بهذا العمل الجليل فرض عين عليه وماسواه فهو نافلة . وأملة - وهو يرى أن "ظهر الاسلام" سيكون فى خمسة أجزاء وقد تزيد ! و " عصر الإسلام " قد يقع فى نحو عشرة أجزاء - يستجيب إلي ما نطلب ويطلب الناس جميعا منه . وفقه الله وأعانه . المنصورة

اشترك في نشرتنا البريدية