حياة الأمم كالنهر العظيم يجري جريانه وهو في خير ما جري ، ولو وقف لاستنقع وأسن ماؤه واشتد وخمه . فالسكون هو الصيرورة ، وسنة الحياة التطور . على ان الأمم كالنهر أيضا لابد لمجراه من ضفاف متينة مكينة سليمة من الأجراف المهيلة ، موطدة التأسيس محكمة الترصيف
وهذه الضفاف التي يحفظ على البر كيانه هي بالنسبة إلى الأمم قوة الماضي ، والقوة الخلقية ، والقوى الروحية
قوة الماضي :
وقوة الماضي من الناحية الطبيعية تصدر عن أحكام الوراثة . فنحن بضعة من آبائنا ، وخصائصنا الخلقية مشتقة منهم حتما وبغير اختيار منا ، وهي بالضرورة متأصلة شديدة الرسوخ فينا . وقد يخفى امر هذه الشخصية الموروثة على شخصيتنا المستفادة من البيئة والتربية ، وإن كانت لا تخلو الحال بينهما من مجاذبة ومنازعة . والذي يتغير منا إما هو الشخصية المستفادة
كلما اقتضت ذلك ملاءمة الطوارئ الحادثة . وتبقى من ورائها الشخصية الوراثية صلبة العود مستعصية المكسر . والشخصية الوراثية هي صاحبة الاثر فيما لهذه الامة او تلك من تاريخ متصل وسير مطرد على اضطراب الحياة وتعاقب الدهور .
هذه قوة الماضي من ناحية الطبيعية . وهي قوة ذاتية تصدر عن نفسها ، ومهما بطل كموتها فلا تفني
مادتها . وتقوم إلي جانب قوة الماضي الطبيعية ، قوة الماضى الصناعية ، ونقصد بها ما يكون في تقوية شعور الأمة بماضيها من تدعيم لوجودها ، وتعميق لحياتها ، ووصل أعراقنا بأعماق الأزل السحيقة ، لنحس إحساس الخالدين فتشرئب نفوسنا إلي آفاق الخلود البعيدة وشعور المرء بأنه ابن الساعة لاغير ، بجعله لا يفكر في غير الساعة التي هو فيها ، فينكمش في أنانيته ، وتنقطع
الأسباب بينه وبين من حوله انقطاعها بمن قبله ومن بعده . ولهذا تعمل الأمم الناهضة على دراسة تاريخها والتنقيب عن ماضيها وتمثيل عهوده وإحياء اشخاصه ، لا تقصد من ورائه أن ترجع بالزمن القهقري وان يعيش الحاضر في الماضي فتركد ريحه ، ويتقيد الحي بأكفان الميت فيفقد روحه ، بل تعمد إلي ان يحس ابناؤها - مع سعة المعرفة وطول الألفة بتاريخهم ان هؤلاء ، الأجداد
وإن سارت إلي التراب أجسادهم فان ارواحهم تتردد بين جوانح حفدتهم ، وانهم ورثة صفاتهم العليا وحملة أمانة هذا المجد الخالد . وعندئذ لا يكون الشأن في الأمة أنها ذلك الجيل من الأحياء - بل الموتي والأحياء والذراري في بطون الغيب وحدة غير متجزئة هي الأمة
ومتى كان الجيل الحاضر في أمة من الامم عميق الشعور بالتضامن مع الأجيال الغابرة والقابلة فانه خليق بأن يأتي بالآيات المعجزات ، من حسن البلاء وعلو الهمم واستفراغ الجهد والتحامل على النفس والمفاداة بكل نفيس وغال والرضي بالتضحية وبذل المهج
قوة الخلق :
تأتي بعد قوة الماضي قوة الخلق . فالشعوب القوية الخلق هي الغالبة في كل زمان على الشعوب الضعيفة الخلق ، التي لا تبرم امرا ، ولا تستمسك بعزم بالغة ما بلغت من الذكاء وحدة الفؤاد . وسياق التاريخ
كله شواهد صادقة على أن للخلق شأنا أعظم خطرا وأبعد أثرا مما للذكاء في مصاير الأفراد والأمم . فالرومان في التاريخ القديم وهم بعد قليلو الحظ من الدنيا والحضارة لم يلقوا كبير مشقة في قهر اليونان وإدخالها تحت طاعتهم ، وهي وقتئذ تفوقهم في الارتياض بالفلسفة والأدب ، ولها عليهم القدم الفارعة في الذكاء والثقافة . والناظر في التاريخ الحديث أيضا لن يعدم الأمثلة من هذا القبيل .
وبيان ذلك ان الخلق هو المسير لنا والمصرف لأفعالنا . أما العقل فأخص شأنه التفسير والتمييز . ويخطئ من يحكم على خلق الناس من كلامهم ، فالكلام إنما هو مرآة العقل ، وأما الخلق فيستدل عليه بالعمل وقد يستطاع تهذيب الملكات الذهنية والبلوغ بها إلي كمالها بالتربية ، وأما الطبائع الخلقية فلا تفعل فيها التربية فيما وراء الظاهر .
والعقل هو القائم على دنيا العلوم ، تاريخها تاريخه ، وعنه تصدر المخترعات التي تتبدل بها الناحية المادية من الحضارات أما في عالم الاجتماع فالكلمة للعاطفة والخلق وعنهما تتولد الثورات والمنازعات ، وما تاريخ الامم إلا تاريخ هذه الثورات والمنازعات التى قلما يكون الأمر بها والمحرك لها العقل .
ويجب الا ننسى ان القوة الأدبية التي جرينا اليوم على تسميتها ) بالروح المعنوية " للأمة أو للجيش ، والتي نعزو إلي حالها من العلو أو الهبوط انتصار فريق على فريق ، إنما هي قوة العاطفة والخلق مقترنة بفيض من القوي الروحية .
القوى الروحيه:
وهذه القوي أعظم الأثر في حياة الأفراد والجماعات وهي قد تصدر عن عقيدة دينية كما تصدر عن عقيدة سياسية ، ولا شأن فيها للعقل ، بل هي مخالفة للعقل عند
سائر الناس من غير أهلها . وثمة أهل الكتاب ليس ينقضي لهم عجب من ان يكون اعلام الفلاسفة الاولين عبدة أوثان ، وان يسجد بناة اقدم الحضارات لعبود من الحيوان . وثمة دارسو الحكمة الهندية يقفون موقف الخيرة بين ما فيها من نظر وتجريد وبين هذه الغابة المتأشبة الشجراء من آلتهم المهولة الخلقة المتعددة الرءوس والأيدي والارجل وما يلحق بها من اناويه لا آخر لها
من المراسم والمناسك ؛ ومع ذلك جميعه كانت هذه العقائد تقر في الضمائر وترسخ في أغوار النفوس ، وكانت بحكم هذا القرار وقوة هذا الرسوخ تتحكم في تصرفاتهم وتملى عليهم افعالهم وتوجه سيرهم . وما دام ذلك كذلك فلا سبيل لنا إلي نكران قدرة هذه الآلهة المعبودة وإن تسكن باطلة - في تاريخ الأمم وسلطانها على مصايرهم .
ثم إنه قلما تبدلت أمة بدينها دينا آخر إلا تبدلت حياة غير حياتها ، واستفتحت عهدا جديدا في تاريخها . حسبنا أن تذكر قيام الاسلام بين القبائل العربية ، كيف كان تأليفه بينهم وتوحيده لصفوفهم ودعمه لبنيانهم حتى قهروا أعظم الممالك بقوة الإيمان وأقاموا إمبراطورية عظيمة في الشرق والغرب .
وليس كالعقيدة شئ يملا شعاب السرائر ، ويملك علي الناس حواسهم ، ويذهلهم عن عقولهم ، ويسمو بهم على ماركب في الطباع من الاثرة وحب الذات والحرص على الحياة ، حتى ليلقي المؤمنون ما يلقون من تعذيب وتشريد وحرمان ونكال ، وقد طابت عن طيبات العيش نفوسهم وهانت عليهم دنياهم ، بل ارتضوا الشهادة وهم سعداء في سبيل الله .
ومعلوم أن هذه الحالة من قوة العقيدة ، إنما تعم والدعوة في إبانها ، والدين قريب عهد يهابط وحيه ،
والجهاد خالص لوجه ربه
ثم إنه مع اتفاق الرأي علي انقضاء زمن النبوات ، فقد ظهر الاستعداد هنا وهناك لتلق بعض الدعوات الدينية كالمهدوية في السودان ، والبابية في فارس . والمرمونية في امريكا ؛ ولهذا الملل المحدثة أنباؤها وكتبها وشهداؤها
على ان الانسان الذي كان في جاهليته الأولى يسجد للقوي الطبيعة ويتعبد لها ، أصبح اليوم يعتز بأنه سيدها ومسخرها في خدمته وصاحب السلطان عليها وكذلك نري الجماعات التي كانت تحركها القوي الأيمانية مما وراء الطبيعة قد أصبحت اليوم تحركها إلي مصايرها القوي إلأيمانية بالمبادئ السياسية
وبديهي ان القوي الدينية اثبت على الزمن من قوي الإيمان بالعقائد السياسية . إلا أن العقائد السياسية مثل الدينية في كونها مبعث آمال ، ومجلبة تعصب ، ومنار دعوة وجهاد في سبيل نشرها . واشاع العقائد السياسية لا يقلون عن دعاة الدين حمية واندفاعا والناظر في تاريخ الثورة الفرنسية لا شك يملكه العجب حين يري الممالك الأوربية القديمة وقد سيرت جحافلها القوية العتيدة على الجمهورية الوليدة التي كان قصاراها من الجند جموعا مشوشة التنظيم غير كاملة العدة . ومع ذلك انتصروا وكانت لهم الغلبة ، وما ذلك إلا لشدة إيمان جنود الثورة بمبادئ الثورة .
ومما يدخل في العقائد السياسية إيمان جنس من الأجناس أنه من طراز وحده ، وانه خير امة أخرجت للناس ، ومن ثمة يكون له الحق الطبيعي في الاستعلاء والسيادة على العالمين لخدمة الحضارة وخير الإنسانية أجمعين
ولقد قرأنا الكثير عن الحركات الاشتراكية وشهدنا قيام الثورة البلشفية ، ولا يمكن ان ننسي
ما جري من الخطوب وما سال من الدم الذكي . وها نحن أولاء نشهد اليوم صراع الديموقراطيات والدول الفاشية ، وقد بلغ ضحايا الفريقين حتى الساعة مبلغا يهون إلي جنبه شهداء الديانات جميعا وإذا ذكرنا أن الديانات تجعل لشهدائها بديلا من هذه الحياة الدنيا الفانية حياة اخري باقية كلها نعيم ومتاع مقيم ، فينبغي ألا يغيب هنا ان للجماعات مثل هذا الايمان بحياة اخري للانسانية كلها سعادة وسلام
خاتمه:
وبعد ، فقد كنا نحب أن تكون القوي الخلافة في تاريخ الأمم أقل تحكما وأسلس جانبا . ولكن هيهات ؛ فإنها كالقدر في فن المأساة الأغريقية القديمة ، يقضي قضاءه فتدور الأيام دورتها ، ولا يكون لبشر معدي عنه ولا مندوحة

